الإيمان الأوسط 24

الإيمان الأوسط 24

الدرس الرابع والعشرون:(وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم...وأما تفاضلهم في الأقوال والأعمال الظاهرة فلا تشتبه على أحد والله أعلم)

قاعدة عدم النقل ودليل الوجود

يناقش الشيخ قاعدة عدم النقل ليس دليلا على عدم الوجود إذا لم تكن هناك دواعي للنقل، ويضرب أمثلة من التاريخ الإسلامي لتوضيح ذلك. يبين أن هذه القاعدة تنطبق على بعض الممارسات التي خالفت السنة النبوية.

أدلة على عدم صحة الممارسات المخالفة للسنة

يتناول ابن تيمية مناقشة بعض الممارسات التي خالفت السنة النبوية، مستدلاً بعدم ورودها في الأحاديث الصحيحة. يشير إلى أمثلة مثل القنوت في صلاة الفجر وتوقيت ألفاظ النكاح.

تفصيل قاعدة عدم النقل في أسماء الله وصفاته

يناقش المقطع تفصيل قاعدة 'عدم النقل ليس نقلا للعدم' في سياق أسماء الله وصفاته، موضحا أن عدم العلم بدليل وجودها لا يستلزم عدم وجودها. يبين أن تفاوت العلم بأسماء الله وصفاته يؤدي إلى تفاوت الإيمان في القلوب.

