شرح العقيدة الواسطية للهراس 52

شرح العقيدة الواسطية للهراس 52

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 52، الدرس الثاني والخمسون : (وقوله إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ... قال أبو بكر والله إني لأحب أن يغفر الله لي ووصل مسطحاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في صفات الله الفعلية

يبدأ الشيخ ابن بريك بشرح الآيات الدالة على صفات الله الفعلية مثل العفو والقدرة والمغفرة والرحمة. يُبين معنى هذه الصفات وأهميتها في فهم الذات الإلهية.

تفصيل معاني العفو والقدرة

يتعمق المقطع في شرح معاني العفو والقدرة في القرآن، حيث يُوضح معاني العفو الأربعة وتعلق القدرة بالممكنات إيجادا وإعداما. يُبين الفرق بين العفو والمغفرة والصفح.

تحقيق العفو ومجال قدرة الله

يشرح المقطع تحقيق العفو ومعناه في الشرع، ويوضح مجال قدرة الله تعالى وتعلقها بالممكنات. يُستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتوضيح هذه المفاهيم.

تتمة الكلام عن تحقيق العفو

يُفصل المقطع تحقيق العفو بالقول والفعل والمعنى والحس على أكمل الوجوه، ويُبين المقصود من العفو وهو التجاوز عن الذنب وعدم التعرض له.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: «وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تُعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾». قال الشارح، رحمه الله: قوله: «إن تبدوا خيرا» إلى آخره، هذه الآيات تضمنت إثبات صفات العفو والقدرة والمغفرة والرحمة والعزة والتبارك والجلال والإكرام، يعني اجتمعت على إثبات مجموعة من الصفات الفعلية لله جل وعلا. والمؤلف في سياق ذكر مجموعة من الصفات الفعلية، ومر معنا أنها تثبت لله على ما يليق بجلاله وعظمته، والقول في الصفات فرع عن القول في الذات، فكما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فكذلك نثبت له صفات لا كالصفات، وأفعالا لا كالأفعال، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقوله: «إن تبدوا خيرا» الإبداء من الإظهار، أو تخفوه والإخفاء من الإسرار، أو تعفو عن سوء، العفو والتجاوز والصفح كما سيأتي، فدل على أن كل ذلك يعلمه الله جل وعلا، وأن هذه كلها تدل على إثبات صفات فعلية لله جل وعلا، يفعلها متى شاء وبما شاء وكيف شاء، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فهو لا يخفى عليه المظهر ولا المخفي. وهو سبحانه وتعالى كذلك عفو قدير، على كل شيء قدير. قال: «فالعفو الذي هو اسمه تعالى معناه المتجاوز عن عقوبة عباده إذا تابوا إليه وأنابوا»، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. العفو اسم من أسماء الله، «كان الله عفوا قديرا»، فهو اسم من أسماء الله متضمن لصفة وفعل له جل وعلا. وقوله: «معناه متجاوز عن عقوبة عباده»، قال بعض أهل العلم: الغالب أن العفو يكون التجاوز في ترك الواجبات، والمغفرة هو الستر والتجاوز في فعل المحرمات، وقد يطلق هذا على هذا إذا لم يذكر معا، وإذا ذكر معا فيكون هذا في الغالب في ترك الواجبات، والغفور في التجاوز والستر عن فعل المحرمات. كما ينبغي أن نعلم أن القاعدة عند أهل العربية أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فلذلك إذا تأملنا معنى العفو نجد أنه ليس هو المغفرة، وليس هو التجاوز، وليس هو كذلك الصفح، ولكنه معنى زائد عن ذلك؛ لأن المبنى