شرح العقيدة الواسطية للهراس 84

شرح العقيدة الواسطية للهراس 84

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 84، الدرس الرابع والثمانون:من( وإلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ... بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وسطية أهل السنة والجماعة في الاعتقاد

يتم التأكيد على وسطية أهل السنة والجماعة في مسائل الاعتقاد، مع شرح لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول الإيمان بصفات الله كما وردت في السنة الصحيحة دون تحريف أو تعطيل.

معنى الوسطية في الإسلام وتطبيقها

يشرح معنى كون الأمة الإسلامية وسطًا، ويوضح أن الوسطية ليست مجرد توسط بين طرفين بل توافق ما جاء به الشرع، مع بيان أن الغلو والتفريط مذمومان.

تطبيقات الوسطية في أمور الدين والعائلة

يتم مناقشة وسطية الإسلام في مسائل مختلفة، بما في ذلك مسائل النفقة في الحمل ومسؤولية الزوجين في الإنجاب، مع التركيز على تحمل المسؤوليات وفقًا للقدر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: وإلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم». أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل والمقطع من كلامه كالخاتمة، وكذلك المدخل خاتمة لما سبق من ذكر ما ذكر من الأحاديث، وأن ما ذكره هو مثال وليس حصرًا واستقصاء. ولهذا قال: «لأمثال هذه الأحاديث»، يعني مما فيه إثبات مسائل الصفات والأسماء لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي كثيرة. ومر معنا بعضها فيما تقدم في مبحث القرآن مما لم يذكره في هذا الموضع، وبعض آخر كثير لم يذكر في هذا الكتاب، لكن ذكره العلماء في كتب السنة وبوّب له أبوابًا وكتبًا. فالإمام البخاري على سبيل المثال ذكر في كتاب التوحيد في آخر صحيحه شيئًا كثيرًا من هذا الباب، وهكذا غيره من الأئمة. وقد جعل أبوابًا، وغيره من الأئمة أبوابًا في الرد على الجهمية، وفيها مباحث الصفات وغيرها. وهكذا جعله مدخلًا لما سيأتي من ذكر مسائل وسطية أهل السنة بين أهل البدع والضلال في عدد من المباحث في الاعتقاد؛ لأن هذه الرسالة هي العقيدة، كما سمعنا وقرأنا في أولها: العقيدة الواسطية. ففيها خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة، ولهذا ناسب أن يذكر وسطية أهل السنة في عدد من المسائل في الاعتقاد كما سيأتي إن شاء الله. قال الشارح رحمه الله: «قوله: إلى أمثال هذه الأحاديث إلى آخره». قال: «لما كان ما ذكره المؤلف من الأحاديث ليس كل ما ورد في باب الصفات من الأخبار، نبه على أن أمثال هذه الأحاديث التي ذكرها مما يخبر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، فإن حكمه كذلك، وهو وجوب الإيمان بما يتضمنه من أسماء الله وصفاته، يعني من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يثبت إثبات وجود لا إثبات تكييف، ولا كذلك تعطيل أو تحريف». قال: «ثم عاد فأكد معتقد أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يؤمنون بما وردت به السنة الصحيحة من صفات، يعني لله عز وجل، كإيمانهم بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل». وقوله: «كإيمان بما أخبر الله به في كتابه» هو قوله: «كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه». فأهل الحق وأهل السنة والجماعة لا يفرقون بين الإيمان بما ثبت بدليل القرآن أو ما ثبت بدليل السنة؛ لأن الكلام على المدلول، ليس على عين الدليل. فما دل عليه دليل القرآن، وما دل عليه دليل السنة بعد صحتها هو مدلول واحد، ولهذا فلا فرق، بل يجب الإيمان به جميعًا. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، ومعنى «وسطًا» عدولًا خيارًا، كما ورد الحديث بذلك. وهو يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مرفوعًا في تفسير الآية: أي أمة وسطًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والوسط العدل، والوسط العدل». فإذا قوله «وسطًا» أي عدولًا خيارًا، عدولًا خيارًا. لكن ليس لفظ «الخيار» ورد في الحديث، ولكن معناه ورد. وأما ما أشار إليه المعلِّق من أنه رواه البخاري والترمذي إلى آخره، ليس في هذه المواضع التي أشار إليها. قوله: «عدولًا خيارًا»، فلفظة «خيار» ليست موجودة، لكن جاء عن أبي سعيد مرفوعًا عند الترمذي في لفظ: «الوسط العدل الخيار». وهذه الإحالة ذكرت في بعض نسخ الترمذي، بينما في تحفة الأشراف ليست موجودة هذه اللفظة، يعني لفظة «العدل الخيار». وسواء ثبتت أو لم تثبت، فمعناها صحيح، يدل عليها عمومات كثيرة من الكتاب ومن السنة. قال رحمه الله: «فهذه الأمة وسط بين الأمم التي تجنح إلى الغلو الضار، والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك في كل شيء، هذه الأمة وسط». ولكن هذا الوسط كما تقدم في دروس أخرى سابقة: أنه ليس معناه ما كان وسطًا بين أعلى وأسفل، أو بين شدة وخفة، وبين تساهل وتشديد، لا ليس هذا المقصود. بل مراد بالوسط ها هنا الوسط بما وافق الشرع. قد يكون هذا الوسط القتل، فقتل القاتل وسط بين من يقضي بقتل غير القاتل، هذا جور وظلم، وبين من يرى أنه لا يجوز أن يقتل القاتل، أي قاتل العم، بل ينتقل إلى غيره، وهذا خطأ. وهكذا مثله كذلك في أشياء أخرى كثيرة، قد يظن الظان أن الوسط هو ما كان بين أمرين، مثل ما يفعل بعض العامة إذا قيل له: الدخان حرام، أو قيل له: القاتل لا يجوز وهو حرام بقول أكثر أهل العلم، قال: لا الدين وسط، كيف يعني وسط؟ قال: ناس قالوا حرام، وناس قالوا لا بأس به، لكن نحن نقول مكروه، نقول مكروه. من أين لك أنه مكروه؟ قال: هكذا الدين وسط. وهل معنى الدين وسط إذن الخمر مكروه؟ ها على قاعدته يصير الخمر مكروه، والخنزير مكروه، ما في شيء حرام، إنما كل شيء فقط وسط على قاعدته الفاسدة. بل الوسط هو ما وافق الشرع، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وهذا هو الوسط. قال رحمه الله: «فإن من الأمم من غلا في المخلوقين وجعل لهم من صفات الخالق وحقوقه ما جعل، كالنصارى الذين غلوا في المسيح والرهبان، يعني فعبدوهم من دون الله، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وهكذا الرهبان اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح بن مريم». قال: «منهم من جفى الأنبياء واتباعهم حتى قتلهم ورد دعوتهم، كاليهود الذين قتلوا زكريا ويحيى، وحاولوا قتل المسيح، ورموه بالبهتان، بل كانوا سببًا في موت نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات من أثر السم الذي وضعته اليهودية. وقد قال كما في حديث عائشة وغيره: «لا زال أجد أثر السم»، أي التي وضعتها اليهودية. فقال: «أجد انقطاع أبهري»، والأبهر الوريد الكبير الذي يكون في الصدر، ومنه يتدفق الدم. ولهذا قالوا: أكرم الله عز وجل نبيه وخليله صلى الله عليه وسلم مع منزلة النبوة والرسالة والخلة بمنزلة الشهادة. لكن جعل تكرمة وآية من آيات نبوته ودليل رسالته: أنه لم يمت من السم مباشرة، بل نجاه الله عز وجل سنين، ومات من أكل معه من الصحابة، وذلك ليظهر لليهود وغيرهم أن الله نجاه بإذن الله، وأراد أن يكتب له الشهادة في وقت وفاته بإذن الله سبحانه وتعالى. الشاهد أن اليهود هذا كان صنيعهم مع الأنبياء والصالحين، وذلك صنيع النصارى، فهؤلاء كلما جاءهم رسول قتلوا وعادوا، وأولئك غلوا فيه وعبدوا. قالوا: أما هذه الأمة فقد آمنت بكل رسول أرسله الله، واعتقدت رسالتهم، وعرفت لهم مقاماتهم الرفيعة التي فضلهم الله بها. ومن الأمم أيضًا من استحلت كل خبيث وطيب، ومنها من حرم الطيبات غلوًا ومجاوزة. ودين الله وسط بين الغالي والجافي، لكن وسط كما قلنا بما يوافق الشرع. قالوا: أما هذه الأمة فقد أحل الله لها الطيبات، وحرم عليها الخبائث. ومعرفة الخبائث بالشرع والعرف والتجربة. فما دل دليل الشرع أنه خبيث فهو خبيث، ولو زعم الناس كلهم أنه طيب فإنه خبيث. وما دل الشرع أنه طيب فهو طيب، وإن زعم الناس أنه خبيث. وما لم يدل عليه الشرع فسكت عنه، فيرجع به إلى العرف والتجربة. فما ثبت بالعرف والتجربة أنه خبيث فهو خبيث، وما ثبت أنه طيب فهو طيب. وبهذا يزول الإشكال في أشياء كثيرة من المطعومات والمشروبات، وهكذا كذلك الملبوسات التي يشك في لبسها. أن الطيب يلحق بالطيب، والخبيث بالخبيث. قال: إلى غير ذلك من الأمور التي منّ الله على هذه الأمة الكاملة بالتوسط فيها. فكذلك أهل السنة والجماعة متوسطون بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم. وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه الوسطية، وسطية أهل السنة بين فرق أهل البدع في عدد من المسائل. إلى هنا والله تعالى. أخي سأل يقول: ذكرت في الدرس الحمل الطبيعي، ما المراد بالطبيعي؟ المراد كما يفهم من سياق الكلام: أنه الحمل الذي ليس فيه شيء من المتاعب على المرأة، يعني الذي يجري على أكثر طبيعة النساء، وما فطر عليه أكثر النساء، فهذا يكون لها نفقة المثل. وما كان على خلاف الطبيعي مما فيه متاعب، فيزداد في النفقة، تزداد النفقة فيه. فمثلًا بعض النساء كما يقال يحتاج لها تثبيت، تعرفون بعض الحمل يحتاج إلى تثبيت، تبقى المرأة إلى الشهر السادس أو السابع، وأحيانًا إلى التاسع، وهي طريحة الفراش لا تقوم منه، ثم تعطى عددًا من الأدوية وغيرها، والعناية الخاصة. وهذا كله يحتاج إلى زيادة نفقة، هذه النفقة على الزوج. فإن قيل: ما ذنب الزوج؟ فيقال: شيء قدره الله عليه. كما أنه يقال بالمثل: ما ذنب المرأة أن تتحمل هذا العناء، وأن تبقى على الفراش تسعة أشهر؟ فهي تأخذ نصيبها بقضاء الله وقدره، وهو يأخذ نصيبه بقضاء الله وقدره، والله أعلم.