الخلاف مع المرجئة حول أعمال الجوارح

يشرح المقطع الخلاف مع المرجئة في أعمال الجوارح، مبينا أن الناس يختلفون في أعمالهم الظاهرة. تم الاكتفاء بهذا القدر من الشرح حول هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم علينا نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال: وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مثل مسيلمة والعنسي وطليحة وسجاح، لنقل الناس خبره كما نقلوا أخبار هؤلاء، يعني غير هؤلاء. وهذا مما يعلم أن مثله لا يمكن السكوت عنه مع وقوعه. فكما نقلوا خبر مسيلمة والعنسي وطليحة وسجاح في ادعاء النبوة، فلو وجد آخر ادعى النبوة لنقلوا خبره. وما دام لم ينقلوا خبره مع وجود الدواعي التي تقتضي نقل مثل ذلك إن وجد، علم أنه لا يوجد. فإذن ليس على إطلاقه عدم النقل ليس نقلا للعدم. قال: ولو عارض القرآن معارض أتى بما يظن الناس أنه مثل القرآن، لنقل كما نقل قرآن مسيلمة الكذاب. ولما لم ينقل، علم أنه لم يفعل ذلك في عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلا مسيلمة. وهذا كله توضيح لهذا المعنى. قال: وكما نقلوا الفصول والغايات لأبي العلاء المعري، وكما نقلوا غير ذلك من أقوال المعارضين، يعني الذي عارض به القرآن، الفصول والغايات لأبي العلاء المعري. قال: ولو بخرافات لا يظن عاقل أنها مثله، فكان النقل لما تظهر فيه المشابهة والمماثلة أقوى في العادة والطباع في ذلك، وأرغب، سواء كانوا محبين أو مبغضين. هذا أمر جبل عليه بن آدم، أي مثل هذا الأمر القوي لو كان وقعا لنقل. قال: كما يُعلم أن علي بن أبي طالب لو طلب الخلافة على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وقاتل عليها، لنقل ذلك الناس كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء، فيُعلم أنهم اجتمعوا واتفقوا على إقرار الخلافة على ما هي عليه. قال: كما يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمره أن يصلي بالناس صلاتهم، لنقلوا ذلك كما نقلوا أمره لأبي بكر وصلاته بالناس. فهو يريد بهذا، كما تقدم كذلك، أن هذا لم يقع، ولو وقع لنقل، خلافا لما قد يدعيه الرافضة في وضع هذه الاحتمالات التي لا أصل لها. قال: وكما يُعلم أنه لو عهد له بالخلافة، لنقلوا ذلك، خلافا لما تزعمه الرافضة، كما نقلوا ما دونه، يعني حين وضعه وخلفه عليه الصلاة والسلام في بعض المغازي، فقال: «ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنك لست بنبي، سيدك الله خير». بل كما يُعلم أنه لم يكن يجتمع هو وأصحابه على استماع دف أو كف، ولا على رقص وزمر. بل كما يُعلم أنه لم يكن بعد الصلوات يجتمع هو وأصحابه على دعاء ورفع أيد، ونحو ذلك، يعني مما يفعله بعض المتصوفة، ويزعمون أن عدم النقل ليس نقلا للعدم. فهذا ليس على إطلاقه، لأن مجتمع الدواعي نقله، ولم يُنقل، فهو لم يقع. قال: ونحو ذلك، إذ لو فعل ذلك لنقلوه. بل كما يُعلم أنه لم يصل في السفر الظهر والعصر والعشاء أربعا، لأنه ذلة الأدلة على خلافه، القولية والفعلية. صلى في السفر الرباعية قصرا. بل قالت عائشة رضي الله عنها: «الإتمام في السفر كالقصر في الحضر». قال: وأنه لو صلى في السفر أربعا بعض الأوقات، لنقل الناس ذلك كما نقلوا جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات، يعني في الحضر من دون قصر. وهذا مع كونه نادرا، لكنه نقل. ولو كان وقع في السفر أن أتم ولو نادرا، لنقل. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أنها ليست رخصة، بل عزيمة، أي القصر في السفر. فليس يجوز للمسلم أن يتم في السفر، بل يجب عليه أن يقصر. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. قال: بل كما يُعلم أنه لم يكن يصلي المكتوبات وحده، بل إنما كان يصليهن في الجماعة، يعني حتى في السفر. وهذا يدل على فرضية الجماعة ووجوبها. قال: بل كما يُعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب في السفر للتيمم، ولا يُصلون كل ليلة على من يموت من المسلمين. وهذا كله خلافا لبعض الفقهاء الذين يخصون التيمم بنوع خاص من التراب، فلما كان غير موجود في كل الأرض، صاروا يتزودون التراب كما يتزودون الماء، فإذا لم يجدوا الماء تيمموا بالتراب المحمول معهم. وهذا من التنطع. بل الصواب التيمم بكل ما على الأرض، صعيدا طيبا. ومنه نعرف كذلك التكلف الذي يفعله بعض الناس في المساجد، فيضعون صناديق للتيمم. فهذا من التكلف، بل ينبغي أن نعلم الناس أن يتيمموا من صعيد الأرض، حيثما وجد التراب، وما كان بمعناه من غبار الأرض، ولو على غير التراب، قد يوجد غبار على البلاط أو على بعض الدواليب، يكفي ذلك للتيمم. قال رحمه الله تعالى: ولا يصلون كل ليلة على من يموت من المسلمين، يعني صلاة الغائب، كما يفعله بعض الناس من المتصوفة ونحوهم، أو كل جمعة، بعض مساجد المتصوفة كل جمعة يصلون صلاة الغائب على من مات من المسلمين. وهذا خلاف الصواب، بل صلاة الغائب إنما تصلى على من لم يصلى عليه، وأما من علم أنه صلي عليه، فلا يصلى عليه، يعني من مات من يصلى عليه. قال: ولا ينوون الاعتكاف كلما دخلوا مسجدا للصلاة، كذلك، لأن هذا سببه موجود في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يفعلوه، خلافا لما نجده في بعض مساجد المتمذهبة: «نويت الاعتكاف في هذا المسجد مدة جلوسي أو مدة مقامي». فهذا خلاف السنة والصواب. قال رحمه الله: بل كما يُعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي، لأن ما من غائب مات بين المسلمين إلا صلى عليه المسلمون، أو كان من الشهداء الذين لا يصلى عليهم. قال: بل كما يُعلم أنه لو كان دائما يقنت في الفجر أو غيرها بقنوت مسنون يجهر به، لنقل الناس ذلك كما نقلوا قنوته العارض الذي دعا فيه لقوم وعلى قوم. وكان نقلهم لذلك أوكد، أي إذا كان العارض قد نقل، وهو قنوت النوازل، فمن باب أولى لو كان يقنت حتى فارق الدنيا على ما روي في حديث أنس. ولا يصح أن يفهم منه، لو صح سنده، أن المراد به قنوت الشافعية في صلاة الفجر. فهذا ليس له أصل صحيح، لا من جهة الرواية ولا من جهة الدراية. ولو كان فعله عليه الصلاة والسلام لكان نقله أولى بالنقل من نقل قنوت النوازل. أليس كذلك؟ الجواب: بلى، لأن النادر إذا نقل، فكيف الدائم لا ينقل؟ فعدم نقل الدائم دليل على عدم وقوعه. قال رحمه الله تعالى: وكما يعلم أنه لما صلى بعرفة ومزدلفة قصرا وجمعا، لو أمر أحدا خلفه أن يتم صلاته أو أن لا يجمع معه، لنقل الناس ذلك كما نقل ما هو دون ذلك. ومعنى أن القصر في الحج من نسك الحج، وليس لأجل السفر، إذ لو كان لأجل السفر لأمر عليه الصلاة والسلام الناس أن يتموا ممن هو ليس بمسافر، كما فعل عمر رضي الله عنه، صلى بقوم وخلفه من ليس بمسافر، فقال: «إنا قوم سفر، قوموا فأتموا»، أي من هو ليس بمسافر. وسنة الخلفاء الراشدين من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فلو كان القصر في الحج لأجل السفر، كما زعم بعض الفقهاء، للزم نقل التنبيه لغير المسافرين في الحج، وهم كثير، أن يؤمروا بالإتمام، ولم ينقل هذا. فعلم أنه ليس لأجل السفر، وهذا هو الصحيح، أن القصر في الحج ليس لأجل السفر، وإنما لأجل نسك الحج، فهو من نسك الحج. قال: وكما يعلم أنه لم يأمر الحيض في زمانه المبتدئات بالحيض أن يغتسلن عند القضاء يوما وليلة. فعلم بذلك أن ما قاله بعض الفقهاء في هذا خطأ يخالف الصواب، إذ مثل ذلك سببه موجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ووقوعه كثير، ولم يثبت الأمر به. فعلم أن الأمر به خطأ وخلاف الصواب. قال: وأنه لم يأمر أصحابه أن يغسلوا ما يصيب أبدانهم وثيابهم من المني. فعلم بذلك أن أمر بعض الفقهاء بغسل ما أصاب الأبدان والثياب من المني على وجه الوجوب خلاف الصواب. بل دل الدليل الصحيح على خلافه. ففي حديث عائشة أنها كانت تقشره إذا كان يابسا، فتفرقه، وإذا كان رطبا تسلته، يعني تزيله قشطا. وهذا لا يدل على نجاسته، بل يدل على إبعاد ما قد يتقدر منه، إذ لو كان نجسا لم يكتف بهذا، ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله. فلما لم يكن، علم أن المني ليس