الدرس في الإيمان الأوسط 9، الدرس التاسع:( وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح وقال:الصدقة تطفئ الخطيئة...لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة تكفير الحسنات للسيئات، ويرد على عقيدة الوعيدية التي تقول إن الحسنات لا تكفر الكبائر إلا بالتوبة.
يناقش المقطع آراء المعتزلة والخوارج حول تأثير الكبائر على الحسنات، ويرد عليها باستخدام الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يشرح المقطع أن عدم قبول العمل لا يعني بالضرورة الكفر، ويمكن أن يكون بسبب عدم الإخلاص أو المتابعة، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يُبين المقطع بطلان قول الوعيدية بناءً على فهم معين، ويشير إلى أن الله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: «وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح»، وقال: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». وهذا الحديث ضعيف. وهذا شار في التعليق إلى ضعفه، وتعليق كلام الشيخ الألباني، رحمه الله، في «الضعيفة». ولكن معناه صحيح. وكما تقدم، قد يورد شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، بعض الأحاديث التي في أسانيدها ضعف، لكن معانيها صحيحة تؤيدها نصوص كثيرة، بل هي عند بعض أهل العلم محتملة التحسين. والمقصود أن هذه الأحاديث التي تقدمت، فيها ما سبق الإشارة إليه من أن هناك من الحسنات ما يمحو الله بها الذنوب، ولو كانت كبائر. وهذا على خلاف عقيدة الوعيدية، ففي هذا رد على الوعيدية. قال: «وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغير فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث: ﴿مُجْتَنِبَةً الْكَبَائِرَ﴾». فيجاب عن هذا بوجوه، أحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس والجمعة، وصيام شهر رمضان. وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات. وأما الأعمال الزائدة من التطوعات، فلابد أن يكون لها ثواب آخر، فإن الله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، أي أن هذه الحسنات لا تضيع. وقد جاء نصا صريحا صحيحا في ذلك، وسيأتي معنا بعضه. قال: «الثاني: أنه قد جاء التصريح بكثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ»، يعني أن فاعل ذلك يغفر له، وإن كان فر من الزحف. والمقصود بهذا قوله عليه الصلاة والسلام بالحديث: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ»، مع أن الفرار من الزحف من الكبائر، فدل على أن بعض الأعمال تكفر بعض الذنوب. والحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن. قال: «الثالث: أن قوله لأهل بدر ونحوهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، إن حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة، لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم»، يعني من غير أهل بدر. «فعلم أن المقصود به عام يشمل الصغائر والكبائر، مع التوبة وبدون توبة. وليس معنى هذا الجرأة على الذنوب والمعاصي، ولكن معنى هذا أنه إن وقعت سقطة، فتغفر تلك السقطة في ذلك الخير الكثير». قال: «الرابع: أنه قد جاء في غير حديث أن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله كذلك». ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب، فإن ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران. ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول. قال: «فهذا لا ينافي من أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، مع أن هذا لو كان معارضا للأول لوجب تقديم الأول لأنه أثبت وأشهر». وهذا غريب رفعه. وإنما المعروف أنه في وصية أبي بكر لعمر. وقد ذكره أحمد برسالته في الصلاة. قال: «الخامس: أن الله لم يجعل شيئا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئا يحبط جميع السيئات إلا التوبة. والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان». قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَاءِكَ حَبِطَطَتْ أَعْمَالُهُمْ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فعلق الحبوط بالموت على الكفر. وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق بشرط يعدم عند عدمه. ومعناه: صاحب الكبيرة ليس بكافر بنصوص الكتاب والسنة الكثيرة. قال: «وقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، قال: لأن ذلك قد يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط، وصاحبه لا يدري، كراهية أن يحبط أو خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط». قال: «وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين، فلا يتقبل الله منه عملا، فلا يكون له حسنة. وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان، فيستحق الخلود في النار». وقد أجابتهم المرجئة بأن المراد بالمتقين: من يتق الكفر. قال: «والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله بذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: أخلصوا وأصوبه». قيل: يا أبا علي، ما أخلصوا وأصوبه؟ قال: «إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة». قال: «فمن عمل لغير الله، كأهل الرياء، لم يقبل منه ذلك. ومع ذلك هل هو كافر؟ الجواب: لا. فعلم أنه ليس بمتقي. عمله عمل رجل فاجر، ليس بمتقي؛ لأن عمله لم يرد به وجه الله». فإذا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ليس المراد به ضد الكافرين، وإن المراد به ضد كمال المؤمنين، أو أكمل المؤمنين. قال: «كما في الحديث الصحيح: يقول الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشركه». هذا معنى الحديث الذي روي في مسلم، ولفظه: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». قال: «وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول. وقال: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار. وقال في الحديث الصحيح: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، أي فهو مردود غير مقبول». فمن اتقى الكفر، عمل عملا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقبل منه، وإن صلى بغير وضوء لم يقبل منه؛ لأنه ليس متقيا في ذلك العمل، وإن كان متقيا للشرك، إذن هو ليس بكافر. قال: «فعدم قبول العمل لسبب آخر غير الكفر. وهذا ما لم يفهمه الوعيدية، فإنهم استلزموا عدم قبول العمل الكفر، وليس هذا بالصحيح. فهناك من لا يقبل عمله، وهو ليس بكافر، إما لعدم الإخلاص أو لعدم المتابعة». قال: «وقد كان الناس المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم ويتوبون إلى الله سبحانه من التبعات». كما ثبت في الصحيح: أن المغيرة بن شعبة لما أسلم، وكان قد رافق قوما في الجاهلية، فغدر بهم وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية، والمغيرة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف، دفع المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقال: ابن أختك المغيرة. فقال: يا غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُهُ وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ». ومعناه: أن من أسلم وتعلقت به حقوق، فالإسلام لا يمحو تلك الحقوق. قال: «فلا فرق بين هذا وذاك إلا هذا الشيء اليسير، فصارت المعاصي بريد الكفر». قال: «وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين، فلا يتقبل الله منه عملا، فلا يكون له حسنة». وقد تقدم الجواب عن هذا. قال: «والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجل أنهم إلى ربهم راجعون. وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ قال: «لَا يَا بِنْتَ الصِدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ»». وهذا ظاهر في توضيح وتجلية ما تقدم. قال: «وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور. وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان، وفي أعمال الإيمان». كقول أحدهم: «أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق؛ لأنه لو كان على وجه الشك لا يجوز». قال: «وأيضا فالكافر إذا أسلم عليه للناس مظالم من قتل وغصب، وكذلك الذمي إذا أسلم، قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه. فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه، لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلدا. وهذا تناقض». قال: «وقد كان الناس المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم ويتوبون إلى الله سبحانه من التبعات». كما ثبت في الصحيح. قال: «فلا نعرف أحدا من المسلمين جاءه ذمي يسلم، فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب. وكذلك سائل أعمال البر من الصلاة والزكاة». فعلم بهذا بطلان قول الوعيدية فيما قالوا. والله تعالى أعلم.