الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 12، الدرس الثاني عشر:من( وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة ... وصلة الرحم المحتاج أفضل من العتق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أحكام الزكاة خصوصًا في إعانة طلبة العلم والمحتاجين، حيث يجوز إعطاء الزكاة لطالب العلم أو لمن يحتاج إلى إقامة مؤنته. يتم التأكيد على مراعاة الأولويات الشرعية وعدم الإسراف أو التبذير.
يجوز إعطاء الفقير من الزكاة ما يصير به غنيًا، ويشمل ذلك تمكينه من كسب رزقه مثل شراء سيارة أو محل تجاري. كما يجوز استخدام الزكاة في فك أسرى المسلمين واعتاق الرقيق إذا كان فيه مصلحة.
يتناول أحكام الزكاة ودفعها إلى ولي الأمر سواء كان عادلاً أو ظالمًا، ويشرح آراء أهل العلم في ذلك. كما يتطرق إلى مسائل أخرى متعلقة بالزكاة والحج والديون ومظالم العباد.
يجوز طلب الدعاء من الغير إذا كان لنفع الغير أو النفس والغير معًا. يندب إحصاء أموال الزكاة لمن تولى عملها، وتُفضل صلة الرحم المحتاج على العتق لكونها تجمع بين الصدقة والصلة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وما يأخذ الإمام باسم المكسي جاز دفعه بنية الزكاة وتسقط، وإن لم تكن على صفتها. مر معنا الإشارة فيما سبق أن هذه المسألة الصحيح أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له فتوى على خلاف هذا. فإن كان هذا المنقول صحيحًا فيحمل أنه كان في وقت سابق، وإلا الذي نقله أكثر تلامذته، والمنقول عنه في مواضع كثيرة من كتبه أنه لا يجيز مثل هذا أن يكون من الزكاة. والمكس هو المأخوذ ظلمًا، ضريبة أو غيرها من الناس، فما أخذ كذلك لا يصح أن يعتبر من الزكاة. وأما ما أخذ أنه من الزكاة فهذا سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. قال: ومن ليس معه ما يشتري به كتبًا يشتغل فيها بعلم الدين، يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشترى له به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لتعلم دينه ودنياه منها. وهذه المسألة كذلك مما اختلف فيها أهل العلم، والصحيح بهذا القيد أنه من مصارف الزكاة، أي طلب العلم الشرعي؛ لأنه من سبيل الله، والأدل على ذلك كثيرة. قال الله عز وجل: ﴿وَجَاهِدُوا بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ أي القرآن، فالجهاد يكون بالسيف والسنان، ويكون كذلك بالحجة والبرهان، وكله من سبيل الله. وقد قال الله عز وجل في ذكر مصارف الزكاة: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وسبيل الله أوسع من أن يحصر بالجهاد في السيف والسنان، فهو يشمل كل ما تكون به كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ومن ذلك بناء مراكز العلم. فإذا جاز أن يُعطى طالب العلم من الكتب من الزكاة؛ لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا، فمن باب أولى كذلك مراكز العلم أن يكون بذل الزكاة إليها أو إعطاء بذل المال إليها من الزكاة. وقوله: «بعلم الدين»؛ لأن غير علم الدين هو من المباحات، ولو قيل: أعلى من ذلك هو من فروض الكفايات، لكن لا يصل أن يكون من مصارف الزكاة. وهكذا كذلك نبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه أنه على