بنجس، وهذا هو الصواب. قال: وأنه لم يوقت للناس لفظا معينا لا في نكاح ولا في بيع ولا إجارة ولا غير ذلك، يعني على وجه الإلزام. وإن كان في النكاح خاصة وردت بعض الألفاظ في الكتاب والسنة، فدل أن ما كان بمعناها مما يكون به الإنكاح. وأما فعل بعض الفقهاء بالإلزام بألفاظ خاصة، بل ربما أتوا باللفظين، حتى صار تقيدهم بذلك كحال الموسوس. فبعض الفقهاء يلتزم: «أنكحتك وزوجتك». وهذا مع عدم الأمر به، فهو صنف أو موضع من مواضع الوسوسة. قال: وأنه لم يوقت للناس هذا قرأنا. قال: ولما حج حجة الوداع لم يعتبر عقيب الحج. ومعناه أن ما يفعله الكثير من الناس من الإتيان بالعمرة بعد الحج خلاف الصواب والسنة، وترخيص بعض الفقهاء بذلك خلاف الصواب والسنة، إذ كان ذلك سببه موجودا، والناس أحرص على الخير. لو كان هذا مأذونا فيه. أما ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، فإنما هو لها، لأنها لم تأت بعمرة قبل الحج. ولهذا قال العلماء: يرخص لمن كان حاله كحال عائشة، ممن ضاق عليه الوقت أو عارضه مانع كعائشة الحيض، فإنه ما دام لم يأت بعمرة قبل الحج، جاز له أن يأتي بعمرة بعد الحج. وأما من لم يكن كذلك، فلا يستحب في حقه ولا يشرع على الصحيح الإتيان بعمرة بعد الحج. قال رحمه الله تعالى: وأنه لما أفاض من منى إلى مكة يوم النحر، ما طاف وسعى أولا ثم طاف ثانيا، يعني اكتفى بسعي الحج، بسعي العمرة لسعي الحج. وهذا هو الصواب في هذه المسألة. قال: إلى غير ذلك مما يطول ذكره، يعني من المسائل التي صار الناس يلزمون بأشياء فيها، ولم يثبت فعل ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام مع وجود سببه ولزوم نقله لو وقع. قال: ومن تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة، ووقف على أقوال الصحابة والتابعين ومن قفى منهاجهم من لئم المرضة قديما وحديثا، علم صحة ما أوردناه في هذا الباب، يعني في هذه المسائل التي أشار إليها رحمه الله تعالى. وهذه المسائل كما تقدم معنا، أوردها رحمه الله ليؤكد الأصل الذي أشار إليه. وكان مبدأ الكلام في إدعاء بعض أهل الكلام أنه ليس لله صفة إلا ما عرفوا، ليس لله اسم وصفة إلا ما عرفوا. وهذا ليس بصحيح. فالأثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، أو أعلمها أحدا من خلقه لم يعلمها نبينا عليه الصلاة والسلام. فنحن من باب أولى. قال رحمه الله: والمقصود هنا أن المدلول إذا كان وجوده مستلزما لوجود دليله، كان انتفاء دليله دليلا على انتفائه. أما إذا أمكن وجوده، وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته، لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلا على عدمه. وهذا هو التفصيل الصحيح في قاعدة: «عدم النقل ليس نقلا للعدم». فهذه القاعدة ليس على إطلاقها، بل الصحيح التفصيل فيها بهذا التقييد. فما كان من المدلول وجوده مستلزما لوجود دليله، كان انتفاء دليله دليلا على انتفائه. وأما إذا أمكن وجوده، وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته، لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلا على عدمه. فقد يكون هناك من العلم ما لا نعلمه. مثال الأول المسائل الكثيرة التي ذكرها، لأن سببها موجود ودليل نقله مستلزم، فلو وقع لنقل. ومثال الثاني هو ما أشار إليه في مسألة الأسماء والصفات، فإن الإمكان لا يمنعه، بل دل الدليل على أنه موجود. قال رحمه الله تعالى: فأسماء الله وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها، لم يكن ذلك مستلزما لانتفائها، إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أننا لابد أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات. أما من جهة الشرع، فالعموم فضلا عن الخصوص: «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها». وهكذا الخاص: حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «وإذا سألتم الله فسألوه بأسمائه الحسنى». وسيأتي بعضه. أو استأثرت به في علم الغيب عندك. ومنه: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». وأما