الإيمان الأوسط  7

الإيمان الأوسط 7

الدرس في الإيمان الأوسط 7، الدرس السابع:( وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب ... الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الخوارج وموقفهم من أهل القبلة وتكفيرهم

يتناول المقطع آراء الخوارج في تكفير أهل القبلة بالذنوب واستحلال دمائهم، ويبين بطلان مذهبهم بدلائل من الكتاب والسنة.

أحكام اللعن والحدود في الإسلام

يناقش المقطع حكم لعن المسلم المعين وحد شارب الخمر، ويفرق بين اللعن بالوصف والتعيين، ويجيز للإمام قتل شارب الخمر في الرابعة تعزيرا.

الرد على الخوارج والوعيدية في تأبيد عذاب أهل الكبائر

يناقش المقطع آراء الخوارج والوعيدية حول تخليد مرتكبي الكبائر في النار، ويرد عليها بالأدلة من القرآن والسنة ويبين بطلان استدلالهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب، يعني الخوارج كما تقدم. قال: بل بما يرونه هم من الذنوب، يعني ربما لا يكون ذنبا أصلا، لا يكون ذنبا أصلا. فغلوهم وتنطعهم جعلهم لا يكفرون بالذنب فقط، أي الصريح، بل ربما بما ليس في الإسلام ذنبا ومعصية، ولكنه في نظرهم معصية، في نظرهم معصية. قال: واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك، فكانوا كما نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»، وصدق عليه الصلاة والسلام. ولم يزل الخوارج شؤما على هذه الأمة في كل زمان ومكان، فأعينهم على أهل الإسلام حقدا وعداوة واستحلالا للدماء والأموال، وربما الأعراض. وعن أعين الكفار أعينهم كليلة وضعيفة، فضلا عن أن تكون لهم قوة على الكفار. فقتلهم لأهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، وإن قتلوا أحيانا أهل الأوثان فهو قليل نادر. والغالب أنهم يعتدون على أهل الإسلام، الشيطان يسوّل لهم ويزيِّل لهم، وربما يرون أن هؤلاء سلم لهؤلاء، وهذا من تزيين الشيطان. قال: وكفّروا علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ومن والاهما، وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله. قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، أي من الخوارج. وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالا فارقوا السنة والجماعة. وهذا الغالب في الخوارج، يكثر فيهم العاطفة والحرص على العبادة مع كثرة الجهل وعدم الاستقامة على السنة. ولهذا فالعلماء يعطونهم في الدنيا حكم الخوارج، وأم أمرهم في الآخرة فإلى الله سبحانه وتعالى. وأفعالهم وعقائدهم منها ما يفضي إلى الكفر، فيكون منهم مرتدا كافرا، ومنهم ما لا يفضي إلى ذلك، وإن كان الأصل هو عدم الكفر. فمن الكفر فروا، كما نقل عن جماعة من السلف. قال: وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالا فارقوا السنة والجماعة. فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو كافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات. فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار. ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، يعني كافر. فقالوا: إن عثمان وعليا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا، فصاروا كفارا. فكفروا الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأي ضلال أعظم من هذا الضلال؟ كفروا من أثنى الله عز وجل عليهم من فوق سبع سماوات، من فوق سبع سماوات. قال: ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة. فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله. ولو كان كافرا مرتدا لوجب قتله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه»، وهو حديث ابن عباس وغيره في البخاري. وجاء كذلك خارج الصحيح بروايات كثيرة. والشاهد: لو كان هذا كفرا لكان هذا من تبديل الدين، ولأمر بالقتل. بينما أدلة الكتاب والسنة أمرت أن تقطع يد السارق. وعلم بهذا أنه ليس بكافر، بل هو مسلم عاصي. قال: وقال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها». والحديث معناه من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه، جاء عنه من أوجه كثيرة. وأصله بالصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود، الحديث المشهور: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والمفارق لدين الجماعة». والشاهد من أن هذا الحديث يدل على أن فاعل هؤلاء ليس بكافر، بل هو مسلم حصل استحلال دمه لأجل معصيته، هذا الأصل، إلا المرتد، فالمرتد قد سماه في هذا الحديث كفرا: كفر بعد إسلام. قال: وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مئة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما. وما دام لم يأمر بالقتل، علما أنهما على الإسلام. وأمر سبحانه بأن يجلد قاذف المحصن ثمانين جلدة، ولو كان كافرا لأمر بقتله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلد شارب الخمر ولم يقتله. وكل هذه وغيرها كثير، فيها دلالة واضحة ظاهرة لكل منصف أن فاعل الكبيرة ليس بكافر. ولكن هؤلاء ومن سار على سيرهم لا يعقلون. ولم يزل هذا الفكر وللأسف إلى يومنا هذا، فيوجد من يكفر بالمعصية، وربما تختلف العبارات، بعضهم يقول: المجاهر بالمعصية كفر، وإن لم يكن فعلها كفر. ومن أين هذه الزيادة؟ وأدلة الكتاب والسنة تبطل قول هؤلاء. قال رحمه الله: بل قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بصريح البخاري وغيره أن رجلا كان يشرب الخمر وكان اسمه عبد الله حمارا، وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وكان كل ما أتي به إليه جلده. فأتي به إليه مرة فلعنه رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله». فنهى عن لعنه بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله، مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما. وفي هذا دليل إلى ما أراد أن يشير إليه، وهو أن شارب الخمر فاعل لكبيرة، ومع ذلك لم يسمى بالإسلام كافرا، ولم يعامل معاملة الكفار، بل يجلد بما يكون به ردعه ويعان على توبته واستقامته. وفيه ثانيا كذلك ما سيأتي الإشارة إليه: أن من تكرر منه شرب الخمر أكثر من ثلاث مرات، أي الرابعة وزيادة، ففيه خلاف: هل يقتل أو لا يقتل؟ والصحيح في هذا التفصيل كما سيأتي إن شاء الله. وفيه كذلك أن لعن شارب الخمر صحة، ومع ذلك هنا نهى عن اللعن، فدل ذلك على عدم جواز لعن المعين. فنفرق بين اللعن بالوصف وبين اللعن بالعين، إذ اللعن الطرد من رحمة الله. ولهذا قال من قال من أهل العلم: أن لعن المعين لا يجوز، حتى في حق الكافر الحي، لا يجوز حتى في حق الكافر الحي، لأن الكافر الحي نرجو له الإسلام والإيمان، فلذلك لا نلعنه معينا. وعلى هذا حمل قول الله عز وجل حين نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام وهو يلعن أقواما من الكفار بأعيان: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾، فإذا كان هذا في حق الكافر الحي، فكيف بالمسلم؟ فإنه من باب أولى لا يعين بلعن. وفرق كما قلنا بين اللعن بالوصف واللعن بالتعيين، فيجوز أن تقول: ملعون شارب الخمر، ولا يجوز أن تقول: ملعون يا فلان لأنه يشرب الخمر. قال: وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب في الثالثة والرابعة منسوخ، لأن هذا أتي به ثلاث مرات، وقد أعيل إجماع الكبار جواب هذا الحديث، يعني حديث القتل في الرابعة. حديث القتل في الرابعة أعيل إجماع الكبار. ولهذا توقف فيه بعضهم، وقال بعضهم بالنسخ، ولم يجدوا ناسخا صحيحا صريحا. وقال الترمذي رحمه الله بعد روايته: اتفق أهل العلم على عدم العمل بهذا الحديث أو معناه، فكان محل إشكال. وهنا استنبط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا الحديث الذي أصله في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه أن فيه دليل على نسخ حديث الشارب في الرابعة أن يقتل. وقد رويت روايات يحسنها بعض أهل العلم، وفيها اختلاف، من حديث قبيصة بن ذؤيب أنه أتي بشارب الخمر في الرابعة فجلده ورفع القتل. وجاء في حديث أبي هريرة: أتي بسكران في الرابعة فخلى سبيله. وجاء كذلك في حديث جابر بن عبد الله: أنه أتي برجل - أو قال -: فإن عاد في الرابعة فاقتلوه. قال: ثم أتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالرجل قد شرب في الرابعة، فضربه ولم يقتله. وهذه الأحاديث كلها لا يخلو كل واحد منها من مقال، أي فيها ضعف. وبعض أهل العلم حسن معناها بمجموع طرقها، فأثبت هذا الحكم. والصحيح في هذا التفصيل: وأن هذا راجع للإمام، يجوز للإمام أن يقتل في الرابعة تعزيرا وردعا للمجتمع أن ينجر لشرب الخمر. ويجوز للإمام أن يعفو إذا تكرر ذلك، إذا علم أن صاحب ذلك مظنة الرجوع، فينظر إلى الأصلح للفرد والمجتمع. قال رحمه الله: ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز، يعني إذا قلنا بالنسخ أنه بالرابعة لا يجب القتل، لا يعني ذلك أنه لا يجوز أن يقتل في الرابعة إذا اقتضت المصلحة إلى ذلك. وهذا ظاهر وواضح، وهو الذي سبق، وهو الذي يرجح شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، وغيره من أهل