الصحيح يجوز أن يُعطى طالب العلم ما يعان على طلب العلم، حتى ولو كان غنيًا ليس ممن يستحق الزكاة؛ لحاجته لنفسه، فهو مثل المجاهد في سبيل الله يعان على ما يتقوى به في جهاده، ولو كان غنيًا؛ لأنه ربما عنده من الغناء، لكن ما يستطيع بغناه أن يسد حاجة نفسه. يستطيع أن يسد حاجة قوته ومعيشته نعم، لكن حاجته في طريق القتال ما يستطيع يشتري الأسلحة، الغني يستطيع أن يسد حاجة نفسه بالطعام والشراب واللباس ونفقة الأسرة؛ لأن الغنى درجات، ولكن لا يستطيع أن يسد حاجة القتال في سبيل الله من شراء العتاد والسلاح والأجهزة التي قد يحتاجها، فهذا يجوز أن يصرف له من الزكاة. وهكذا كذلك طالب العلم قد يكون غنيًا ليس بفقير ولا مسكين، لكن لا يستطيع بالمال الذي معه أن يشتري كل ما يحتاجه في طريقه العلمي، فلو يعين طالب العلم من الزكاة فيما يعينه على الاجتهاد ونفع المسلمين في طريق العلم، فإن ذلك صحيح وهو من مصارف الزكاة الصحيحة. وهذا هو القول الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم، وكان يفتي بهذا شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، بل ويطبقه، فكان يجعل بين حين وآخر إعانة لطلبة العلم باقتناء مكتبات يعان بها طلبة العلم، خصوصًا من يظن أنه سيكون مرجعًا لأهل بلده مما يظهر من جده واجتهاده، ومما يظهر من ذكائه وفهمه وحرصه وتباته. فأمثال هؤلاء يعانون بأنواع العونات التي تعينهم في تقدمهم العلمي، وأن تكون كلمة الله العليا على أيدي أمثال هؤلاء. وأما قوله: «لتعلم دينه ودنياه منها»، دنياه تبع للدين، ليس معناه أن يعان فيما يحتاجه في أمر الدنيا لا، إلا إذا كان هو من أهل الحاجات، كأن يكون طالب علم وفي نفس الوقت فقير ومسكين، فهو يعطى من جهتين: من جهة كونه فقيرًا أو مسكينًا، ومن جهة كونه كذلك طالب علم. قال رحمه الله: ويجوز الأخذ من الزكاة لما يحتاج إليه في إقامة مؤنته، وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة. فرق بين الأخذ والعطاء، أنت قد تعطي الإنسان لأجل كونه فقيرًا أو مسكينًا، ثم الفقير والمسكين يجوز له أن يستعمل هذا الذي جاءه فيما يحتاجه من مؤنته، ولو كان هذا ليس مقصد المعطي. على الصحيح من أقوال أهل العلم، يعني ما نقول للمسكين: يحرم عليك أن تستعمل هذه الفطرة التي أعطيتها في إكرام الضيف، هذا غير صحيح، بل قد امتلكه فهو يتصرف فيه بما شاء: بإطعام نفسه أو إطعام أهل بيته أو إطعام ضيفه. وهكذا كذلك يقال في سائر أنواع الزكاة التي تدخل على المستحق، فإنها تدخل عليه لمعنى، ويجوز له أن يستعملها لمعنى آخر، لكن لا شك لا ينبغي أن ينتقل إلى المفضول وعنده الأفضل، ولا كذلك إلى الأشد إلى الأدنى ويوجد الأشد، بل ينبغي أن يراعي في ذلك كله الأولويات الشرعية في النفقة. ومن باب أولى أن لا ينتقل به إلى ما هو حرام، كالإسراف والتبذير، كبعض السفهاء الذين كما يقول عندنا العامة: يومه عيده، فإذا جاءته الزكاة ذاك اليوم أتى بجميع أهله وأتى بالناس وأتى وعمل مثل الحفل وأنهاها في يوم واحد، بينما ربما أعطي مالًا كثيرًا يقصد بذلك بهذا المال الكثير أن يستعين به في سنته. لأن أصل الزكاة هي إعانة للمحتاجين أن تسد حاجتهم إلى موسم الزكاة الآخر، وبعض الناس لا يفهم هذا، فربما إذا جاءه الكثير