اختلف فيدل على معنى زائد. ولهذا ذكروا أن العفو أو «عفا» لها معاني، فمن معانيها التجاوز والصفح، بل هو أبلغ منها وأبلغ من المغفرة؛ لأن العفو كما قال بعضهم هو من إذهاب الأثر، كما يقولون: «عفا الأثر» أي ذهب أثر الأثر أخذته الريح فذهب، فكذلك من يعفو فإنه ليس فقط يتجاوز ويصفح، بل يزيل أثر ما وقع عليه أو ما وقع مما يوجب المؤاخذة، هذا معناها العام، وهو في حق الله جل وعلا على أحسن المعاني وأكملها، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهكذا يأتي «عفا» بمعنى الإسقاط، بمعنى الإسقاط، وكذلك المسامحة، ومنه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني إلا أن يسقطوا حقوقهم -أي النساء- أو يسقط ذلك الذي بيده عقدة النكاح. وهكذا يأتي «عفا» من الكثرة، تقول: «عفا القوم» أي كثروا. ويأتي «عفا» بمعنى الطمس والإزالة، ومنه تقول: «عفا المنزل» أي انمحى، «عفا الأثر» أي اندثر واختفى. فإذا بهذا نعرف أن معنى العفو في الحقيقة تضمن أربعة معاني، أولها التجاوز والصفح، وثانيها الإسقاط والمسامحة، وثالثها الكثرة، ورابعها الطمس والإزالة، فكلها متضمنة للفظ العفو، وبه تعرف كذلك. وفي هذا فائدة معنى العفو الذي أمر به المؤمن شرعا، فليس العفو الكامل الصحيح الذي يكون معه من أذية عن هذا العفو، بل هو المتضمن لهذه المعاني الأربعة. قال رحمه الله تعالى: «ولما كان أكمل العفو هو ما كان عن قدرة تامة على الانتقام والمؤاخذة، جعل الإسمان الكريمان: العفو والقدير مقترنين في هذه الآية وفي غيرها»، أي ليدل على أن عفو الله مع قدرة، وأن قدرة الله مع عفو، فيقترن كل اسم منهما بمعنى الاسم الآخر، فيزداد كمالا مع كماله، وهذا من فائدة اقتران الاسمين بعضهما ببعض وختم به الآيات. قال: «وأما القدرة فهي الصفة التي تتعلق بالممكنات إيجادا وإعداما»، وقلنا كيف تقدم الممكنات -أي المخلوقات- فهي من الممكن؛ لأنه ممكنا يوجد، ممكنا يعدم، فخرج بذلك غير الممكن: المستحيل والواجب. وهذه التعبيرات كما مر معنا وتقدم أنها من عبارات المتكلمين، وليست من عبارات أهل الحديث والأثر وأهل السنة، ولكن ربما عبر بها بعض من عبر لأحد أمرين: إما لأنه جرى ذلك على لسانه وقلمه لكثرة ما ورد عليه من كتب هؤلاء، وإما أنه يعبر به ليرد به باطل قوم يعبرون بهذه التعابير ليبين لهم أن قول أهل السنة في ذلك على هذا المعنى، ليس على ما تفهمون وتظنون. وكل المعنيين محتمل في هذا الموضع، فالمؤلف رحمه الله كما سبق كان قبل هذا على غير طريقة أهل السنة بباب الأسماء والصفات، وفي بعض الأبواب الأخرى، فربما كان هذا تسامحا وتساهلا منه؛ لأنه كثر الاستخدام لمثل ذلك، وربما أراد الثاني، وهذا معقول كذلك وممكن؛ لأنه يرد كثيرا على المعتزلة، والمعتزلة يعبرون بمثل هذه التعابير، وهذا الموضع من مواضع الرد على المعتزلة. فقدرة الله جل وعلا تتعلق بالممكنات إيجادا وإعداما، فخرج بذلك الواجب، فلا تتعلق بالواجب الذي يراد به الرب جل وعلا وما يتعلق به من ذاته وصفاته وأفعاله، فلا تتعلق بالواجبات؛ لماذا؟ لأن الواجب لا يصح فيه العدم والامتناع أو النقص والكمال، بل كماله مطلق من كل الوجوه، كمال الواجب مطلق من كل الوجوه، فلهذا لا يصح أن يقال: إن القدرة تتعلق به. وهكذا كذلك المستحيل، كالولد والشريك والصاحبة ونحوه، فهذا كذلك لا تتعلق به القدرة؛ لأن المستحيل والمعدوم بمعنى واحد، وهو ليس بشيء حتى تتعلق به قدرة، فهو بمثابة الغير موجود، وهو بمثابة اللاشيء، فكيف تتعلق القدرة بلا شيء؟ كيف تتعلق القدرة بلا شيء؟ يمثل بمثال تقريبا للمعنى: مثلا لو قيل: «الإنسان ائتني بمثلا هذا الذي يقال له الغول»، وجه قدرتك للغول، فيقال: كيف تطلب منه شيئا غير ممكن؟ لماذا؟ لأن الغول لا وجود له أصلا، لا يوجد شيء يقال له غول حتى تطلب منه أن يوجه قدرته إليه فيأتي به. فإذا كان كذلك، فليس لأجل عيب في قدرة هذا الإنسان، ولكن لأجل عدم موجود أصلا من توجه إليه القدرة، واضح. فإذا كان هذا بحق المخلوق، فلله المثل الأعلى، فالمستحيل معدوم وغير موجود، فلذلك لا تتوجه إليه القدرة. وقد نبه العلماء في عدد من كتبهم على هذا المعنى، وذكر بسط في هذا، لكن المقام لا يقتضي الإطالة، أكتفي بهذه الإشارة. فالخلاصة أن القدرة كما قال: الصفة التي تتعلق بالممكنات إيجادا وإعداما، ولم تتعلق بالمستحيل والواجب؛ لأن القدرة ليس لها مجال للتعلق بالواجب والمستحيل، وليس هذا لأجل نقص في القدرة. وفرق بين المعنيين كبير ينبغي أن ينتبه له. قال رحمه الله: «فكل ما كان ووقع من الكائنات واقع بمشيئته وقدرته»، كما في الحديث: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن». وتقدم معنا أن هذا الحديث لا يصح من جهة السند، ومعناه صحيح، يعني تؤيده عموم نصوص الكتاب والسنة. قال: «وأما قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ الآية، فقد نزلت في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين حلف لا ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان ممن خاضوا بالإفك، وكانت أمه مسطح بنت خالة أبي بكر، فلما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: «والله إني لا أحب أن يغفر الله لي»، ووصل مسطحا. والحديث أصله في الصحيحين بقصة الإفك المشهورة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، كما أشار المعلق بذلك، وقد ذكره شيخنا رحمه الله بطرقه في «الصحيح المسند من أسباب النزول». وقوله: «وليعفو» فهنا قوله: «وليعفو» أي كما مر معنا ليتجاوز، وليصفح، وغيره من المعاني الأربعة المتقدمة. والعفو الممدوح هو الذي يكون به الإصلاح، وليس العفو الذي يكون به الإفساد، فالعفو عن الظالم ليس من الممدوح إذا لم يتب من ظلمه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، إذن لا يكفي العفو من دون حصول إصلاح، إذا كان العفو يكون بإفساد، فإن الله لا يحب الفساد ولا يرضى عن الفساد، وهذا من العفو المذموم، كالعفو عن المجرمين والمفسدين في الأرض، فهؤلاء لا يعفى عنهم. ولهذا قال الله عز وجل في حق المفسدين في الأرض: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ لماذا؟ لأنه إذا قدرت عليه وقال: «تبت»، ففي توبته شك، فلذلك لا يعفى عنه، بل يقام عليه حد الحرابة كما أمر الله عز وجل. فينبغي أن ننتبه لهذا، العفو ممدوح في شرع الله إذا كان على وجه الإصلاح. وقوله: «وليصفح» الصفح مأخوذ من الإعراض وعدم ذكر المؤاخذة، قالوا: إنه مأخوذ من «صفحة العنق» إذا أعرض، يعني كأنه لم يلتفت إلى أن يؤاخذه على تلك المؤاخذة، فضلا أن يتكلم معه أو يلومه أو يؤاخذه. وهم أخذوا من «صفحة العنق» إذا لواها، يعني خلاص انتهى عن ذاك الذي وقع وأعرض والتفت إلى شيء آخر، كأنه لم يكن شيء، وهذا مبالغة في تحقيق العفو، مبالغة في تحقيق العفو حسا ومعنى وقولا وفعلا، والمقصود هو حصول العفو على أكمل الوجوه.