الإيمان الأوسط 23

الإيمان الأوسط 23

الدرس الثالث والعشرون:(فصل:والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة...لكان الناس ينقلون خبرها فإذا نقل ذلك واحد واثنان وثلاثة علم كذبهم).

مقدمة في تفاضل الإيمان

يتحدث عن تفاضل الإيمان وزيادته ونقصانه مستندًا إلى أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية. يشير إلى أن التفاضل يكون من وجوه متعددة مثل الأعمال الظاهرة وأعمال القلوب.

أسباب تفاوت الإيمان ودرجاته

يتناول شرح تفاضل الإيمان وأسبابه، موضحا أن الإيمان يزيد وينقص بحسب معرفة الإنسان بدينه وتصديقه. التفاضل يعود إلى أسباب مثل قوة الأدلة ووضوحها ودوام العبادات.

مراتب الحب ودرجات العبودية لله

يتحدث عن مراتب الحب ودرجات العبودية لله، ويبين أن الناس يتفاضلون في حب الله تعالى. معرفة الله وصفاته تزيد الإيمان وتقتضي التعظيم والتصديق والخضوع لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة، أحدها الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان. فالنفاث يقولون: هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه، فأدخل فيه مجازًا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه، أي زيادة ثمراته ونقصانها. فيقال: قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر. وأما كونه لازما أو جزءا منه، فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفردا أو مقرونا بلفظ الإسلام والعمل كما تقدم. وعلم مما سبق أنهما لفظان يجتمعان تارة ويختلفان تارة أخرى، فإذا اجتمعا فردا، وإذا انفردا اجتمعا. وسبق كذلك أن تفاوت الإيمان الباطن مستلزم لتفاوت الإيمان الظاهر. فالناس يتفاضلون في الإيمان في الظاهر؛ لأنه يزيد بالطاعة وينقص بعدمها، ويزيد بترك المعصية وينقص بفعلها. قال رحمه الله تعالى: وأما قولهم: الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه ومقتضيه، فهذا غلط. فإن التفاضل معلول الأشياء - يعني علّة لها ومقتضاها - يقتضي تفاضلها في أنفسها، وإلا فإذا تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجبها ومقتضاها. فتفاضل الناس في الأعمال الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك ومقتضيه. ومن هذا يتبين الوجه الثاني في زيادة الإيمان ونقصه، وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها، فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب ونحو ذلك. والرحمة للخلق والنصح لهم ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية. بل إن الإنسان الواحد يختلف إيمانه من وقت لآخر، ومن مكان لآخر، فيجد في نفسه من الإيمان وزيادته في أزمنة وأمكنة وأحوال ما لا يجدها في أزمنة وأمكنة وأحوال أخرى. فأنت ترى حال المؤمنين في رمضان وحالهم في غيره، وتراهم حالهم وهم يقرؤون القرآن ويحضرون صلاة الليل والقيام، وفي غيره. وهكذا يرى الإنسان من نفسه حين تجتمع به أسباب الإيمان ومقتضياته وموجباته، فيوجب له من الخشوع والدمعة والإنابة ما لا يجده في غير ذلكم الحال. وإذا كان هذا في حق الشخص الواحد، فمن باب أولى في حال الناس وأشخاصهم المختلفة. وهذا لا ينكره إلا مكابر، فدل ذلك على أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادة ونقصان هذا الإيمان يكون في الظاهر وفي الباطن. قال رحمه الله: في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرأة لا يحبها إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». وهذا يدل على تفاوت الإيمان وتفاضله عند الشخص الواحد، وعند الأشخاص مختلفين متفرقين. فإن حب الله ورسوله قد يتفاوت من حين إلى حين، ومن مكان إلى آخر. فمثلا عند إقدام العبد للطاعات في مواسم الخيرات وفي مواضع البركات، يحصل له من زيادة الحب لله ولرسوله ما يكون به زيادة حلاوة هذا الإيمان في غيره. وإن كان هو في كل أحواله يحب الله ورسوله، لكن عند إقدامه وإقباله وزيادة طاعته ووقوعه في المواضع الإيمانية زمانا ومكانا، يكون ذلك زيادة أو مقتضي ذلك لزيادة حبه لله ورسوله. قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم إلى قوله أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده». وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك». قال: فلأنت أحب إلي من نفسي. قال: «الآن يا عمر». وهذه الأحاديث الصحيحة تدل على هذا الإيمان الذي يتفاوت أهله فيه بتفاوت تحقيق خصاله. فلا شك إذا كان هذا في حق عمر - قال: «الآن يا عمر» - فكيف في حق غير عمر؟ فإذا كان الشخص الواحد قد يتفاوت أمر إيمانه، وكذلك حبه فيتفاوت بذلك قربه وبعده، فكذلك بالنسبة لخصال الإيمان الأخرى. قال رحمه الله: وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح - يعني في الصحيحين أو في أحدهما - وقد أشير إلى ذلك في التعليق. قال: وفيها بيان تفاضل الحب والخشية. وقد قال تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. فكلما ازداد الإيمان ازداد الحب شدة. قال: وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة. فإذا كان هذا في حق الشخص الواحد، فمن باب أولى مع اختلاف الأشخاص. قال: ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولا بدخول الزيادة والنقصان فيه؛ لما يجدون من ذلك في أنفسهم. ومن هذا قولوا تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. قال: وإنما زادهم طمأنينة وسكونة؛ لكمال إيمانهم وصدق ثقتهم وتوكلهم بربهم وخالقهم. ولهذا كما جاء في البخاري وغيره عن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قال إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم». قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا». ومعناه أن أهل الإيمان يتفاوتون في كمال الإيمان بتفاوت أعمالهم. وأن تفاوت الأعمال دليل على تفاوت الإيمان؛ فالإيمان شرط في العمل، والعمل مكمل ومزيد للإيمان. قال رحمه الله تعالى: الوجه الثالث: أن نفس التصديق والعلم في القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل. فليس تصديق من صدق الرسول مجملا من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة والنار والأمم وصدقه بذلك كله. وليس من التزم طاعته مجملا ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلا وأطاعه فيه. ولهذا يجد كل مسلم تدرج في العلم في هذا الإسلام من الإيمان ومن اليقين ومن الصدق بقدر العلم الذي يؤته. فلو تأمل الإنسان نفسه، ولو ولد مسلما، كيف كان إيمانه وهو صغير ليس عنده من المعرفة والعلم مثل ما عنده وقد بلغ من السن ما بلغ، وقد جمع له ربه سبحانه من العلم ما زاد في إيمانه وتصديقه. وهكذا من دخل في الإسلام فإنه لا يشك أنه سيجد من التصديق والإيمان بزيادة معرفته بأمر هذا الدين عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء في الأخبار في ذلك ما يقتضي زيادة إيمانه وتصديقه. قال: فإن قيل: كيف نرى بعض الناس يكون مؤمنا فيصبح كافرا، ويكون تقيا فيصبح فاجرا، ويدخل في الإسلام محسنا وينتهي أمره مسيئا؟ فالجواب: أن ذلك بسبب تفريطه في العلم والعمل، فلما فرط في العلم والعمل أثر ذلك على تصديقه وعلى إيمانه، فصار مسيئا بعد إحسان، وكافرا بعد إيمان، وفاجرا بعد تقى. وهذا يؤكد ما سبق من ارتباط الظاهر بالباطن في أمر الإيمان. قال رحمه الله تعالى: الوجه الرابع: أن نفس العلم والتصديق تفاضل ويتفاوت كلما تفاضل سائر صفات الحي. كما تتفاضل سائر الصفات: الحي والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الذي قبله التفاوت باعتبار الإجمال والتفصيل، فكلما ازداد معرفة تفصيلية ازداد تصديقا وعلما وإيمانا. وأما هذا الوجه: فهو وجه فيه نوع من القياس يوصل إلى النتيجة السابقة. قال رحمه الله: الوجه الرابع: أن نفس العلم والتصديق تفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك. فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت، فكذلك الإخبار عنه يتفاوت. وإذا قال القائل: العلم بالشيء الواحد لا يتفاضل، كان بمنزلة قوله: القدرة على المقدور الواحد لا تتفاضل، وقوله: ورؤية الشيء الواحد لا تتفاضل. قال: ومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في رؤيته، وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه، وكذلك الكلمة الواحدة يتكلم بها الشخصان ويتفاضلون في النطق بها، وكذلك شم الشيء الواحد وذوقه يتفاضل الشخصان فيه. قال: فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته - بل وغير صفات الحي - إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر. حتى يقال: ليس أحد من المخلوقين يعلم شيئا من الأشياء مثل ما يعلمه الله من كل وجه. قال: فلو قدر تفاوت إدراك الأحياء أحد من الصفات، لعجز الإنسان أن يحصي ذلك؛ لقلة علمه وإحاطته بالموجود، فضلا عن غير الموجود. قال: والمقصود من هذا: إذا كان مثل هذا التفاضل موجود، فكذلك تفاضل أمر الإيمان والتصديق كذلك موجود. قال رحمه الله: بل علم الله بالشيء أكمل من علم غيره به، كيف ما قدر الأمر. وليس تفاضل العلمين من جهة الحدوث والقدم فقط، بل من وجوه أخرى. قال: والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل، حاله فيه كما تفاضل حاله في سمعه لمسموعه. فأنت أول ما ترى الشيء الجديد يكون لك به علم ومعرفة، لا تكون بعد تقادم الزمن في معرفتك بذلك الشيء. فأنت لا تزال تكتشف فيه من العلم ما يزيد عن علمك السابق. قال: وهذا كذلك في السمع والبصر، فأنت ترى الشيء وتدقق فيه من أول مرة، فيكون عندك من الإدراك في هذا المبصر ما لا يكون إذا قد كررت البصر فيه مئات المرات. قال: وهذا أمر لا بد منه. قال: فمن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطا - يعني منكرا شيئا يثبته العقل لا محالة - فإذا ثبت هذا التفاضل في هذه الأمور المحسوسة من صفات الأحياء وغيرها، فكذلك التفاضل في العلم والتصديق ولابد. قال رحمه الله: الوجه الخامس: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها. فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين وتبين فساد الشبه العارضة - ومعنى تبين: يعني تذهب وتقطع - لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك. قال: ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبيان بطلان حجة المحتج عليها ليس كالعلم الذي هو الحاصل عند دليل واحد من غير أن يعلم الشبه المعارضة له. فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت وانقطعت موانعه واضمحلت، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه. قال: ويبين ذلك ويوضحه مثال: فلو أن إنسانا أسلم على يدي بعض أهل البدع والأهواء من القبورية المتصوفة، وآخر أسلم على أيدي أهل التوحيد والسنة، فمن أسلم على أيدي أهل التوحيد والسنة ستكون عنده من الأدلة الموجبة لليقين، وكذلك الحصانة في دفع شبه المعارضين ما لا يكون عند ذاك الذي أسلم على أيدي المتصوفة القبورية. قال: ولهذا يظهر هذا الفرق إذا عورض هذا الذي أسلم على يدي أهل التوحيد والسنة بشبه النصارى على سبيل المثال، فمن الذي يغلب على الظن أنه يضعف ويستجيب لدعوة التنصير؟ أي الرجلين؟ بلا شك أنه من دخل في الإسلام على أيدي المتصوفة القبورية؛ لأنه دخل بموجب ضعيف، وعنده من الشبه ما يراه في حال جماعته ما يوجب له زيادة الشك. قال رحمه الله: الوجه السادس: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكره واستحضاره، كما يحصل البغض من جهة الغفلة عنه والإعراض. والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك مما في القلب هي صفاته وأعراض وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها. قال: والعلم وإن كان في القلب، فالغفلة تنافي تحققه. والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في ذكره له. قال عمير بن حبيب الخطمي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان يزيد ينقص». قالوا: وما زيادته ونقصه؟ قال: «إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحنا، فذلك زيادته، فإذا غفلنا ونسينا وضيعنا، فذلك نقصانه». قال: فإذا كان كذلك، دل هذا على تأكيد ما سبق من أن الإيمان يتفاضل في الظاهر وفي الباطن بتفاضل ذكر القلب والجوارح، تفاضل ذكر الباطن والظاهر. ولهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته وعلمه بما يصلح حال خلقه، شرع لهم من العبادات الواجبة والمستحبة ما تعين على زيادة إيمانهم والحفاظ عليه. قال رحمه الله تعالى: الوجه السابع: أن يقال: ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم تفاضلا وتفاوتا من الإيمان. فكل ما تقرر إثباته من الصفات والأفعال مع تفاضله، فالإيمان أعظم تفاضلا من ذلك. قال: ومثال ذلك: أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه، سواء كان حبا لولده أو لامرأته أو لرياسته