عجل بإهلاكه وإنفاقه، وهذا خطأ، خصوصًا إذا وصل إلى حد الإسراف والتبذير فهو حرام. وقد قال سبحانه: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. قال رحمه الله: وقيل لأحمد رحمه الله: الرجل يكون له الزرع القائم وليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم يأخذ. وهذه مسألة أخرى، وهي ما إذا كان الإنسان عنده ما يملك، وما كذلك يسد حاجته، ولكن ليس عنده ما يكمل ما تسد به الحاجة، فهنا يعان. لو أثمرت المزرعة صار هذا الرجل غنيًا ما يحتاج أن يعطى من الزكاة، ليس هو بفقير ولا مسكين، عنده ما ينفق على نفسه طول السنة. لكن المزرعة لم تثمر، كأن يكون مثلًا انتهت نفقته في حصد الثمرة، ظهرت الثمرة، بقي الحصد، فهل يجوز أن يعطى من الزكاة يعان على حصد ثمرته؟ نعم يجوز، وهذه فتوى الإمام أحمد رحمه الله، وهو كذلك ما تقتضيه الأدلة بعموماتها، فهو محتاج من المحتاجين بهذا الاعتبار والقيد. وهكذا كل ما كان بمعنى ذلك، كرجل مثلًا ينتظر المطر والسيول تسقي مزرعاته، فلم يتيسر ذلك، بينما نحن نعلم أن هذا الإنسان لو أعين في هذا كفى نفسه في مؤنته، فيعان مثل هذا بأن يسقى بالأجرة مثلًا، فسقي واحدة تكون سببًا لغناه فيعان على ذلك من الزكاة. قال: ويأخذ الفقير من الزكاة ما يصير به غنيًا وإن كثر، وهو أحد القولين في مذهب أحمد والشافعي، وأكثر الحنابلة، بل والفقهاء على منع ذلك، والصحيح كما ذكر رحمه الله: يجوز هذا. والمقصود ما يصير به غنيًا أي في سنته، فإن كان أكثر من ذلك فهنا يشتد الخلاف، والصحيح أنه كذلك يجوز؛ لأن المقصود هو سد حاجة هؤلاء، وما سيعطى في السنة القادمة يُعطى لغيره ما دام أن الأول قد سدت حاجته. ولكن هذا ما إذا كان قد علم أنه سيضعها في موضعها؛ لأن بعض الفقراء والمساكين والمحتاجين ربما يكونوا سفيهًا لا يحسن التصرف بالمال، إذا أتى إليه وهو كثير كما مر معنا بعضهم يومه عيده إذا جاءه ذاك المال أهلكه بساعته، وهذا مثل هذا لا يعطى هكذا. ولهذا قد تفرق فتقول: من الناس من يجوز أن يُعطى فيغنى حتى لا يحتاج للزكاة مرة أخرى، وليس المراد بالغنى هنا أن يكون ثريًا، ولكن المقصود أن لا يحتاج في سنته، تكون عنده أو يكون عنده شيء يدخل عليه أمر كفايته في معيشته. مثل ما تقدم: أن يشتري لفقير مثلًا سيارة يعمل عليها، فتكون سببًا لسد حاجته أو يجعل له محلا صغيرًا يكون سببًا لسد حاجته ومعيشته، يجوز أن يكون ذلك من الزكاة. وأما من يظن أنه لا يحسن التصرف ولو كان كبيرًا رجلًا، فهو في معنى السفهاء، ليس السفيه فقط المرأة وكذلك الطفل، بل السفيه كل من لا يحسن التصرف في المال ولو كان كبيرًا، فمثل هذا ممكن أن يجعل لأمثال هؤلاء أولئك أوقاف. إنسان غني تأتيه زكاة كبيرة، يجوز أن يجعل من هذه الزكاة أوقافًا تنفق على مجموعة أسر، ويجعل هناك من يقوم على هذه الأوقاف من النظار، وإما أن تكون لهم أجرة أو يكون الأمر معهم بالمضاربة، ويستمر الوقف في مصلحته وسد حاجة أمثال هؤلاء، بل هذا أنفع للناس. فإن الزكاة تبقى، والنفقات تستمر. قال رحمه الله: ويجوز اعتاق الرقيق من الزكاة، وافتكاك أسرى المسلمين، وهو مذهب أحمد، وهو الصحيح. وقد روي عن عبد الله بن عباس بإسناد صحيح رواه أبو عبيد في كتاب الأموال، وهكذا جاء عن جماعة من السلف