كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية  10

كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 10

الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 10، الدرس العاشر:من( فصل:وما سماه الناس درهماً وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم ... ولا ينبغي أن يكون إلا وجهان إلا إذا خرجت بقيمتها فضة لا بسعرها في العرض). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الدراهم والدنانير

يتحدث عن أحكام الدراهم والدنانير وعلاقتها بوجود الذهب والفضة، ويشرح كيفية حساب الزكاة ونصاب الذهب والفضة. العبرة بالوزن وليس بالعدد في تحديد نصاب الزكاة.

أحكام العملة الورقية وتطبيق الزكاة

يناقش أحكام العملة الورقية وعلاقتها بالذهب والفضة، ويبين أن الزكاة تجب في العملة الورقية إذا بلغت نصاب الذهب. كما يتناول آراء أهل العلم في زكاة الحلي والعملة الورقية.

حكم إخراج القيمة في الزكاة والمعاملات المالية

يتناول حكم إخراج القيمة في الزكاة، ويرجح جواز إخراج القيمة في حالات معينة مثل عدم وجود المفروض أو وجود مصلحة. الأصل هو إخراج الزكاة من جنس المال نفسه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، وما سماه الناس درهما وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم من وجوب الزكاة فيما يبلغ مئتين منه، والقطع بسرقة ثلاثة دراهم منه، إلى غير ذلك من الأحكام، قل ما فيه من الفضة أو كثرة. وكذلك ما سمي دينارا. ونقل عن غير واحد عن الصحابة أنه قال: طيب. أولا، هذه المسائل تتعلق بمعاملة الدراهم والدنانير وما يسمى دينارا ودرهما منها. وهذا الفصل يتعلق بما تجب فيه الزكاة من زكاة النقدين، الذهب والفضة، وما يلحق فيها مما تجب فيه الزكاة. وهي كما مر معنا أربعة: النقدين، وهكذا كذلك الزروع وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة. وهنا جعل الفصل رحمه الله تعالى فيما يلحق بهذه الأصناف الأربعة مما ألحق بها، أو كذلك ما يتعلق من تفاصيل مسائلها مما وقع فيه الخلاف. أول هذه المسائل، قال: وما سماه الناس درهما وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم. وهذا اللفظ كما يرى في تقييده بقوله: قل ما فيه من الفضة أو كثر، يعلم أن المقصود ليس هو اسم الدرهم والدينار، وإنما المقصود ما كان فيه هذا الاسم وفيه بعض المعنى. وهذا المعنى الذي لا بد أن يكون هناك بعضه هو وجود مادة الفضة ومادة الذهب فيما يسمى دينارا أو درهما. فلو سمي شيء درهما وليس فيه فضة، فإنه على الصحيح لا يلحق بحكم الدرهم. ولو سمي شيئا دينارا وهو ليس فيه معنى الذهب، فإنه لا يلحق بحكم الدنار. فهنا عندنا ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى زكاة النقدين، الذهب والفضة. وهذا قد علم تفصيل أنصبته بما ورد في الشرع. فنصاب الذهب عشرون دينارا، وهو ما يعادل اليوم بالوزن خمسة وثمانين جراما من الذهب. وهناك تفاصيل تحت هذا المعنى. هل المقصود العدد في العشرين دينار، أو الوزن؟ وسواء هذا وهذا، المقصود أننا نعتبر بالدينار الذي كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الأحوط. ووزنه على ما سمعنا، ومثله في الفضة كذلك. قد يختلف بعض أهل العلم هل المقصود العدد أو المقصود الوزن؟ والصحيح أنه ينبغي اعتبار العدد والوزن إن أمكن، وإلا أخذنا بما يمكن مما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. فنصاب الفضة مئتي درهم، وهو يساوي بوزننا اليوم خمسمائة وخمسة وتسعين جراما من الفضة. وفي الجميع ربع العشر. والثاني ما ليس بذهب خالص ولا فضة خالصة، فهذا الذي فيه شائبة وتعامل الناس فيه معاملة الدينار والدرهم، فهو كما قال رحمه الله يلحق بحكم الدينار والدرهم. بل حتى ولو لم يسمى دينارا ولا درهما، لو سماه إنسان جنيه مثلا. وتعرفون في فترة ليست ببعيدة كان يتعامل الناس بالجنيهات وهي من الذهب، فيلحق حكمها بحكم الدنانير في نصابها وفي مسائلها جميعا. وهكذا كذلك الفضة لو لم تسمى فضة الدرهم، وكانت فضة فهي كذلك. وكان قبل فترة يتعامل الناس بعملة فضية يسمونها بعضهم بالفرنسي، وبعضهم يسمونه بالفرنك، وغير ذلك من المسميات. وبعضهم موجود إلى يومنا هذا يحتفظ به بعض الناس، وهو من الفضة، فحكمه حكم الفضة. لكن يبقى هل نقول العبر بالعدد أو العبر بالوزن؟ لأن لو قلنا بالعدد صار المائتين قل أم كثر نسبة الفضة فيها، فيتعادل ما فيه نصاب الفضة. والعشرين قل أو كثر نسبة الذهب فيها، فتكون نصابها نصاب الذهب. والصحيح في هذا العبر بالوزن، لأن العدد لا ينضبط ونسبة الذهب فيه قد تقل أو تكثر. فما كان ذهبا وسماه الناس ذهبا، قلت نسبة الذهب أو كثرت فيه، فهو يعامل معاملة الدينار بوزنه لا بعدده على الصحيح، لأن الوزن أضبط وهو أقرب لموافقة المقاصد الكثيرة من هذا النصاب وما قدر فيه وما ألحق به من مسائل. ومثله يقال في الفضة. وبهذا نعرف أن الأمر في هذا النوع الثاني أوسع من أن يسمى درهما أو دينارا. فسواء سمي دينارا أو درهما أو لم يسمى، ما دام فيه نسبة من الفضة بالنسبة لما يعامل معاملة الفضة في بيع الناس وشرائهم، فحكمه حكم الفضة. وما كان فيه معنى الذهب في معاملته وفيه نسبة من الذهب، فحكمه حكم الذهب. ولكن يبقى الزكاة في مئتين منه، الجواب فيما يعادل مئتين منه، هذا الصحيح. فرق بين أن نقول في مئتين أو فيما يعادل المئتين. لأننا لو قلنا في المئتين، معناه قد نوجب الزكاة في الشيء اليسير. قد نوجب الزكاة في الشيء اليسير الذي ليس فيه وزن النصاب. وتعرفون الناس يتعاملون بعملات في مشارق الأرض ومغاربها قديما وحديثا، وقد يكون في بعضها في فترة سابقة شيء من الذهب والفضة، ولكنه قد يقل أو يكثر. ولو قلنا بالعدد لصار ربما كثيرا أو قليلا باختلاف هذه النسبة، وبحسب كبر هذا الدينار أو الدرهم، قد يكونوا كبيرا، قد يكونوا صغيرا. فلهذا الأضبط في هذا وهو العدل أن يكون مراعاة ذلك بالوزن. إذن نقول فيما يعادل مئتي درهم بالنسبة للفضة، وما يعادل عشرين دينارا بالنسبة للذهب. وهكذا كذلك في القطع، والقطع بسرقة ثلاثة دراهم منه، ما دام أن في هذه العملة نسبة من الفضة والذهب، فيلحق حكمها بحكمها، ولكن بما يعادل الوزن. فثلاثة دراهم من الفضة هو ما يعادل نسبة أقل من ربع عشر النصاب. فربع العشر خمسة دراهم، ربع العشر خمسة دراهم، وهو عبارة عن خمسة أخماس لأنه خمسة دراهم. والثلاثة دراهم عبارة عن ثلاثة أخماس منه. فلو كان مثلا ربع العشر تقريبا، إذا قلنا أن نصاب الفضة بما يعادل اليوم الخمسين ألف أو أكثر قليلا، فربع العشر كم؟ خمسين ألف العشر عشرة آلاف، ربعه ألفين وخمسمائة. عشرة آلاف العشر خمسة آلاف، والنصف نصف العشر ألفين وخمسمائة. إذن ألف ومائتين وخمسين ربع العشر، ثلاثة أخماس منه كم؟ سبعمائة وخمسين. فإذن تقطع يد السارق بما يعادل سبعمائة وخمسين. يعني إذا سرق ما يعادل ذلك. وعندنا الثالث العملات الورقية أو العملات النقدية المعاصرة التي ليس فيها ذهب ولا فضة، فهذه يلحق حكمها حكم الذهب والفضة، ولكنها ليست بذهب ولا بفضة، بل هي فيها معنى نقدية، فيكون حكمها حكم النقود، ولكنها ليست بذهب ولا بفضة. وينبني على هذا أن معاملتها فيما بينها معاملة الذهب والفضة، من وجوب التماثل والتساوي والتقابض، وجوب التساوي والتقابض. وفيما بينها وبين الذهب والفضة، لأنها تختلف من وجوب التقابض، ولا يشترط التساوي مثل معاملة الذهب بالفضة. فالذهب قيمته أعلى، والفضة قيمته أدنى، فلا يشترط فيه التساوي، ولكن كله فيه معنى نقدية والثمنية، فيشترط فيه التقابض. وهكذا يقال في العملة الورقية فيما بينها، وفيما بينها وبين غيرها، كما يقال في الذهب فيما بينه، وفيما بين الذهب وبين غيره. فبهذا نعلم خلاصة ما يذكر وينبغي أن يعلم في هذا المقام. ثم نأتي الآن على المسائل مسألة مسألة. قوله رحمه الله: وما سماه الناس درهما وتعامل به تكون أحكامه أحكام الدرهم، كما قلنا أحكام الدرهم على الصحيح إذا كان غلب عليه الفضة فهو مثل الدرهم، ولو قلت النسبة ما دام أنه يسمى فضة أو يسمى ذهب فهو مثله. مثلا لا فرق بين عيار 18 وعيار 20، ما دام كله يسمى دينارا أو كله يسمى فضة. لكن إذا كانت النسبة يسيرة حتى يظن أنه خرج عن معنى ذلك، فإنه كما سبق يقال العبرة بماذا؟ العبرة بالوزن. وقوله: من وجوب الزكاة فيما يبلغ مئتين منه، هذا على التفصيل الذي سبق. إذا كان فيه عين الذهب أو الفضة، ففي الفضة مئتين، وفي الذهب عشرين. وما لم يكن فيه عين الذهب ولا فضة، أو كانت النسبة يسيرة مندفرة، فالصحيح أنه إما أن يحسب بوزن الذهب والفضة، لأنه خرج عن مسمى الذهب والفضة، فيحتاج أن ينظر في هذه النسبة، فيكون بالوزن. أو أنه يلحق بالعملة الورقية والعملات النقدية التي ليس فيها ذهب ولا فضة، فيحكمها كما سبق. وعلى هذا يخطئ من يقول مثلا: عملتنا تسمى درهم، إذن في مئتي درهم الزكاة. مثلا الآن عملة دولة الإمارات يسمى ماذا؟ درهم. فهل نقول في مئتي درهم الزكاة؟ الصحيح لا، ما نقول ذلك. لأنه ليس فيه فضة أصلا، ولأنه لو قدر به الوزن فإنه ليس فيه الوزن المعلوم من وزن الفضة، وهو خمس أواق. فنصاب الفضة خمس أواق، والأوقية أربعون درهما. وقوله: هو القطع بسرق الثلاثة دراهم، على ما سبق. إن كانت الدراهم فيها فضة وتسمى فضة، فهي بثلاثة دراهم. وإن كانت الفضة يسيرة مندثرة حتى لا تسمى فضة، فإنها ينظر هل فيها شيء معتبر من الوزن، فبالوزن. أو تلحق بالعملات التي ليس فيها ذهب ولا فضة كالعملات الورقية وما كان بمعناها، فلا يصح أن يقال مثلا: تقطع يد السارق بثلاثة دراهم ماراتية. لماذا؟ لأنها تسمى في عرف الناس درهم. وعلى هذا يفهم العبارة الأخرى التي نقلها بعض المعاصرين في بعض بحوثهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الدرهم والدينار ليس له حد طبيعي وشرعي، ولكن مرجعه إلى العادة والعرف والاصطلاح. فهذا يقيد إذا كان فيه نسبة من أصله الدينار فيه جنس الذهب، والدرهم فيه جنس الفضة، كما هو مقيد ها هنا بقوله: قل ما فيه من الفضة أو كثر. وتتعجب حين ترى بعض الناس يوجب الزكاة في مئتي ريال، وهذا شيء غريب. يو جب الزكاة في مئتي ريال، يقول: مئتي ريال فيها الزكاة. لماذا؟ قال: لأن الريال مثل الدرهم. والدينار كذلك يلحق به ما كان بمعناه من العملة الأكبر، هكذا ظنوا. والأمر ليس كذلك. بل مرات شيخ الإسلام رحمه الله هو ما فيه جنس أصله الدينار، فيه جنس الذهب. والدرهم فيه جنس الفضة. وأما العملة الورقية فكما سبق، الصحيح وتحته خلاف طويل وواسع وبحوث كثيرة. والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يكون فيه معنى النقدية والثمانية، لكنه ليس بذهب ولا فضة، فهو جنس آخر ثالث. جنس ثالث. وقد نص أهل العلم من القديم أن كل ما كان فيه معنى الثمنية، فإنه يعامل معاملة الدينار والدرهم، وإن كان هو ليس بدينار ولا درهم. ويروى عن الإمام مالك كما ذكر صاحب المدونة أنه قال: لو أن الناس أجازوا الجلود بينهم حتى يكون لها سكة، والسكة مثل ما نقول الطبعة. قال: حتى يكون لها سكة. قال: لكرهت أن تباع بالذهب والورق نظرة. يعني بآجل. انظر لم يكره التعامل بينه وبين الذهب والفضة بالتفاضل، لأنها ستكون ثمنيتها مختلفة عن ثمنية الذهب والفضة. ولكنه كره أن يتعامل بها بالآجل، مثل ما نقول في معاملة الذهب مع الفضة، يجوز أن تتفاضل، ولا يجوز ماذا؟ أن يحصل فيها التأجيل وعدم المقابضة. ومثل هذا الجلد لو أن الناس كما قال تعارفوا عليه، وسك فيه سكة، وصارت له طبعة يتعامل به الناس. وهذا من فقهه رحمه الله تعالى. وهذا كما قال بعض أهل العلم عين الفتوى المحتاج إليها في العملة الورقية. فكأن الإمام مالك رحمه الله أفتى فتوى صريحة في العملة الورقية التي اضطرب فيها الناس اضطرابا واسعا كثيرا. وهذا هو الصواب أن فيه معنى الثمنية، فيلحق بالدينار والدرهم من جهة معنى الثمنية، لكن لا يلحق به كعين من تلك الأعيان. ولهذا يجوز التفاضل، ولكن لا يجوز التقابض، عدم التقابض. وقوله رحمه الله تعالى: إلى غير ذلك من الأحكام، يعني مما يلحق بهذا الباب على التفاصيل التي سبقت. إذا اختلفت فإنها يجوز التفاضل بينها لقول النبي عليه الصلاة والسلام: فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم. لكن بشرط أن يكون يدا بيد. وهنا يأتي سؤال يكثر الإشكال عند بعض طلبة العلم فيه، وهو إذا قلنا أن العُملة الورقية تلحق بالذهب والفضة، فبأي النصابين تَلحق؟ هل بنصاب الذهب أم بنصاب الفضة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح وهو الذي تقضي عمومات الأدلة أنه يلحق بنصاب الذهب. لأن الأصل في أموال الناس الحرمة، الأصل في أموال الناس الحرمة. وكوننا ننظر إلى أن نصاب الفضة أحظ للفقراء وأفضل، هذا معنى لا يمكن أن يتعدى به المحظور من أصل حرمة أموال الناس. ولا يجوز انتهاك هذه الحرمة إلا بدليل صحيح صريح. وما دام لا يوجد، فيبقى على ما هو أقل في هذا الباب. والأقل هو نصاب الذهب. كما أن فيه ربما مشقة على الناس في إلزامهم بالزكاة في الشيء اليسير. ثم قال رحمه الله تعالى: قل ما فيه من الفضة أو كثر. وهذا يقيد إذا كان لا يزال يسمى فضة. أما إذا خرج عن مسمى الفضة، فهو ليس كذلك. وهكذا إذا خرج عن مسمى الدينار أو مسمى الذهب، فهو ليس بدينار. قال: ونقل عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته. ولهذا تنازع أهل هذا القول، يعني من قال بعدم زكاة الحلي، تنازع بعد ذلك في مسألة كون العارية هل هي زكاة تغني أم لا؟ قال: ولهذا تنازع أهل هذا القول هل يلزمها أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها؟ إذا كان زكاة. إذن هل يلزمها أن تعير أم لا يلزمها؟ قال: على وجهين في مذهب أحمد وغيره. والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره. وأما إن كانت تكرهه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء. الآن عندنا تحت هذا أربع مسائل: المسألة الأولى هل الحلي فيه زكاة؟ حلي المرأة هل فيه زكاة؟ وليس فيه زكاة. والصحيح من أقوال أهل العلم الذي دلت عليه الأدلة أن فيه الزكاة. لما ثبت من حديث عمر بن شعيب في السنن في قصة المرأة، وما رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المسكتين الغليظتين، قال: هل تؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أتحبين أن يسورك الله بهم بسوارين من نار؟ فدل على أن الذهب ولو كان ملبوسا على الصحيح فيه الزكاة. وتحت هذا أحاديث كثيرة منها حديث عائشة وغيرها، وكلها تدل على وجوب الزكاة في الذهب ولو كان ملبوسا. والمسألة الثانية وهي على من يقول بعدم الزكاة، هل العارية تعتبر زكاة؟ فيكون فيه إلزام بها. وعلى القول الصحيح لا حاجة لهذه المسألة، وليس فيها نص صحيح صريح يدل على الإلزام بها، حتى نلزم الناس بأن يعيروا الذهب خصوصا. وقد خاف الناس مع ضعف الأمانة في الناس على أموالهم، فيقال: أدوا زكاة هذا الذهب إذا بلغ النصاب وانتهى الأمر. وليس هناك شيء صحيح صريح يدل على الإلزام بالعارية أو أنه زكاة. والمسألة الثالثة وهي على قول من يقول بعدم الزكاة، هل الأحوط بحقه أن يعيره حتى يسلم من ذلك؟ يقول شيخ الإسلام: الأحوط أن يعيره. وهذا الأحوط يحتاج لدليل لا شك. وما دام أنه لا دليل صحيح صريح في ذلك، أي أن الذهب إذا كان ملبوسا أو كان حليا فزكاة إعارته، فليس هناك شيء صحيح صريح. فإذا لا حاجة لهذا الأحوط. والمسألة الرابعة وهي قضية الكراء، إذا صار في الذهب كراء، هل الكراء يسقط الزكاة؟ يقول جمهور أهل العلم أنه لا يسقط، وأن فيه الزكاة. وهذا هو الصواب. وكما سمعنا الصحيح أن الذهب سواء ملبوسا أو غير ملبوس، أي حلي المرأة فيه الزكاة. قال رحمه الله: وكتابة القرآن على الحياصة والدرهم والدينار مكروهة. ناسبا يذكر هذه المسألة تتمة للفائدة في هذا المقام، لأنها تذكر في كتب الفقها. وذلك لأن بعض الدراهم والدنانير من الذهب والفضة مكتوب عليها شيء من آيات القرآن. والصحيح أنه يحرم كتابة القرآن عليها، لأن ذلك سبب لامتهانها. فهي تمتهن. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وإذا صارت الكتابة موجودة، فماذا يصنع من ابتلي بالتعامل بالدينار والدرهم؟ فهو يحتاج أن يدخل بها إلى الخلاء، ويحتاج كذلك أن يضعها في أماكن ربما لا تكون محفوظة. هذا يتعامل بها وهو يبيع ما فيه دم، وهذا يتعامل بها وهو يلامس النجاسة وغير ذلك. وفيها شيء من آيات القرآن. فهنا نقول: الإثم على من صنع ذلك. والمسلم يحتاط قدر المستطاع. فاتقوا الله ما استطعتم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وأما الحياصة، المراد بها السير الذي تستعمله المرأة، فهو بمثل ما يسمى بالمنطقة. فطرف السير كان في ذاك الزمان يكون من الذهب أو الفضة، زيادة في التجميل، تربط المرأة في وسطها أو تحتاجه أن تستعمله في مكان آخر رباطا يكون فيه زينة، شيء من الذهب أو الفضة. ولا يزال اليوم يلبس بعض النساء بعض السيور التي يكون فيها ذهب أو فضة، أو تكون كلها ذهب أو فضة. فإذا كان كذلك، ما حكم الكتاب عليها؟ كذلك الصحيح أنه ينبغي ترك ذلك، على أقل الأحوال أنه للكراهة. فكتابة القرآن عليها سبب لامتهان القرآن. ويأتي ها هنا التنبيه على مسألة يتوسع فيها بعض الناس، وهي قضية التعامل بالألبسة والأوعية التي تكون من الذهب أو الفضة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن آنية الذهب والفضة، كما في حديث للصحيحين. وجاء معنا عن عدد من الصحابة. وهذا الحكم عام يشمل الرجال والنساء. فرق بين لبس الذهب الذي هو جائز للنساء ومحرم على الرجال، وبين آنية الذهب والفضة الذي هو محرم على الرجال والنساء. الفضة جائزة للرجال وللنساء، ولكن آنية الذهب والفضة حتى الفضة محرم على الرجال ومحرم على النساء، لأن الآنية فيه نوع من التبذير، مع ما فيه كذلك من التشبه بالكفار. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وبين أنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة. فلا يجوز للمسلم أن يستعمل آنية الذهب والفضة. ومما يلحق بالآنية بعض ما يستعمله بعض الناس، مثل الكيزان وأطراف بعض الكاسات وأطراف بعض السكاكين، ونحو ذلك مما هو من الآنية. واختلف في السيف. والصحيح أنه كذلك ينبغي الامتناع عنه. ولم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقبض سيفه فيه شيء من الذهب. والواجب الاحتياط لهذا الباب. وبعض الأمور يحصل فيها اللبس، والإنسان ينبغي أن يجتنب ما فيه شبهة. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. فمثلا بعض الناس يتخذ المكحلة من الفضة، يقال: إذا استطعت. ولا يضر أن تستعمل غير الفضة. فهذا هو الأحوط. ولو كان بعض أهل العلم أفتى جوازه، وقال: أنه ليس من الآنية. لكن الأحوط للإنسان خصوصا وقد بلغك أن بعض أهل العلم صار يعدها ويحتسبها من الآنية، الأحوط أن تجتنب ذلك. قال رحمه الله: ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة، مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه. فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة. فإنه قد ساوى الفقير بنفسه. وقد نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن تجب عليه شاه في الإبل، وليس عنده شاه، فإخراج القيمة كاف. ولا يكلف السفر لشراء شاه، أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم، فهذا جائز. هذه مسألة وهي مسألة هل يجوز إخراج القيمة في الزكاة؟ في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، وتحته تفاصيل كثيرة. والصحيح ما أشار إليه شيخ الإسلام هنا رحمه الله، وهو قول المحققين من أهل العلم، وهو أن الأصل لا يجوز إخراج الزكاة بالقيمة، هذا هو الأصل. فينبغي أن يبقى كل شيء على أصله، وعلى وجه الخصوص زكاة الفطر. فإن زكاة الفطر عين الطعام سدا لحاجة الفقراء من أمر الطعام خاصة. فكونه يعوض عنه بالقيمة، هذا خلاف الصواب. وليس بالأدلة شيء ما يدل على جواز هذا. والأصل هو البقاء على هذه المقادير الشرعية. ولهذا قال: ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة، يعني إذا كان ليس لأجل الحيلة، وكذلك لأجل عدم وجود المفروض. فإذا كان كذلك فيجوز الانتقال من أصل المفروض إلى القيمة. فالأصل إخراج زكاة الزروع من الزروع، وزكاة الذهب من الذهب، وزكاة بهيمة الأنعام من بهيمة الأنعام، على المقادير الشرعية التي ثبتت في السنة، هذا هو الأصل. ويجوز الخروج عن هذا الأصل لأحد المعاني التي أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله، وما كان بمعناها. يعني مما تقتضيه المصلحة، ومن باب أولى ما كان لأجل الضرورة. وابتدأ رحمه الله بالأشد، ثم انتقل إلى الأخف. فالأول قال: مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه. رجل باع ثمرة البستان، لم يبق من الثمرة ولا من الزرع شيء، إما أنه حصل له ذلك بخطأ، يريد أن يخرج الزكاة فنسي، أو غير ذلك. المهم هذا الواقع، فماذا يصنع؟ الآن ليس عنده شيء من الثمرة. هل يكلف أن يشتري مثل ثمرته؟ الصحيح أنه يجزئه كما ذكر، أن يخرج عشر الدراهم إذا كان عليه العشر، ويخرج نصف العشر إذا كان عليه نصف العشر. فإذا مثلا باع الزرع بمئة ألف، فهو إن كان يسقي بغير كلفة فالعشر عشرة آلاف. وإذا باع بنفس الثمن أو القيمة، وكان عليه نصف العشر لكونه يسقي بكلفة، فعليه خمسة آلاف. وهكذا يقال. قال: ولا يكلف أن يشتري تمرا أو حنطة. وهذا هو الصحيح، لأنه مع ما فيه من مشقة، فكذلك لم يحصل المقصود. لأن التمر الذي سيشتريه، والحنطة التي اشتراها أو سيشتريها، لن تكون مثل الذي كان عنده. بينما الدراهم التي سيخرجها هي أدق في المثلية. أليس كذلك؟ لأن هذا الذي سيشتريه إما طيب وإما رديء، وإما قريب مما هو كان عنده، ففي احتمالات. بينما الدراهم ليس باحتمالات، عشر الدراهم ليس باحتمالات، هي قيمة الذي كان فيه الزكاة واضح. قال: فإنه قد ساوى الفقير بنفسه، يعني بنفس الذي كان له. وقد نص أحمد على جواز ذلك، وهو الصواب كما تقدم. ثم مثل بالمثال الثاني: أن تجب عليه شاه في الإبل، مثلا عنده خمس من الإبل، ففيها شاه. وليس عنده شاه، هل يلزم بشراء شاه؟ الصواب أنه يكفي فيه قيمة الشاه. وهكذا كما قال: ولا يكلف السفر لشراء شاه، يعني إذا حتى ليست موجودة حوله، فلا يلزم بسفر. وكأنه يقول: إذا كانت حوله فلا بأس أن يشتري ويتصدق بها إذا كان هذا أنفع للفقراء. أي وجود الشاه. وذكر ثالثا: أن يكون المستحقون طلبوا القيمة، لكن بهذا الشرط: أن يكون هذا أنفع لهم. إن كان هذا أنفع لهم، فالصحيح أنه يجوز كذلك. مثل أن يكون الفقير من بلاد بعيدة، فإعطاه الشاه كلفة عليه ينقلها ويتكلف في نقلها. وإذا باعها سيبيعها بخص يتبخصه الناس، يأخذها وهي تسوى عشرة آلاف، لكن لأنه محتاج ربما تشترى منه بخمسة آلاف. لكن لو أعطاه هذا الرجل وهو يعرف أن هذا أنفع له، حتى لا يبخص أحد حين يبيعها، فهذا هو الأفضل. حتى لا يكون عندنا جمود الظاهرية. فجمود الظاهرية في هذا المقام أن يصر الإنسان على إعطاء الفقير الذي يعلم أنه سيبيع هذه الشاه بأقل من قيمتها، فيصر على أن يعطيه الشاه، وهو يعلم أنه سيخرج من عنده من هنا، وسيبيعها بأقل من قيمتها. لأنه محتاج إلى قيمتها. فهنا الأفضل أن تعطيه قيمتها، ما دام هو يريد القيمة، وهو أنفع له. قال رحمه الله: أما الفلوس فلا يجزئ إخراجها عن النقدين على الصحيح، لأنها ولو كانت نافقة، فليست في المعاملة كالدراهم في العادة. لأنها قد تكسد وتحرم المعاملة بها. ولأنها أنقص سعرا. ولهذا يكون البيع بالفلوس دون البيع بقيمتها من الدراهم. وغايتها أن تكون بمنزلة المكسرة مع الصحاح، والبهرج مع الخالصة. فإن تلك إلى النحاس أقرب. وعلى هذا إذا أخرج الفلوس وأخرج التفاوت جاز، على المنصوص في جواز إخراج التفاوت فيما بين الصحيح والمكسر، بناء على أن جبران الصفات كجبران المقدار. لكن يقال: المكسر من الجنس، والفلوس من غير الجنس، فينتفي في هذا المأخذ. ولا ينبغي أن يكون إلا وجهان: إلا إذا خرجت بقيمتها فضة لا بسعرها في العُرب. هذه مجموعة من المسائل تتعلق بجنسين مما يلحق بالذهب والفضة. الجنس الأول ما يسميه الفقهاء بالفلوس، وهو ما يلحق بالنقد وليس فيه ذهب ولا فضة. مثل عملة معدنية من النحاس أو من البرونز أو كذلك من الحديد أو الاستيل أو غير ذلك. مثل هذه العملات المعدنية التي بأيدينا الآن، هذه يصح أن تسمى فلوسا. فهي ليس فيها ذهب ولا فضة. والنوع الثاني ما فيه ذهب وفضة، لكنه ضعيف. مثل النحاس يخلط بالذهب، أو كذلك المعدن يخلط بالفضة. وهذا ما يسمى بالمكسر أو البهرج كما سيأتي إن شاء الله. فما حكم هذه الفلوس في المعاملات؟ تقدم معنا أنها ليست بذهب ولا فضة، ولا مما يلحق بالذهب ولا الفضة. لأنه ليس فيها جنس الذهب، وليس فيها جنس الفضة. فلهذا فهو شيء ثالث، فيه معنى الثمنية. لأن الناس تعارفوا على التعامل به. والصحيح أن الدينار والدرهم ليس مقصودا لذاته، ولكن مقصود لغيره. ليس مقصودا لذاته، ولكن مقصود لغيره. فلأن فيه معنى الثمنية، صار فيه الزكاة. فكل ما كان فيه معنى الثمنية ففيه الزكاة. ونصاب الزكاة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية يرجع في ذلك إلى العرف. وكما تقدم: الصحيح أنه يلحق بالذهب، وليس بالفضة. فهنا ذكر مجموعة من المسائل تتعلق بالفلوس. أولها: أنه لا يجزئ إخراجها عن النقدين على الصحيح، يعني بالعدد لا بثمنيتها وقيمتها. فمثلا لا يقول قائل: إذا كان في مئتي درهم ربع العشر خمسة دراهم. إذن أنا سأخرج خمسة ريالات من العملة المعدنية، تعادل خمسة دراهم. هذا ليس بالصحيح. لأنها ليست خمسة دراهم لا من جهة القيمة، ولا من جهة كون فيها فضة، ولا حتى كذلك من جهة تمنيتها. فمن جميع النواحي ليست خمسة دراهم. فإذن الصواب أنه إذا أراد أن يخرج فيخرج بقيمة الخمسة دراهم. كما قلنا أولا. كم كانت تقريبا؟ ألف ومائتين وخمسين. على تقدير أن النصاب يساوي خمسين ألفا. طيب. وقوله: فلا يجزئ إخراجها عن النقدين على الصحيح، لما سمعتم. قال: لأنها ولو كانت نافقة، ومعنى نافقة: يحصل انتفاع بها، تمشي بين الناس، لها معنى ثمنية. فليست في المعاملة كالدراهم في العادة، ليست كالدراهم في القوة، هي ضعيفة. قال: لأنها قد تكسد. ومعنى تكسد: يعني لا يأخذها الناس. وكذلك لأنها أقل في القيمة. قال: وتحرم المعاملة بها. ومعنى تحرم المعاملة بها: أي معاملة الذهب والفضة، فلا تنزل منزلة الذهب والفضة. وليس معنى حرمة التعامل بها ما دام العرف قد تعارف بالتعامل بها. وإنما إذا لم يحصل التعارف عليها فيحرم، لأنه من الغش. وإذا حصل التعارف عليه وفيها الثمنية، فلا تعامل معاملة الذهب والفضة. قال: ولأنها أنقص سعرا كذلك كما تقدم. قال: ولهذا يكون البيع بالفلوس دون البيع بقيمتها من الدراهم. يعني البيع الشراء بين الناس يكون بهذه الفلوس بنفسها، دون البيع بقيمتها من الدراهم. يعني مثلا الريال السعودي والدرهم الإماراتي والريال اليمني، ربما يكون تقارب في الوزن، لكن هل القيمة واحدة؟ فرق كبير. إذن من أين أتت القيمة؟ هل القيمة من وزنها؟ الجواب: لا، ليس من وزنها، وإنما لما جرى العرف به من قيمتها. وهذا هو الذي أراد أن يشير إليه. ولهذا يكون البيع بالفلوس دون البيع بقيمتها من الدراهم، قيمتها الحقيقية. لو رحت تبيع هذه العملة المعدنية لصاحب الفضة، كم سيعطيك بقيمتها من الفضة؟ لا شيء. مثلا دق هذه العملة المعدنية، ضيع أثر السكة التي فيها، حولها إلى قطعة حديد، واذهب بيعها لصاحب الفضة، كم سيعطيك؟ لا شيء. يقول: ارمها، ما أريدها، ما لها قيمة، ليس لها قيمة. لكن إذا كانت على سكتها لها قيمة، بحسب ما تعارف عليه الناس. فإذن هذا هو قوله: ولهذا يكون البيع بالفلوس دون البيع بقيمتها من الدراهم، لأن هذه لا قيمة لها بالدراهم. ولو كان لها قيمة لكان شيء يسير. وإن مجرى العرف على أن لها قيمة، لأن حاكم تلك البلاد اعتمد قيمتها. قال: وغايتها أن تكون بمنزلة المكسرة مع الصحاح، والبهرج مع الخالصة. فإن تلك إلى النحاس أقرب. المكسرة ما يتكسر من أصله، مثلا عندك خاتم ذهب، هذا الخاتم الذهب يساوي على هذه الصفة التي هو فيها ثلاثة آلاف. تكسر عليك هذا الخاتم، صار خمس قطع، اذهب بيعه لصاحب الذهب، بكم سيشتريه