أو وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو خيله أو بستانه أو ذهبه أو فضته أو غير ذلك من أمواله. فكما أن الحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة لانصباب القلب نحوه، ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه، ثم يصير عشقا إلى أن يصير تتيمًا. قال: والتتيم التعبد، وتيم الله عبد الله، فيصير القلب عبدا للمحبوب، مطيعا له لا يستطيع الخروج عن أمره. قال: وهذه مراتب الحب، فيبدأ بعلاقة ويزيد بانصباب، ثم يعلو بغرام، ثم يتوثق بعشق، ثم ينقاد بهذا التيم فيكون عند ذلك معنى العبودية. قال: لا يستطيع الخروج عن أمره. وقد آل الأمر بكثير من عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس. قال: أو الكفر والردة عن الإسلام، أو أفضى به إلى الجنون وزوال العقل، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من أهل المال من الأهل والمال والرياسة، وأمراض جسمه وأسنانه - يعني ثمرت هذا الحب المفرط - وكم قد علم الناس مما هو إما شاهدوه في واقعهم أو سمعوه فيما نقل يقينا إليهم من أحوال الناس في هذا المعنى الذي ذكره. قال رحمه الله: فمن قال: الحب لا يزيد ولا ينقص، كان قوله من أظهر الأقوال فسادا. ومعلوم أن الناس يتفاضلون في حب الله أعظم من تفاضلهم في حب كل محبوب. فهو سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمدا أيضا خليلا. كما استفاض عنه أنه قال: «لو كنتم اتخذتم خليلا من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله». والخلة أعلى مراتب الحب. فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس عبودية لله، كانت المحبة الخالصة لله جل وعلا وحده لا مكان في قلبه لغيره. قال: وأما معاني الحب الأخرى فهي موجودة لأبي بكر ولغيره، وتتفاوت بتفاوت قرب هذا المحبوب من الخليل الرحمن سبحانه وتعالى. ولهذا كان أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر؛ ليس لشخصه، ولكن لكمال طاعته لربه وخالقه. قال: ولهذا قال: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». قال رحمه الله - يعني نفسه صلى الله عليه وسلم - قال: «وقال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». والخلة أخص من مطلق المحبة. فإن الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون يحبون الله ويحبهم الله، كما قال: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم أعلى من أن يكون حبيب الرحمن؛ لأنه خليل الرحمن، والخلة أعلى من المحبة. قال: وقال تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. وقد أخبر الله أنه يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. قال: فإذا كان بتحقيقه يكون أشد حبا لله، والله له أحب، فكذلك الإيمان في قلبه. قال رحمه الله تعالى: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بحبه لغير واحد، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بالصحيح أنه قال للحسن وأسامة: «اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما». وقال له عمر بن العاص: أي الناس أحب إليه؟ قال: «عائشة». قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها». يعني قاله النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: «والله إني لا أحبكم». والناس في حب الله يتفاوتون ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم إلى أدنى الناس درجة مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. قال: وما بين هذين الحدين من الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسماوات. فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبني آدم. فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن تساوي ألف ألف. قال: وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر أنه كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر به رجل من أشراف الناس، فقال: «يا أبا ذر أتعرف هذا؟» قال: «نعم يا رسول الله». قال: «هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن قال أن يسمع لقوله، وإن غاب أن يسأل عنه». ثم مر برجل من ضعفاء المسلمين، فقال: «يا أبا ذر أتعرف هذا؟» قلت: «نعم يا رسول الله». قال: «هذا رجل من ضعفاء