أن اعتاق الرقيق وفكاك الأسرى يدخل في مصارف الزكاة، فهو يدخل في معنى في الرقاب، لا ينحصر ذلك في العبد المكاتب، بل يجتمل العبد المكاتب وإعتاق الرقيق، وهكذا كذلك فك الأسير. فكل ذلك من مصارف الزكاة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وصحت به الآثار الكثيرة عن عدد من الصحابة والتابعين والأئمة. قال: ويجوز للإمام أن يعتق من مال الفيء والمصالح إذا كان في الاعتاق مصلحة، إما لمنفعة المسلمين أو لمنفعة المعتق أو تأليفًا لقلوب من يحتاج لتأليفه. وقد ينفذ العتق حيث لا يجوز إذا كان في رده فساد كما في الولايات، مثل أن يكون قد أسلم وهو لكافر ذمي أو معاهد حربي. وهذه مسائل ذكرت استطرادًا لما ذكر مسائل الاعتاق، مسألة اعتاق الرقيق، ناسبًا أن يذكر هذه المسائل وإن كان بعضها ليس من مسائل الزكاة. يقول: ويجوز للإمام أن يعتق من مال الفيء والمصالح، يعني المال الذي يكون من الفيء، وعلمنا الفيء هو ما يفيء للمسلمين بغير قتال من مال الكفار، وهكذا ما أعد للمصالح إذا كان في الاعتاق مصلحة؛ لأن هذا المال مما يجتهد فيه ولي الأمر، يجوز له أن يجتهد فيه بحسب ما تقتضيه المصلحة. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم تألف أناسًا بمثل هذا المال، وهذا جائز لولي الأمر، ومنه باب الاعتاق أن يكون مما يجتهد فيه ولي الأمر أو من ينيبه ولي الأمر. وقوله: إذا كان في الاعتاق مصلحة؛ لأن هذا من مواضع وأسباب الاجتهاد في هذا الباب، وإعطاء هذه الجهات أن يكون فيه مصلحة للمسلمين أو مصلحة للمعتق إذا كان من المسلمين، أما إذا كان من الكفار فلا. وأما إذا كان من الكفار، ولكن فيه مصلحة للمسلمين أو دفع شر عن المسلمين، فهو يدخل في معنى المؤلفة، فيجوز من الزكاة، ويجوز من الفيء وما كان بمعنى من المال الذي يجوز للولي الأمر المسلم أن يجتهد فيه. وهكذا قوله: أو تأليف لقلوب من يحتاج إلى تأليفه، كذلك إما أن يكون المؤلف نفس المعتق يرجى إسلامه أو يرجى حسن إسلامه، أو يكون المؤلف من يملك هذا المعتق، قد يكون المؤلف السيد ليس العبد. قال: وقد ينفذ العتق حيث لا يجوز إذا كان في رده فساد كما في الولايات، يعني قد ينفذ العتق في مواضع لا تجوز، ولكن سبب ذلك أنه إذا كان في رده فساد، مثاله امرأة كافرة لكنها عفيفة وهي أمة لرجل كافر، لا يجوز عتق الكافرة؛ لأنها ليس فيها إذا لم يكن في عتقها مصلحة لمن للمسلمين، ولا فيه دفع مفسدة عن المسلمين. لكن إذا علمنا أن في تركها على ما هي عليه خصوصًا إذا هربت والتجأت إلى المسلمين، أرادت العفة وأراد سيدها لها الفساد، فلا شك أن مثل هذه يجوز أن تعان ولو من الزكاة، بل ربما يكون هذا سببًا لتأليفها على الإسلام. وهكذا تلحق بهذا مسائل كثيرة هذا مثال. وقال: مثل أن يكون قد أسلم وهو لكافر ذمي أو معاهد، وهذا كذلك من باب أولى، فإذا كان يجوز للكافر الذي يرجى تأليفه للإسلام ودفع المفسدة عنه، فللمسلم من باب أولى، ولو كان هذا المسلم لكافر ذمي أو معاهد أو حتى حربي ما دام التجأ إلى المسلمين، فيعان من أموال المسلمين. ومن تأمل هذه المسائل رآها تدور حول المصالح والمفاسد، فإنها قاعدة عظيمة دلت عليها أدلة شرعية كثيرة. قالوا: من لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أعطي ما يحج