تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

كشف مكر المنافقين وبيان الرزاق الحقيقي

تتناول الآيات الكريمة مكر المنافقين وادعاءهم بأنهم لا ينفقون على المهاجرين، بينما يؤكد الله عز وجل أنه الرازق الحقيقي للجميع. يُظهر المفسر معاني الآيات ويشرح دلالاتها.

تفسير معنى الرزق والفقه في الإيمان

يفسر المقطع معنى الرزق والرازق، ويبين أن الله هو الرازق الحقيقي، ويتحدث عن المنافقين وعدم فهمهم للإيمان، مشيرًا إلى أهمية الفقه والعمل بالعلم.

تحليل أسباب النفاق وخطورة حب الدنيا

يتناول المقطع أسباب النفاق، حيث يبرز أن حب الدنيا والرئاسة من الأسباب الرئيسية للنفاق، ويوضح أن العزة لله ورسوله والمؤمنين، وأن المنافقين يفتقرون إلى العلم الحقيقي.

ختام الحديث عن العذاب وعلم الله تعالى

يشير المقطع إلى أن العذاب في الدنيا هو بداية لعذاب أشد في الآخرة، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ۝ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال المفسر رحمه الله: هم الذين يقولون لأصحابهم من الأنصار لا تنفقوا على من عند رسول الله من المهاجرين حتى ينفضوا، يتفرقوا عنه، ولله خزائن السماوات والأرض بالرزق، فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم، ولكن المنافقين لا يفقهون. يقولون: لئن رجعنا -أي من غزوة بني المصطلق- إلى المدينة ليخرجن الأعز -عنوا به أنفسهم- منها الأذل -عنوا به المؤمنين-، ولله العزة الغلبة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات المليئة بالعضى والعبر، والتي فيها فضح المنافقين وما كانوا عليه من الأذية والخداع والمكر بالمؤمنين. ففي هذه الآيات يخبر الله عز وجل عن بعض ما قاله أهل النفاق، ففضحهم الله في هذه الآية. فقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أي هؤلاء المنافقون قال لأصحابه من الأنصار، والمقولة قيلت بين المنافقين وسمع ذلك بعض الأنصار، وإلا فالأنصار لا يقبلوا بمثل هذا الكلام؛ لأن في هذا أذية للمؤمنين ولرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا فالصحيح أن يقال: هم الذين يقولون -أي الذين قالوا هذه المقالة المنافقون- ولم يقولوها لرضى الأنصار، وإنما قالوها فيما بينهم، فسمع بذلك بعض الأنصار. وفي حديث البخاري الذي مر معنا وأشار إليه بالتعليق مرة أخرى: حديث زيد بن أرقم أنه سمع عبد الله بن أبي يقول هذه المقالة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فلامه بعض الأنصار، فدعى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي فحلف أنه ما قال ذلك. قال: فرجعت إلى البيت مهموما مغموما حتى نمت، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: «إن الله قد صدقك -أو صدقك- وتل عليه ما نزل من آيات في سورة المنافقين». وقوله في هذه الآية سبحانه وتعالى عن هؤلاء: أنهم قالوا: «لا تنفقوا على من عند رسول الله». قال المفسر: يريدون المهاجرين -أو قال من المهاجرين- وهذا من التفسير ببعض المعنى؛ فهم كانوا في غزو، ومرادهم لا تنفقوا على المهاجرين، وعلى ما كان يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنفاق، ومن ذلك ما كان يدعو إليه من التعاون في باب الغزوات وغيرها حتى ينفض -قال: يتفرق عنه-. وهذا كذلك تقريب للمعنى؛ فينفض ليس فقط يتفرق، بل المقصود التنفير؛ فإن ينفض معناه الإزالة بشيء من القوة، فأنت حين تنفض ثوبك معناه أنك تزيل ما يعلق به بقوة ونحو ذلك. والمراد طرد وإبعاد المهاجرين، وكل ما