الناس، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن قال أن لا يسمع لقوله، وإن غاب أن لا يسأل عنه». فقال: «يا أبا ذر لهذا خير من ملء الأرض مثل هذا». فدل هذا على تفاوت الناس في الإيمان بتفاوتهم في العمل. قال: فقد أخبر الصادق الذي لا يجاوز فيما يقول أن الواحد من بني آدم يكون خيرا من ملء الأرض من الآدميين. وإذا كان الواحد منهم أفضل من الملائكة، والواحد منهم شر من البهائم، كانت تفاضل الذي فيهم أعظم من تفاضل الملائكة. قال: ومسألة فضل الإنسي الصالح على الملائكة فيها خلاف. وفي هذا الكلام منه ترجيح لهذا الخلاف. والواحد شر من البهائم كما أخبر الله عز وجل عن الكفار. قال: كان التفاضل الذي فيهم أعظم من تفاضل الملائكة، واصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته. قال: فعلم أن تفاضلهم في هذا لا يضبطه إلا الله. وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب الشيء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم. وقد تقدم معنى أن الناس يتفاضلون في حب المحبوب، فكذلك في حق حب الله من باب أولى. قال: وهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه، وتفاضلهم في الذل والخضوع لما يذلون له ويخضعون. وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات ويصدقون به ويقرون به. فإن كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم والتصديق بهم، فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم. قال: ولا شك أن ما كان من زيادة معرفة في حق الملائكة استدعى زيادة إيمان في حقهم، فكذلك زيادة معرفة في أسماء الله وصفاته وعظيم إحسانه لخلقه وحسن فعاله يقتضي من التعظيم والتصديق والخضوع والذل وحسن العبادة ما لا يقتضيه مع الجهل. قال: وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها والتصديق بها، أو في معرفة الجن وصفاتهم وفي التصديق بهم، أو في معرفة ما في الآخرة من النعيم والعداب كما أخبروا به من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمسكونات. فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم من تفاضلهم في معرفة الروح التي هي النفس الناطقة، ومعرفة ما في الآخرة من النعيم والعداب. بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك. فتفاضلهم في معرفة الله أعظم وأعظم. وقد يرى الإنسان أثر ذلك، فإن هذه المعرفة تقتضي ما تقتضي من اختلاف أحوال الناس مع هذه الأجساد والأبدان في صحتها ومرضها، فكذلك في حق الله عز وجل. قال: فإن كل كمال في المخلوقات فمن أثر كماله، وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أحق به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيه عنه. وهذا على طريق كل طائفة واصطلاحها. قال: وفي الحديث الذي رواه أحمد في المسند ورواه ابن حبان في الصحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته بكتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا». قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: «بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن». والحديث حديث صحيح. وقد أشار إلى صحته وتصحيح العلماء له الشيخ أحمد شاكر والألباني في الصحيحة وغيرهم من أهل العلم في التعليق. قال: فقد أخبر في هذا الحديث أن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده. وأسماء الله متضمنة لصفاته، ليست أسماء محضة، بل أسماءه تعالى كالعليم والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك. كل اسم يدل على ما لم يدل عليه الاسم الآخر من معاني صفاته، مع اشتراكها كلها بالدلالة على ذاته. وإذا كان من أسمائه ما اختص هو بمعرفته، ومن أسمائه ما خص به من شاء من عباده، علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة كل ما يعرفونه. قال: وبهذا يتبين لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله حق معرفته، بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها، وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل على ثبوته كان معدوما منتفيا في نفس الأمر، قوم غالطون مخطئون مبتدعون ظالمون، وحجتهم بذلك ضاحضة. إلى هنا والله تعالى أعلم، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.