العقل، فلأن العقل يعلم أن عدم النقل ليس نقلا للعدم، مع إمكان وجود ما لا يحيط بعلمه العقل. وهذا واقع، فإن هذا مما لا يحيط بعلمه العقل، فعدم النقل ليس يستلزم الانتفاء. قال رحمه الله: إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أننا لابد أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات. بل قد قال أفضل الخلق وأعلم بالله في الحديث الصحيح: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». والحديث كما أشار في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومعناه أنه عليه الصلاة والسلام لا يحصي مواضع الثناء على الله، لعدم إحاطته بالغيب، ولعظمة الرب جل وعلا في مواضع الثناء والكمال والجلال. فلذلك كان من كمال الثناء عليه الإحالة إلى ما لا نعلمه من كماله وجلاله في الغيب. وهذا قاله نبينا عليه الصلاة والسلام. فنحن من باب أولى، وهو أعلم الناس بربه سبحانه. قال: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». قال: وفي الحديث الصحيح، حديث الشفاعة: «فأخروا ساجدا فأحمدوا ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحصيها الآن». وهذا معناه أن لله من المحامد ما لم يقف عليها النبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا، ولكن في الآخرة يكرمه الله عز وجل بها. والحديث أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء معنا من حديث أنس، وجماعة من الصحابة، وله ألفاظ. والشاهد منه إثبات وجود محامد هي من مواضع جلاله وكماله في أسمائه وصفاته، لم يعلمها النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يؤكد ما سبق. قال: فإذا كان أفضل الخلق لا يحصي ثناء عليه، ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة، فكيف يكون غيره عارفا بجميع محامد الله والثناء عليه، يعني كما زعم أهل الكلام؟ قال: وكل ما له من الأسماء الحسنى، فإنه داخل في محامده، وفيما يثني عليه به. وإذا كان كذلك، فمن كان بما له من الأسماء والصفات أعلم وأعرف، كان بالله أعلم وأعرف. بل من كان بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته أعلم، كان بالنبي صلى الله عليه وسلم أعلم. فليس من علم أنه نبي كمن علم أنه رسول، لأن لفظ الرسول فيه زيادة معنى فوق معنى النبي. قال: ولا من علم أنه رسول كمن يعلم أنه خاتم الرسل، ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم، ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام المحمود والوسيلة وغير ذلك من فضائله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان في حق الله سبحانه وتعالى من باب أولى. قال: وليس كل من جهل شيئا من خصائصه يكون كافرا، بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله وخصائصه، فجهله لا يستلزم كفره، ولكن يستلزم ماذا؟ نقص معرفته بنبيه، مما يقتضي قلة حبه. ولا شك أن الحب والتعظيم يزدادان مع زيادة العلم بالمحبوب المعظم. وهذا في حق المخلوق، ففي حق الخالق سبحانه وتعالى، وله المثل الأعلى، من باب أولى. قال: فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافرا، إذ كثير من المؤمنين لم يسمع كثيرا مما وصفه به رسوله وأخبر به عنه، بل حتى بعضهم يجهل ما في القرآن، فضلا عما في السنة. وهذا لا يستلزم كفره، ولكن لا شك أن ما يقوم من المحبة والتعظيم لن يكون مثل من جمع مثل هذه المعرفة وهذا العلم. قال: فهذه الوجوه ونحوها مما تبين تفاضل الإيمان الذي في القلب. وأما تفاضلهم في الأقوال والأعمال الظاهرة، فلا تشتبه على أحد. والله أعلم. فأفاد بهذا كله أنه إذا تفاوت الناس في العلم، تفاوتوا في ماذا؟ في الإيمان. تفاوتهم في العلم يكون سببا في تفاوت الإيمان في القلوب. وأما تفاوت وتفاضل الأقوال والأعمال الظاهرة، فهذا لا يخفى على أحد، فإنه يراه كل الناس. فالناس لا يستوون في أعمال الجوارح، والخلاف مع المرجئة في الأول أكثر من الثاني. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.