به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، بل وأصح الروايتين، وقد أفتى بهذا الحسن وإسحاق وجماعة من الأئمة، بل وروي عن عدد من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وغيرهم. ذكر هذه الآثار أبو عبيد في كتابه الأموال بإسناد صحيح بأسانيد صحيحة، وله كذلك أدلة مرفوعة صحيحة منها قصة أبي معقل مع امرأته، والحديث رواه أبو داود وغيره وهو صحيح. وقد ذكره العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه مصححًا له في الإرواء وغيرها من الكتب الأخرى، وهكذا ذكره شيخنا في «الصحيح المسند». قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: «الحج من سبيل الله» يعني حين امتنع أن يجعلها تحج على البعير الذي أوقفه في سبيل الله أي للجهاد، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام أن الحج من سبيل الله. وبه نعرف أن سبيل الله لا ينحصر بالجهاد بالسيف والسنان، بل كل ما تكون به كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى فهو من سبيل الله. قال رحمه الله: ويحسن بدفع الزكاة إلى ولي الأمر العادل، وهذا لا إشكال فيه، ولا يخالف في هذا إلا الخوارج ومن كان بمعنى الخوارج، فهم الذين لا يجيزون ولا يرون مثل ذلك؛ لأن ولي الأمر ولو كان فاسقًا ما دام عادلًا ويضع المال في موضعه الصحيح فيما يغلب على الظن، فإنه يجوز أن يعطى من الزكاة حين يطلبها ولي الأمر، فهو يضعها أي ولي الأمر حيث يرى أنه أصلح، ويبرئ هذا الذمة. سَواء أخذ الزكاة كلها أو أخذ بعضها، فإن أخذ بعضها أكمل صاحب المال إخراج الباقي. قال: فإن كان ظالمًا لا يصرف الزكاة في المصارف الشرعية، فينبغي لصاحبها ألا يدفعها إليه؛ لأنه إعانة على الظلم العدوان، ونهانا ربنا عن ذلك: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. قال: فإن حصل له ضرر بعدم دفعها إليه، فإنه يجزئ عنه إذا أخذت منه في هذه الحال عند أكثر العلماء، وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبض المال وصرفاه في غير مصارفه الشرعية. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه ما فيه إشارة إلى أنه يرى الأولى إعادة إخراج مثل هذا المال، وفي مواضع أخرى كهذا الموضع يرى أنه يجزئ. والصحيح كما ذكر رحمه الله: أن أكثر أهل العلم على الإجزاء؛ لأن الأصل في أموال الناس الحرمة، وهو لا يستطيع أن يدفع ظلم هذا الظالم، وكونه أخذ منه الزكاة فهو بهذا برئت ذمته ما دام بذل الوسع في دفعه ولم يستطع. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فبقي بعد ذلك إن شاء أن يخرج مرة أخرى من باب زيادة الإحسان والتطوع في الخير وسد حاجة الناس الذين لم تسد حاجتهم، فهذا أمر حسن. وقد يقال: يجب عليه من باب آخر، إن برئت ذمته من الزكاة لم تبرأ ذمته من إغاثة المضطرين؛ فإن الحظ الواجب في مال المسلم ينقسم إلى قسمين: قسم مقدر بمقادير مفروضة وهو الزكاة بما سبق تقسيمه وذكر أصنافه، ومنه ما لم يحدد بحد ولكن ما يكون فيه دفع الضرورة عن المضطرين. وقد مر معنا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من زكاة بهيمة الأنعام أن يعطي من لبنها وأن يركب عليها أي ما يركب منها، ومعناه سد ضرورة الناس إذا لم تسد إلا بذلك، فينبغي عليه