الدرس في شرح اللآلئ البهية 30، الدرس الثلاثون : فيه : ( فصل في الكلام على أمر المعاد ... فأما من ثقلت موازينه الآيتان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ اعتقاد أهل السنة والجماعة في أمر المعاد وتفاصيله مثل الميزان والحوض والصراط، ويؤكد على أهمية الإقرار بلسان وإعتقاد بقلب بأمور الآخرة. يُبين أن أهل البدع أنكروا ذلك لاعتمادهم على المعقول على حساب المنقول.
يؤمن علماء السلف بأن الميزان يوم القيامة حق، ويعتقدون أنه له لسان وكفتان توزن به الأعمال. كما ذُكر أن الأعمال تأتي بصورة يوم القيامة وتوزن بحسبها. وردت آثار في هذا المعنى بعضها ضعيف.
يشرح المقطع معنى المحاسبة يوم القيامة ويفرق بين الحساب اليسير والعرض. يُبين أن الإيمان بالميزان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، حيث توزن الأعمال ويحاسب الله الناس على أفعالهم.
اختلف أهل العلم في عدد الموازين يوم القيامة بين رأيين، والأظهر أن الميزان واحد. استدل بعضهم بآيات قرآنية مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال العلامة المرداوي رحمه الله تعالى: فصل في الكلام على أمر المعاد كالميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء، والقبر والسؤال، وما في معنى ذلك. فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن الناظم لما فرغ من الكلام على النزول، شرع يتكلم على بقية السمعيات. ومعنى السمعيات كما مر معنا هو ما ذكر في الأدلة السمعية من الكتاب والسنة. قال بما اعتقده أهل السنة والجماعة من أمر المعاد، يعني أن أهل السنة يؤمنون بما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة من إثبات أمر المعاد وما فيه من تفاصيل كما سيأتي ذكره إن شاء الله. وأهل البدع أنكروا ذلك، منهم من أنكره لأصله الفاسد، وهو تقديم المعقول على المنقول، وظنوا أن المعقول يقضي بنفي ذلك، كأهل التخيل من الفلاسفة ومن تبعهم، كذلك من أهل البدع والضلال كالجهمية والمعتزلة، وهكذا في بعض المسائل الأشاعر والماتريدية. قال رحمه الله: فقال وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو أني منه ريا أنهله، وكذا الصراط يمد فوق جهنمي، فمسلم الناج وآخر مهمله. قال الشارح رحمه الله: وأقر أي بلساني وأعتقد بجناني. وقد مر معنا أن الإقرار بمعنى الشهادة في هذا الموضع، فهو إثبات الشيء مع الجزم به في القلب. قال: وقوله بالميزان، أي الذي توزن به الأعمال يوم القيامة، وسيأتي أدلته إن شاء الله. قال: قال علماؤنا كغيرهم: نؤمن بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، أي أن هذا الميزان حق كما دلت عليه الأدلة من الكتاب ومن السنة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله. وهكذا كذلك فهم سلف الأمة من الصحابة ومن تبعهم من الأئمة. قال: قالوا: وله لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال. وهذا المعنى جاءت فيه آثار وبعض الأحاديث المرفوعة، وأكثرها ضعيف جدًا أو ضعيف، وقد حسن بعضها، لكن الظاهر والله أعلم أن مثله لا يثبت على هذا المعنى، فهي آثار روية يغشى أنها من الأخبار الإسرائيلية. قد أشار المعلق إلى أنه روي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى هذا المعنى، ذكره اللالكاءي في «أصول الاعتقاد»، وهناك ذكر عددًا من الآثار الأخرى وبعضها كذلك مرفوع. قال: وقال ابن عباس: توزن الحسنات بأحسن صورة والسيئات بأقبح صورة. وهذا المعنى عن ابن عباس، والله أعلم بصحة ما تيسر للوقوف عليه، لكن معناه بالجملة صحيح، فقد دلت الأحاديث على أن الأعمال تأتي يوم القيامة ولها صورة، والله جل وعلا على كل شيء قدير، كما جاء معناه في حديث البراء وغيره. قال: قال الإمام القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة؛ فإن المحاسبة تقرير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها. ومعنى كلام القرطبي رحمه الله تعالى أولًا أن الحساب قبل الوزن، وثانيًا أن الوزن هو الثمرة التي تكون بعد الحساب؛ فإن الوزن لإظهار المقادير ليعرف كل إنسان أنه لم يظلم، فمنزلته حيث كان وزنه، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فالله لا يظلم أحدًا. وإن كان في قول القرطبي رحمه الله تعالى: الحساب أو المحاسبة يعني بعض الشيء؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حوسب عذب»، فممكن أن يصح في حق من يعذب، أما من لم يعذب أو من لا يعذب فإنه لا يصح فيه هذا المعنى. ولهذا صح عن عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أنها لما سمعت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام قالت: يا رسول الله، ألم يقل الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، يعني أشكل عليها كيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام «من حوسب عذب» والله عز وجل يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك العرض، يحاسب حسابًا يسيرًا يعني تعرض فقط أعماله، كما جاء في حديث عدي بن حاتم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان»، الحديث. وهكذا جاء معنا في حديث ابن عمر. وأما من نوقش الحساب يهلك، ولهذا قال بعده النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «ولكن من نوقش الحساب يهلك، من نوقش الحساب يهلك». فإذا التعبير بغير المحاسبة والحساب أحسن، اقتداء أو تقيدًا بما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة وغيره. قال: والحاصل أن الإيمان بالميزان كأخذ الصحف ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، فهنا قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾، وقد ذكر العلماء معنى الجمع أنه إما الموزونات، أي الموازين التي هي أعمال كثيرة توزن، أو أجساد توزن كما سيأتي، وقيل: أن الموازين موازين للناس، لكل أناس ميزان. وبكل القولين قال أهل العلم، والأظهر الأول والله تعالى أعلم؛ لأن بعض الأحاديث وبعض الأدلة دل على ذكر الميزان الواحد. قال: وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآيات، فالموازين هي الموزونات من الأعمال والأجساد. نكتفي بهذا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.