يكون فيه معنى من قرب الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال رحمه الله: بالرزق، فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم. وفي نسخة -كما أشار هو-: الرزاق، وهذا أفضل؛ لأنها أبلغ، فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وكل الأمرين قد جاء، لكن الرزاق أبلغ من الرازق. فمر معنا في آية سورة الجمعة: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ معناه أن الله هو من يرزق ممن يرزق؛ فالرزق يرجع اهتداء إلى الله سبحانه وتعالى، فالخير كله منه، وليس معناه أن هناك من يرزق مع الله، ولكن معناه أن الله عز وجل هو الرازق وحده، وأن ما وجد عندكم مما فيه معنى الرزق فرزقهم من الله. ومن ينفق ومن ينفق على أسرته فيه معنى الرزق النسبي؛ من يأخذ أجرته من جهة كبيرة أو صغيرة، فهذا السبب للرزق، ولكنه نسبي، والذي رزق هؤلاء كلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ فهو خير الرازقين. والله سبحانه وتعالى هو الرزاق ذو القوة المتين كذلك؛ فهو سبحانه رزاق مبالغ في الرزق، فرزقه ليس يعد ولا يحصى؛ لأن خزائن السماوات والأرض وما هو أعظم من ذلك مما علمناه وما لا نعلمه كله بيد الله سبحانه وتعالى. ومن كان بيده خزائن السماوات والأرض وما فوقها وأكثر منها فهو الرزاق الحقيقي سبحانه وتعالى الذي بيده الرزق كله. فإذا كان كذلك فلا تخشى الفقر، ولا تخاف من المستقبل التجئ إلى الله؛ فالله سبحانه وتعالى سيعطيك من واسع فضله وعطائه. وهكذا ها هنا والمعنى: ليست مقولة المنافقين هذه تضركم شيئا، وهي كذلك عظة لهؤلاء المنافقين ومن يخاف منهم؛ أنه لا ينبغي أن يخاف من مثل هؤلاء وتهديداتهم، وهو وعيد. وكذلك تهديد للمنافقين، ولهذا ختمت الآية بقول سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾. وكما تقدم معنا: قد يعلم الإنسان ولكنه لا يعمل بعلمه، فيسمى عدم العمل بالعلم عدم الفقه، وهذا من هذا الباب، وإلا فإن أهل النفاق علموا، وقد وصف الله عز وجل نفسه فآيات مكية كثيرة وسمعها هؤلاء أهل النفاق من أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، ومع ذلك يقولون مثل هذه العبارات. ولا يقول ذلك مؤمن أو عرف الإيمان، حتى لو لم يكن مؤمن؛ لكن لأن هؤلاء لم ينتفعوا بما علموا من العلم فهم لا يفقهون. وهكذا يقال لكل من لم ينتفع ولم يعمل بعلمه بأنه لا يفقه؛ فالفقه فقهان: فقه العلم وفقه العمل، ومن كمل فقهه هو من كمل علمه عمله. ولهذا لا يصح أن يقال لمن علم المعلومات ولم يعمل بها أنه ماذا فقه؟ بل الفقه الذي علم وعمل؛ فليس الشأن كل الشأن أن تعلم، ولكن الشأن كل الشأن أن تعلم وتعمل بما تعلم. ولهذا وصف أهل النفاق ومن شابههم من أهل النفاق العملي بأنهم لا يفقهون. وقول سبحانه: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا﴾ قال: أي من غزوة بني المصطلق، والحادثة وقعت فيها إلى المدينة ليخرجن الأعز -قال: عنوا به أنفسهم- والمتكلم هو عبد الله بن أبي؛ فهو يريد نفسه خاصة ومن يوافقه على قوله، ولا يوافقه على قوله إلا أهل النفاق. فقول المؤلف رحمه الله: من التفسير بالثمر، وإلا في القائل الواحد، ولكنه يتكلم بإسم من؟ بإسم جماعة يدعي أنهم على هذا، وهو يدعي أن الأنصار جميعا على هذا؛ لأنه كان سيدا يرجو السيادة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو سبب نفاقه وتحامله على المسلمين وعلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رأى أن الملك الذي كان يرجوه قد زال. وفيه خطر حب الدنيا؛ فإن من أسباب النفاق حب الدنيا؛ لما كان يرجو الرئاسة والزعامة ففاتته الرئاسة والزعامة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ومجيه إلى المدينة، فشابه اليهود؛ اليهود كانوا يرجون أن تكون الرسالة فيهم والقيادة لأهل الأرض منهم، ولما لم تكن الرسالة فيهم بل كانت في العرب رأوا أنه فاتهم، وهذا الذي منعهم أو هذا أحد الأسباب التي منعتهم من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك عبد الله بن أبي؛ فإنه كان حريصا على أن يكون ملك المدينة له، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة اجتمع الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يأتمرون بأمره ويتبعون قوله، فجعل ذلك سببا في قلبه من الحقد والعداوة والنفاق الذي صدر منه. ولهذا هو يتكلم بإسم الأنصار، ولكن الأنصار لا يوافقونه على ما يقول، وإن كان بعضهم يجعل له من الاحترام والتقدير ما غلبوا حسن الظن. ومن قرأ في بعض الأحاديث والسيرة وما وقع بين المهاجرين والأنصار وبعض الأنصار فيما بينهم فإنه يعرف السبب؛ فإن السبب هو هذا. وقوله: ﴿مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ قال: عنوا به المؤمنين، وهذا كذلك ليس المنصوص عليه؛ لأنه في الحديث عن به النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا زيادة في الكفر والنفاق كونه ينص على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو زيادة في الكفر والنفاق والبغض والعداوة. ودخل المؤمنون مع النبي صلى الله عليه وسلم تبعا، وإلا فلفظه كان في النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ قال: الغلبة، وهذا كذلك من التفسير بالثمر وبعض المعنى؛ فالعزة أوسع وأعظم من الغلبة؛ فإن الله عز وجل هو الذي يعز أهل الإيمان والطاعة. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بماذا؟ بالغلبة والتمكين والنصر وقوة الحجة والبرهان وطيب الحياة وكرامتها وغير ذلك من المعاني التي تدخل في معنى العزة؛ فهي لا تنحصر في الغلبة فقط؛ فهو تفسير ببعض المعنى. وقوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كما تقدم معنا: نفي العلم ليس لأجل عدم العلم بالكلية، ولكن لعدم العمل بالعلم؛ فمن لم يعمل بعلمه وصف بأنه لا يعلم؛ لأن العلم الحقيقي هو الجمع بين العلم والعمل. فأهل النفاق يعلمون أن العزة لله، ولكن لما فعلوا ما ينافي هذا العلم وصفوا بعدم العلم؛ كما أن من علم بجرب المعصية وفعلها سمي جاهلا؛ ليس لأنه جاهل بأن هذه معصية، ولكن لأنه جاهل بعاقبة هذه المعصية. كما قال الله عز وجل: «إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة»، كيف بجهالة؟ والله يعاقبهم ويعاتبهم؛ المراد بالجهالة هنا جهالة عاقبة هذا العمل السيء. ولهذا قال بعدها: «ثم يتوبون من قريب». فالعلم الحقيقي هو الجمع بين العلم والعمل، ومن لم يجمع بين العلم والعمل فهو جاهل؛ إما جاهل بالعلم أو جاهل بالعمل، وعظيم عاقبة تركه. وهذا الذي وقع من المنافقين، وهذا هو معنى قوله سبحانه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون تمام العلم وكماله، ومن ذلك عظيم عاقبة من لم يعمل بالعلم. ولهذا كان من أعظم عاجل عقوبة الله عز وجل أن فضحهم بالدنيا وأذلهم وأظهر لهم الصغار بما كان من موقفهم المشين، وقولهم الذليل الذي جعلهم يحلفون الأيمان أنهم ما قالوا هذا الكلام. وهذا في الدنيا، وفي الآخرة أشد. نكتفي بهذا القدر إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.