أن يسدها. فلو مثلًا قدر أن الحاكم الظالم أخذ الزكاة، والرجل الغني يستطيع أن يسد ضرورة المضطرين بما معه من مال لا يلحقه ضرر، فهو عنده ما يكفيه أسرته، بخلاف من تجارته ضعيفة مثل أصحاب السفينة وهم مساكين كما سماهم الله مساكين وهم أصحاب سفينة. وهذا كحال بعض أصحاب التجارات الضعيفة، ربما ما يستطيع أن يخرج الزكاة أكثر من مرة، بل بعضهم ربما عنده عروض تجارة وليس عنده مال ونقد حتى لا يستطيع أن يخرج الزكاة إلا أن يبيع بعض ما عنده وما يملك، فأمثال هؤلاء قد لا يكلفون مثل هذا. وأما من كان أحسن حالًا فيجب عليه أن يتفقد ضرورة المضطرين، وهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة، والله أعلم. وشيخنا محمد صالح رحمه الله له فتوى بأنه يأمر بإعادة إخراج الزكاة على قول بعض الفقهاء، وله فتوى أخرى بأن ذلك يجزئه، وهذا الثاني هو الذي يذكره كثيرًا وهو الأصل. والأمر كما سمعنا: الأصل في أموال الناس الحرمة، فلا يجوز أن نأمرهم بإعادة الإخراج إلا بدليل صحيح صريح. قال رحمه الله تعالى: ولا تسقط الزكاة والحج والديون ومظالم العباد عن من مات شهيدًا. أما دين الزكاة وديون الناس وحقوقهم، فهذا يدخل في عموم ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، وهي أحاديث كثيرة كحديث قتادة في صحيح مسلم، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين. وهكذا في حديث عبد الله بن عمر كذلك في صحيح مسلم: يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين، فهذا محمول على الحقوق التي هي للآدميين ومنها الزكاة على الصحيح. وأما الحج ففيه تفصيل، إن كان أراد بذلك فرضية الحج مع استطاعته فهو مفرط، إن كان مفرطًا فالصحيح أنه لا يجزئه ولا يبرئه إخراج الزكاة من بعده، فهو مثل من ترك الصيام عمدًا، ليس فيه قضاء ولا فدية، لا يفدي عنه من بعده كما لا يقضون عنه. لا نقول: من مات وعليه صوم صام عنه وليه، إنما يصوم عنه وليه إذا لم يتركه عمدًا، أما إذا تركه عمدًا فالصحيح أنه ليس فيه قضاء ولا كذلك فدية، وهكذا يقال في الحج. أما إذا كان له عذر فالصحيح أنه يخرج عنه، فهو حق في ماله. قال: وإذا قبض من ليس من أهل الزكاة مالًا من الزكاة وصرفه في شراء عقار أو نحوه، فالنماء الذي حصل بعمله وسعيه يجعل مضاربة بينه وبين أهل الزكاة، ولابد أن يكون هذا بإذن. وأما إذا كان بغير إذن فهو ظلم، وهو كذلك نوع من الغش، مثلا رجل وكيل يقبض الأموال من أرباب الأموال ويصرفها في مواضعها، فاجتهد من نفسه فأقام تجارة بهذه الأموال يزعم أنه يريد أن تبقى هذه الأموال ويصرف الربح للفقراء والمحتاجين، ففعله ذلك بغير إذن لا يجوز، وبغير فتوى لا يجوز؛ لأنه قد يكون غير أهل لذلك. وقد تكون حاجة الناس أشد من أن تقام تجارة، فهو مقدم، وقد يكون كذلك المكان الذي هو فيه لا يصلح لذلك، فلهذه الأسباب وغيرها لا يجوز له أن يفعل ذلك إلا بإذن. فإن كان ولي أمر يقوم على ذلك فإذن ولي الأمر، أو كان أرباب الأموال أو كان أهل العلم الذين يبينون له ما يجوز ما لا يجوز في مثل هذا المقام، فإذا وقع على وجه مأذون فيه وجائز، فهنا كما ذكر رحمه الله بحسب ما جرى به العرف. فإن كان مضاربة وجرى العرف بأن المضاربة الربح فيها بالنصف، فيكون النصف له أي من الربح، والنصف الآخر للمال ويصرف في مصارف هذا المال، وإن كان أقل أو أكثر بحسب ما جرى به العرف. قال: ويعطى السائل فرض كفاية إن صدقوا. ويعطى السائل هل يجوز أن يكون من الزكاة؟ الصحيح نعم يجوز أن يكون من الزكاة إن كانوا من أهل الزكاة، وإن كان لا يدري هل هم من أهل الزكاة أم لا، فلا ينبغي أن يفرط في مال الزكاة في موضع يجهل حقيقته. والكثير من السؤال يغلب عليهم الحاجة، ومع ذلك فيهم من هو كاذب ومن تعود المسألة وليس عن حاجة يسأل، كما أنه يجوز بل ويجب أن يعطى السائل ولو من غير الزكاة إذا علم المسؤول أنه مضطر. وكان هذا المسؤول غنيًا على أحد نوعي وقسمي الصدقة الواجبة كما تقدم. قال: ومن سأل غيره الدعاء لنفع ذلك الغير أو نفعه، ما أثيب وإن قصد نفع نفسه فقط نهي عنه كسؤال المال، وإن كان قد لا يأثم. قال أبو العباس في «الفتاوى المصرية»: لا بأس بطلب الناس الدعاء بعضهم من بعض، لكن أهل الفضل يفوزون بذلك؛ إذ الذي يطلبون منه الدعاء إذا دعا لهم كان له من الأجر على دعائه أعظم من أجره لو دعا لنفسه وحده. وهذه المسألة ذكرها رحمه الله استطرادًا لما ذكر مسألة المال، ناسب أن ينبه على مسألة الدعاء، وهذا من فقهه ودقته وتدقيقه في العلم رحمه الله. وهذا الذي نقل ها هنا هو خلاصة وتحقيق هذه المسألة عن هذا الإمام رحمه الله؛ لأنه له في مواضع ما يوحي منع سؤال الغير من الدعاء، وله في مواضع أخرى ما يوحي جواز ذلك، وله في مواضع مثل هذا التفصيل، وهذا هو الصواب وهو الذي تحقق من قوله وقول المحققين من أهل العلم. الأصل ينبغي للمسلم أن يزهد في مسألة الغير، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معلم أصحابه أن لا يسأل الناس شيئًا، حتى كان الرجل يسقط صوته فلا يسأل أحدًا أن يعينه على أخذه من الأرض، فينزل من دابته ويأخذه من الأرض امتثالًا لما سمعوه من النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يسأل أحد منه من الناس شيئًا، ومنه الدعاء. ولكن لما ورد في الباب أدلة تدل على جواز الدعاء، وأدلة فيها التزهيد في ذلك، جمع بينها أهل العلم بهذا الجمع كما ذكره هذا الإمام رحمه الله في هذا الموضع. إن كان سؤال الغير لنفع نفسه ونفع غيره أو لنفع ذلك الغير، فإنه يثاب على ذلك، فهو جائز أولًا وهو يثاب على ذلك ثانيًا، ودليل ذلك أدلة كثيرة منها ما جاء في صحيح مسلم في قصة صفوان بن عبد الله بن صفوان مع أم الدرداء وأبي الدرداء رضي الله عنهما. أنه عزم الحج فجاء يتودع من أخيه أبي الدرداء، فلما وصل بيت أبي الدرداء لم يجده ووجد أم الدرداء، فأخبرته بعدم وجوده، ثم أخبرها أنه ذاهب إلى الحج، فذكرت له أن يدعو لها ولأبي الدرداء، ثم ذكرت هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، وعند رأسه ملك موكل به، كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل: آمين ولك بمثل». فذهب بعد ذلك إلى أبي الدرداء فقال مثل ما قالت أم الدرداء، فدل هذا واستدل به كثير من أهل العلم على جواز طلب الدعاء من الغير بهذه النية: نية نفع الغير ونفع النفس. وأما إن قصد نفع نفسه فقط، فهو أولًا لم يفعل الشيء المشروع، وثانيًا تعلق قلبه بالغير، فرق بين أن يكون قصدك نفع نفسك ونفع غيرك، وبين أن يكون نفع نفسك؛ لأنك كأنك تظن أن هذا قد انتفع