العلم. فالراجح في المسألة ما تقدم. قال رحمه الله تعالى: فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى إمام المصلحة في ذلك. فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدا مقدرا، في أصح قولي العلماء، يعني ما زاد عن الأربعين. لأن الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أربعين، وربما ضربا بغير حد، وربما ضربا بغير حد، الضارب بنعله، والضارب بطرف ثوبه، والضارب بيده. وأما الثمانين فكما جاء بقصة علي وعمر رضي الله عنهما، وهو اجتهاد أرادوا به، أي الصحابة، ردع الناس. أرادوا به ردع الناس، ولكنه اجتهاد مبني على نص، مبني على نص. قال: ليس حدا مقدرا في أصح قولي العلماء، كما هو مذهب الشافعي وأحمد بإحدى الروايتين. بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ترجع إلى اجتهاد الإمام، فيفعلها عند المصلحة، كغيرها من أنواع التعزير. وكذلك صفة الضرب، فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، كما صحت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح، من حديث أبي هريرة وغيره. قال: بخلاف الزان والقاذف، يعني ليس كذلك. قال: فيجوز أن يقال: قتله في الرابع من هذا الباب، يعني يجوز للإمام أن يعزره فيقتل للمصلحة ودرء المفسدة. قال: وأيضا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. فقد وصفهم بالإيمان والأخوة، وأمرنا بالإصلاح بينهم. فعلم بهذا أن القتل ليس بمكفر، لأنهم لو كانوا كفارا لم يقل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ولم يقل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. فأثبت لهم مسمى الإيمان. قال: فلما شاع في الأمة أمر الخوارج، تكلمت الصحابة فيهم، ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم، وظهرت بدعتهم في العامة. فجاءت بعدهم المعتزلة الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري، وهم عمر بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزال، وأتباعهما. فقالوا: أهل الكبائر مخلدون في النار، كما قالت الخوارج. ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفارا، يعني معناه يتوقفون في إطلاق اسم الكفر، وكذلك اسم الإيمان. مع اتفاقهم وموافقتهم للخوارج في نزع مسمى الإيمان. فقد اتفق المعتزلة والخوارج في شيئين: في نزع مسمى الإيمان عن الفاسق فاعل الكبيرة، وفي خلوده في النار. ولكن اختلفوا في شيئين آخرين: اختلفوا في وضع اسم الكفر لهذا العاصي الذي فعل الكبيرة. فقال الخوارج: كفار. وقال المعتزلة: في منزل بين منزلتين، لا هم بالكفار ولا هم بالمؤمنين. واختلفوا كذلك في استحلال دمائهم وأعراضهم وأموالهم في الدنيا، استحلها الخوارج، وتوقف فيها المعتزلة. قال رحمه الله تعالى: قال: وأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وأن يخرج من النار بعد أن يدخلها، يعني صاحب الكبيرة. وقد صحت الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن صاحب الكبيرة يخرج من النار برحمة الله إذا شاء. وهو يدخل في عموم قول الله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. بل إذا دخل النار، حتى لو عذب بكبيرته، فإنه له نهاية، فعذابه له حد. كذلك عذابه له حد. ويجوز أن لا يدخل صاحب الكبيرة النار، ويجوز أن يدخل ويخفف عنه من العذاب، ويجوز أن يدخل ويخفف عنه من المدة. وإن لم يكن ذلك كله، فإنه يعذب بقدر ذنوبه. فإذا تطهر من ذنوبه خرج. وكل هذا ينكره الخوارج والوعيدية جميعا، معهم المعتزلة. فهم يقولون: هو خالد مخلد في النار. قال: قالوا: ما الناس إلا رجلان: سعيد لا يعذب، أو شقي لا ينعم. والشقي نوعان: كافر وفاسق. ومعنى أن الفاسق مثل الكافر، وهذا باطل. فأدلة الكتاب والسنة فرقت. قال: ولم يوافق الخوارج على تسميتهم كفارا كما تقدم. قال: وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج. فيقال لهم: كما أنهم قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له. قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له. فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة، وهو مخلد في النار، لا استحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما استحقها المرتد. فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق. والجواب: أنهم لا يوافقون الخوارج في هذا. وهم لا يرون استحلال دم وعرض ومال الفاسق. فإذا كان كذلك، فيقال لهم كذلك في الآخرة: إذا فرقتم بالدنيا، فكذلك يجب أن تفرقوا كذلك في الآخرة. قال رحمه الله: وقد قال تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فجعل ما دون ذلك الشرك معلقا بمشيئته. ومعنى كل ما سوى الشرك، ومنه الكبائر، تحت المشيئة. وهذا هو معنى الآية لمن يعقل العربية ويفهم شرع دين الإسلام. قال: ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب، فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره. لماذا؟ لأن المشرك لو تاب، تاب الله عليه. فكذلك صاحب الكبيرة. فإذا قيل: المراد بآية سورة النساء العاصي الذي تاب من معصيته. فيقال: إذا لا فرق بين العاصي وبين المشرك، لأن المشرك كذلك إذا تاب من معصيته تاب الله عليه. وعلم بهذا بطلان قولهم. قال رحمه الله: كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. فهنا عمم وأطلق، لأن المراد به التائب. وهناك خص وعلق، أي فعلم بذلك أن الآية الأولى، آية النساء، المراد بها استثناء بغير توبة، وبتوبة. فإذا لم يتب فهو تحت المشيئة، وإذا تاب فمن باب أولى. قال: وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. ومعنى أن هذه الآية قسمت الناس ثلاثة أقسام: مؤمن وكافر وماذا؟ أو قسمت الناس إلى ثلاثة أقسام: ظالم ومقتصد وسابق بالخيرات، ظالم ومقتصد وسابق بالخيرات. وإذا كان كذلك، علم بطلان قول الخوارج في هذا الباب. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت. سأل بعض الإخوة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث الذي مر معنا حديث أبي هريرة: «فيتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا». وهكذا في آخر الحديث: «فيجأ به في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». قال: سمعنا في دروس سابقة أن قاتل النفس والقاتل إنما يكون له طول المدة، ولهذا لم يأتي ذكر التأبيد في: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، ليس فيه أبدا. فكيف يجاب عن لفظ التأبيد في هذا الحديث؟ الجواب: أن العلماء استشكلوا هذه اللفظة، حتى ذكرها العلماء في مشكل الآثار، كالطحاوي وغيره. وشراح الأحاديث حين مروا على هذا الحديث استشكلوه، ونقلوا كلام أهل العلم فيه، وأجابوا بأجوبة. وخلاصة ما أجيب عليه من جهتين: الجهة الأولى: طائفة نظرت في رواية الحديث وطرقه، فوجدوا أن هذه اللفظة لفظة فيها شيء من الشذوذ، لأن راويها تفرد بها عن الثقات الذين رووا هذا الحديث بدون هذه الزيادة. قال الترمذي رحمه الله حين ذكر هذه اللفظة: لا يروي ذلك - أو قال -: لم يروي ذلك - أو قال -: رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ولم يذكر: خالدا مخلدا فيها أبدا. ورواه كذلك: ذكر رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وليس فيه هذه اللفظة. وإنما تفرد بها الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، تفرد بهذه اللفظة الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. فعلم بهذا أنها لفظة شاذة. وهذا هو قول المحققين من أهل المعرفة بالحديث: أن هذه اللفظة شاذة. وبعضهم جعل شيئا أوسع من هذا، قالوا: ليس في الأحاديث الصحيحة، ولا يوجد في النصوص ما فيه لفظ التأبيد لأهل الكبائر. ما فيه لفظ التأبيد في أهل الكبائر. وكل حديث ورد فيه معنى التأبيد فهو ضعيف. وبالاستقراء وجد أن هذا الكلام صحيح. وجد أن هذا الكلام صحيح، فإنه لا توجد رواية صحيحة صريحة فيها لفظة التأبيد لأهل الكبائر. وما ورد صريحا فهو ليس بصحيح، فهو ليس بصحيح. وعلى تقدير صحته، أجاب العلماء بأجوبة، أشار النووي رحمه الله وغيره من الشراح إلى ثلاثة أقوال هي من أهم الأقوال التي ذكرت في الإجابة على هذا الحديث. الجواب الأول: أن هذا يحمل على الاستحلال، وهو ضعيف. والجواب الثاني: أنه يحمل على طول المدة وتأكيدها، وهذا ممكن أن يقبل، وفيه شيء من التكلف، لأن لفظة التأبيد شيء زائد عن طول المدة. والجواب الثالث، وهو أحسن هذه الأجوبة: أن هذا هو جزاؤه، ولكن الله جل وعلا عفا وتجاوز. فعلم هذا بالأدلة الأخرى، يعني قاتل النفس ظلم نفسه ظلما عظيما، استحق في عقاب الله أن يدخل النار على وجه التأبيد. ولكن من فضل الله ورحمته: أنه نسخ هذا الحكم بالأدلة الأخرى. فيكون في هذا الحديث حكم المنسوخ بالنصوص الأخرى، حكم المنسوخ بالنصوص الأخرى. فعلى تقرير صحة هذه اللفظة يكون هذا الجواب. ولكن كما تقدم: اللفظة لم تصح، هذا هو الصواب. والله تعالى أعلم. وعلى هذا فما استدل به الوعيدية في مثل هذه اللفظة، فهو استدلال ليس بصحيح، لأنه يجاب عليه بأحد هذين الجوابين. والله تعالى أعلم، وإياكم الله خيرا.