الدرس في شرح اللآلئ البهية 9، الدرس التاسع : فيه ( وقال علي بن أبي طالب في قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به هو أبو بكر ... وأنفق ماله على رسول الله وهو أجود الصحابة رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع مناقب وفضائل أبو بكر الصديق، حيث يذكر بعض الأحاديث النبوية التي تبرز فضله ومكانته. كما يشير إلى ورعه وتقواه، ويذكر بعض الأحاديث التي تبرز مناقبه وفضائله.
يذكر المقطع العديد من الأحاديث النبوية التي تبرز فضائل أبي بكر الصديق، مثل تسميته بالصديق وكونه أفضل الصحابة بعد النبيين والمرسلين. كما يشير إلى بعض الأحداث التي تظهر منزلة أبي بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم.
يُنصح المبتدئون بحفظ الأحاديث الأربعين النووية أولًا دون الأسانيد، كما يُشدد على أهمية التثبت في سماع الدعاة وعدم الأخذ من غير أهل العلم الثقات. يُثني على أبي بكر الصديق لتصديقه للنبي عليه الصلاة والسلام.
ينصح بالاستماع إلى أهل العلم الموثوقين وأشرطتهم وكتبهم المترجمة، مع ضرورة التحقق من أن الشخص من أهل السنة ودعاة الخير والفضيلة قبل الاستماع إليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المردوي رحمه الله تعالى في شرح التحفة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وفي رواية البزار، «وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: هو أبو بكر». وقد مر معنا أنه رويت آثار كثيرة، ولكن منها الصحيح ومنها الضعيف، وبالجملة فبالصحيح أنه لا يصح تعيين، كما مر معنا قريبًا في رسالة شيخ الإسلام مقدمة التفسير. لكن لا شك أن أبا بكر من أولى الناس بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قاله برواية البزار؛ جاء بالصدق أي الحق هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصدق به هو أبو بكر. وهذا وإن كان إسناده ضعيفًا كما أشار المعلق، ويؤيده ما جاء بالصحيح، كما سيأتي معنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صدقني تذبني الناس»، فهو أول من صدق بالنبي عليه الصلاة والسلام -يعني من الرجال- على ما سبق ذكره. قال: «أسلم على يديه جمع من الصحابة، منهم عثمان بن عفان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم»، وهو أول من جمع القرآن. وجاء في الصحيح من حديث زيد بن ثابت: حين قتل من قتل من القراء فيما كان من قتال مع قوم مسيلمة، فلما قتل كثير من القراء في اليمامة أشار أبو بكر رضي الله عنه إلى جمع القرآن؛ خشية أن يموت الحفظة فيضيع القرآن، فتردد زيد، ثم شرح الله صدره لقول أبي بكر، فكانت مصيبة لأبي بكر رضي الله عنه أرضاه. قال: «وكان ورعًا، تحرجًا من الشبهات». وهكذا معناه: أنه كان ورعًا رضي الله عنه أرضاه، فاستقاء -أي أخرج ما في بطنه- حين أكل شيئًا لغلام له، فكهن كهانة في الجاهلية، فأعطي عليها العطاء في الإسلام، فتقيأ حين علم ذلك أبو بكر، كما جاء ذلك في البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها. وأشار المعلق إلى ذلك. قال: «وأول من سمى القرآن مصحفًا». وجاء في قصة جمع القرآن في حديث زيد بن ثابت ما يدل على هذا المعنى، ليس بصريح، وهو في البخاري. قال: «وأول من سمى خليفة». بل هو بنص حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وأول الخلفاء هو أبو بكر رضي الله عنه أرضاه. قال: «وأول من ولي الخلافة وأبوه حي». يعني أنه ولي الخلافة مبكرًا، ولا يكون ذلك إلا لفضيلته وخصيصته رضي الله عنه؛ لما كان من كلامه عليه الصلاة والسلام. وقد مر معنا أن بعض أهل العلم قال: إن خلافته كانت بالنص -يعني الذي هو بالنص بالإيماء والإشارة- كما جاء في حديث عائشة: «أجعل أباكي وأخاكي أميرًا، أكتب كتابًا لا يختلف الناس عليه يا أبا بكر والمسلمون إلا أباك»، والحديث بالصحيح. قال: «ومناقبه رضي الله عنه كثيرة جدًا، وهو كما قال رحمه الله: مناقبه كثيرة جدًا، ذكرها العلماء في كتبهم وجمعها بعضهم». وهي -يعني من كثرتها- يشق على المؤلف أن يخصرها أو يجمعها بهذا الكتاب على اختصاره. نشير من هذا الكثير ببعض الإشارات لتأكيد كلام المؤلف رحمه الله. فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أمن الناس علي في صحبتي ومالي أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته». ثم قال: «ولا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر». والحديث بالصحيحين من حديث أبي سعيد. وجاء معنا كذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه -سيذكره المؤلف- وهكذا من فضائله أنه قال عليه الصلاة والسلام: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأعلمهم علي». والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وأحاديث الفضائل كثيرة، وبعض هذه الأحاديث يشهد لبعض. وقد صحح الشيخ العلامة الألباني رحمه الله جملة كبيرة منها. ومن هذه الأحاديث التي صححها وحسنها العلامة الألباني رحمه الله في فضائل أبي بكر قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أهل الدرجات العلى لا يرون من فوقهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم». والحديث رواه أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد، وذكر الشيخ العلامة الألباني في صحيح الجامع. ومن هذه الأحاديث كذلك ما جاء في الصحيح -في صحيح البخاري- وعند أحمد من حديث ابن عمر: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان». وهكذا منها ما جاء عن علي رضي الله عنه كذلك في قصة وفاة عمر رضي الله عنه، والحديث بالصحيح. فكان من ذلك أن ذكر رضي الله عنه أرضاه: قبلهما وفصيصتهما مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه ما كان يذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحدًا مثل ما ذكر أبا بكر وعمر. ومنه ما جاء فيه عند الترمذي، وحسنه شيخ العلامة الألباني في صحيح الجامع عن علي رضي الله عنه قال: «ما هاداني أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام: سيدا كهول الجنة أبو بكر وعمر». ومنها كذلك ما جاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف في حديث العشرة، قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة» إلى آخر العشرة. ومنها كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صعد على جبل أحد هو وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان». وهذه كذلك فضيلة من فضائل أبي بكر رضي الله عنه. وهكذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمر بن العاص: أنه قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبو بكر». ومنها ما جاء كذلك: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وما لأحد عندنا منة إلا وقد كافأنا بها إلا الصديق، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر». ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله. والحديث رواه الترمذي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس». وحسنه العلامة الألباني في الصحيحة في المجلد الثاني من حديث جابر. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «يقتدي الناس بالذين من بعدي من أصحاب أبي بكر وعمر». والحديث عند الترمذي من حديث ابن مسعود، وحسنه وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. وهكذا كذلك ما جاء: أن رجلًا رأى رؤيا، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحيانًا يقول: «أيها الأصحاب، من رأى منكم رؤيا؟» فقال رجل: «أنا يا رسول الله». فقال: «ما رأيت؟» قال: «رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت على أبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر». فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رأينا الكرام في وجهي». والحديث رواه أبو داود والترمذي، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام -أو معنى قوله الراوي-: «ضربت الكراهة في وجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال المباركفوري: «الكدرة كانت لانشقاق رتبة الأمور بعد عمر وظهور الفتن» -يعني أن الفتن تظهر بموت عمر رضي الله عنه أرضاه-. فهذه -كما يقال- غيض من فيض من فضائل أبي بكر رضي الله عنه، وهو كما قال: كثيرة جدًا. قال: «وهو أفضل الصحابة وخيرهم بإجماع أهل السنة». فقد أجمعوا على أن أفضل الناس بعد النبيين والمرسلين أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم التابعون، ثم تابعوهم. قال بالتعليق الذي بشرح السفارينية: بعد قوله «ثم علي» ثم سائر العشرة، ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل البيعة -أهل بيعة الرضوان- ثم باقي الصحابة. يعني هذا ترتيب فضل الصحابة: العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم باقي المهاجرين، ثم باقي الأنصار؛ لأنه هو قال: ثم باقي الصحابة، لكن ترتيبهم: ثم باقي المهاجرين، ثم باقي الأنصار، ثم سائر الصحابة ممن ليس من المهاجرين والأنصار كالموالي وغيرهم. وهذا هو ترتيب فضل الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. قال: «فسمي صديقًا لأنه أول من صدق». بناءً على أنه أول من آمن، وسبق الكلام على ذلك: أن الورع أنه أول من آمن من الرجال. وأما تسمية صديق، فقد مرت في الأحاديث معنا أنه سمي صديقًا، كما في حديث أنس: «فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان». وكما كذلك في الحديث المتقدم: «إلا الصديق، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة». قال: «ولهذا قال أبو محجن الثقفي به شعرًا: سبقت إلى الإسلام والله شاهده، وكنت جليسًا بالعرش المشيد». قال: «وأول ما استهر سيدنا أبو بكر بهذا الاسم صبيحة ليلة الإسراء». فأخرج الحاكم في المستدرك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: «جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: لقد صدق، إني لأصدقه بأبعد من ذلك، بخبر السماء غدوة وروحة». قال: «ولذلك سمي أبو بكر صديقًا». إسناده جيد. وأشار المعلق إلى أن إسناد هذا الأثر الذي رواه الحاكم ضعيف، ومعناه صحيح؛ لأن أبا بكر من أول المصدقين ومن الملازمين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقني إذ كذبني الناس». وكما قال كذلك عليه الصلاة والسلام: «صدق قلتم، كذب وقال: صدق» -يعني كذبه الناس وصدقه أبو بكر رضي الله عنه أرضاه-. هذه شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام في كل شيء جاء به عليه الصلاة والسلام صدقه به أبو بكر، ومن ذلك أمر الإسراء. قال بالطبراني بسنده عن الشعبي قال: سأل رجل ابن عباس رضي الله عنه: أي الناس كان أول إسلامًا؟ قال: «أبو بكر الصديق، ألم تسمع قول حسان: وإذا تذكرت شجًا من أقي ثقة، فاذكر أبا بكر بما فعل، أخير البرية أتقاها وأعلمها، بعد النبي أوفاها بما حمل، والثاني التالي المحمود مشهده، وأول الناس منهم صدق الرسول». يعني كأن حسان أثبت التصديق لأبي بكر بأنه أول من صدق الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا الأثر أشار المعلق إلى ضعفه، وأن في إسناده من كذب وترك. قال: «وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل أنتم تاركوا لصاحبي؟ إني قلت: أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم كذبته، فقال أبو بكر: صدقته». والحديث له قصة كما جاء بالبخاري وغيره فيما وقع، وأبو بكر، أن أبا بكر قال: «أفضت يومًا»، قال: «وقع بيني وبين عمر فجئت أستسمح منه فأبى». قال: «فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبرته بذلك، فتغير وجهه». فقلت: «يا رسول الله، إني كنت أظلم». قال: «فكأن عمر استحضر بعد ذلك، فجاء يسأل عني في بيتي فلم يجدني». قال: «فجاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فدخل وأنا عنده، فقال: أيها النبي عليه الصلاة والسلام، وجثا على ركبتيه، هل أنتم تاركوا لصاحبي ثلاثًا؟ يكررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام، ثم قال: ما قال». قال الحافظ الذهبي وغيرهم: «الفطنة والإسلام وإمامته، صاحب أبو بكر، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حين أسلم إلى أن توفي لم يفارقه حضرًا ولا سفرًا إلا بما أدن له فيه من حج أو غزو، وهو رفيقه بالغار». قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ الآية. «وأنفق ماله على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أجود الصحابة رضي الله عنهم أرضاه». وقد مر معنا معنى ذلك: أنه أنفق على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتقدم وجاء معنا كذلك من حديث أبي هريرة: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر». قال: «فبكى أبو بكر رضي الله عنه، وقال: ما أنا ومالي إلا لك يا رسول الله». وأشار إلى هذا الحديث المعلق، وصححه الشيخ العلامة الألباني. وهكذا هو أجود الناس، كما جاء في الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وغيره في تسابق أبي بكر وعمر بالصدقة، وجاء أبو بكر بكل ماله بعد أن جاء عمر بنصف ماله. طيب نكمل بهذا الخجر ونكمل ما تبقى بدرس لاحق. السائل المطرنسة يقول: هل المبتدئ في حفظ الأحاديث يحفظ الأسانيد أم لا؟ لا، لا يحفظ الأسانيد. المبتدئ أولًا يحفظ القرآن، وإذا أراد أن يحفظ ما تيسر من الأحاديث؛ لأنه تطبيق للغة وتقوية للسان العربي، وهكذا كذلك تعلم للعلم الشرعي وزيادة للإيمان؛ فإن الإيمان يزيد بحفظ القرآن وحفظ السنة وتدبر ما فيه. فيحفظ أولًا الأربعين النووية وزيادة، فإن ذلك أول ما ينصح به أهل العلم؛ لأنه يعرف أهم الأحاديث التي يحتاجها، وهو في هذا الوقت يحتاج الحفظ شيء يسير سهل على النفس. وثانيًا: لأن حفظ الإنسان بالحقيقة يزداد بكثرة الممارسة -ممارسة الحفظ- فأول ما يبدأ الإنسان بالحفظ يكون صعبًا عليه وثقيلًا، لكنه إذا استمر ومارس الحفظ يخف عليه الحفظ، ربما أول ما يبدأ في اليوم ما يستطيع يحفظ حديث إلا بعد طول الأنفس، فإذا استمر على ذلك أيام حفظ الأربعين سهل عليه أن يحفظ بعد ذلك في اليوم خمسة أحاديث أو أكثر. وإذا استمر ربما يستطيع أن يحفظ في اليوم الواحد أكثر من أربعين حديثًا، وهكذا. فمن فوائد الابتداء بالأخف ثم الأعلى أولًا -كما قلنا- الوصول إلى الأنفع. والعلماء ألفوا هذه المتون؛ لأنهم يرون أنها أنفع ما يحتاجه طالب العلم في أول دراسته. فأنت خذ بقريبة أهل العلم، تحفظ المتون أولًا فأولًا: الأربعين، ثم العمدة، ثم البلوغ، ثم الرياض، وهكذا حتى تصل إن شاء الله إلى الأحاديث بأسانيدها. السائل بقريه يقول: هل يجوز الجلوس عند شخص داعية بدون أن أعرفه؟ إذا كان ما تعرفه هو يدعو إلى الله عز وجل، ولا يوجد عندكم أحد، والأصل أنه يدعو إلى السنة، أو جاء في مسجد سنة، فاسمع له؛ لأنه جاء في موضع هو مظنة السنة. أما إذا كان ليس كذلك، فالأصل أنك تتثبت، كما كان السلف يقولون عن الزهري وابن سيرين وابن المبارك وجماعة: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». لا تأخذه من صوفي أو حزبي أو مخرف أو عقلاني فيضلك، وأنت مبتدئ لا تجد الصواب من الخطأ، ولا الهدى من الضلال. لكن يكفيك أن تسمع إلى أشرطة أهل العلم النافعة، والكتب المترجمة بأهل العلم الموثوقين، ولا تسمع لكل أحد إلا إذا علمت واستيقنت أن هذا من أهل السنة ومن دعاة الخير والفضيلة إن شاء الله. طيب نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.