وهو منتفع، وهذا يفضي إلى الغلو فيه وإلى تعلق المخلوق بالمخلوق. ويكثر هذا عند أهل الغلو من المتصوفة والرافضة الذين فتنوا بالغلو بالمخلوقين الأحياء والأموات، حتى كأنهم ظنوا فيهم العصمة، وظنوا منهم النفع والضر بما ينافي مال التوحيد إن لم يخدشه ويهدمه. فربما بعضهم تعلق ببعض المخلوقين يضاهي تعلقه بربه سبحانه وتعالى كما يفعل بعض الناس مع بعض القبور التي تعبد من دون الله، وهذا فيه هذا المعنى. فمن تأمل فيه وحققه وجد أن السبب في ذلك هو كونه سأل الدعاء لنفسه فقط، فلو قيل له: لا تسأل الدعاء إلا لنفع نفسك ونفع غيرك، هنا يتحقق البعد عن هذه المفسدة، ويكون بها حماية لحمى التوحيد؛ لأنه إذا وجد الإنسان في نفسه مثل هذا الشعور فإنه سيعرف أن هذا لا يجوز إذن سيمتنع. وهذا قد يقع مع بعض الصالحين قد يظن إنسان في رجل صلاح فيطلب منه خاصة لا لأجل نفع نفسه ونفع غيره، ولكن لظنه أن هذا الغير ينفعه، وهذا نوع من الغلو المنهي عنه. فإذا علم مثل هذا الإنسان أن النية إذا كانت كذلك لم يجوز سؤال الغير، صار بهذا حماية لحمى التوحيد وسد رائع الشرك، وهذا هو المقصود والمطلوب، وبهذا التفصيل يتحقق الصواب في هذه المسألة. قال رحمه الله: ويلزم عامل الزكاة رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه الخراج، وهذا كالخاتمة يختم به هذا الكتاب: كتاب الزكاة، أنه ينبغي لمن عمل على الزكاة من باب الأمانة أن يحصي ذلك ويحسبه حتى يدفع عن نفسه التهمة، وكذلك حتى يطمئن الغير وتوضع الأمانة في موضعها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر الرجل إذا أعطى عبده شيئًا أن يحصيه عليه، وإذا قبض من غيره شيئًا أن يحصيه، وذكره الإمام البخاري رحمه الله في «الأدب المفرد» وصححه العلامة الألباني. وفيه من الأدب أن المسلم يدفع عن نفسه سوء الظن، وهو كذلك يدخل الطمأنينة على الغير، فلا ينبغي لمن وكل شيئًا من الأمانات أن يتركها كما يقال على الثقة: الثقة موجودة، لكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. فينبغي أن تحرص على الإحصاء والحساب، ووضع ذلك بما تزول به التهم، أن تعامل بمحل أرفع، تقارير شهرية أو سنوية، أنت موكل بتوزيع الزكاة، ارفع تقارير وحسابات حتى لو أن إنسان أرسل معك حاجة وأنت محسن في هذا، مع هذا الإحسان لا مانع أن ترد له مع باقي ماله ورقة فيها حساب ما اشتريت له. لو أن أهل الإسلام تأدبوا بمثل هذا الأدب، حسن من حسن الظن فيما بينهم، وتحقق الأمانة، وغير ذلك من المصالح الكثيرة، ما يجعل أهل هذا الدين خير ناس على الأرض بتمسكهم بآداب هذا الدين العظيم. قال رحمه الله: وصلة الرحم المحتاج أفضل من العتق؛ صلة الرحم المحتاج أفضل من العتق؛ لأنها صدقة وصلة، والعتق صدقة فقط. وذكر العتق؛ لأنه في العتق أجور عظيمة، والأقربون أولى بالمعروف، وكأنه يشير بهذا في هذه الخاتمة إلى أنه ينبغي للمتصدق والمزكي أن يراعي الأحب والأنفع، فمصارف الزكاة كثيرة، لكن المسلم ينبغي أن يراعي الأفضل والأحب إلى الله سبحانه وتعالى والأكثر نفعًا. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الكتاب، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفروا الله العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.