تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف سورة المنافقون وسبب نزولها

سورة المنافقون مدنية، نزلت بسبب احتياج الكفار لإظهار الإسلام. تتحدث عن صفات المنافقين.

تفسير الآيات المتعلقة بالمنافقين وصفاتهم

المنافقون يكذبون في إظهار الإيمان، ويستخدمونه كوسيلة لحماية أنفسهم وأموالهم. الآيات توضح صفاتهم وكفرهم الخفي.

عاقبة المنافقين ومكرهم

المنافقون يفقدون السيطرة على أنفسهم، ويُجازون على مكرهم. أفعالهم تتناقض مع العقل، ويظهر الله مكرهم.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال المفسر رحمه الله: سورة المنافقون مدنية، إحدى عشرة آية. بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، قالوا بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم: «نشهد إنك لرسول الله»، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد -يعلم- إن المنافقين لكاذبون فيما أضمروه، مخالفًا لما قالوه. اتخذوا أيمانهم جنة -سترة على أموالهم ودمائهم-، فصدوا بها عن سبيل الله -أي عن الجهاد- فيهم، إنهم ساء ما كانوا يعملون. ذلك -أي سوء عملهم- بأنهم آمنوا باللسان، ثم كفروا بالقلب -أي استمروا على كفرهم به-، فطبع -ختم- على قلوبهم بالكفر، فهم لا يفقهون الإيمان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه سورة المنافقون، سورة عظيمة مدنية، كما ذكر رحمه الله، فقد نزلت في المدينة، ولم يكن أهل النفاق إلا في المدينة؛ لأن مكة كان أهل الإسلام في امتحان وابتلاء وضعف، فلم يكن هناك من يحتاج أن يستر كفره. وأما لما قوي أهل الإيمان في المدينة، احتاج بعض من كان كافرًا أن يستر بالإيمان ويظهر الإسلام، وحقيقته الكفر والعداوة. وجاءت هذه السورة تبين شيئًا من صفاتهم، وتفضح ما كان من حالهم، سورة عظيمة حتى سماها بعض السلف «الفاضحة» -أي التي فضحت المنافقين وكشفت ما يخفونه ويبطنونه-. وأهل النفاق درجات، كما أنهم في النار دركات، والنفاق نفسه نفاقان: نفاق اعتقادي، وهو المقصود في هذه السورة، وأهله هم المذكورون، ونفاق عملي، وهو من شابه المنافقين في بعض صفاتهم، فإنه فيه خصلة من خصال النفاق، كما سيأتي معنا إن شاء الله. ويقال: «سورة المنافقون» على الحكاية، وهو على خلاف قواعد اللغة، وإلا فالأصل المضاف إليه يكون بالياء في هذا الموضع: «سورة المنافقين». ولكن ليس الأمر كذلك؛ تأدبًا وتعظيمًا مع كلام الله، حكي اللفظ حكاية على ما ذكر في الآية، وما أريد به، وما سمي به، فقيل: «سورة المنافقون» على الحكاية. وقوله رحمه الله في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا﴾، قال: بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم، يعني هذا القول ادعاء باللسان: «نشهد إنك لرسول الله»، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد -قال- يعلم، وهذا من التفسير ببعض المعنى؛ فالشهادة فوق العلم، وهو إظهار هذا العلم على وجه اليقين. وقوله: بألسنتهم «نشهد»، يشير رحمه الله إلى أن هذا على ظاهره، ليس فيه مجاز، كما قال بعض أهل التفسير واللغة، بل هم ادعوا ذلك، زعموا أنهم يشهدون بأن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، والواقع أنهم يكذبون ذلك، فهذا قول اللسان، فهي حكاية لفظهم، فليس فيه شيء من المجاز. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، قال: فيما أضمروه، مخالفًا لما قالوه، يعني أن الله عز وجل فضحهم، وأخبرنا في هذه الآية بأنهم يبطنون خلاف ما يدعون بألسنتهم. وقد جاء في سبب نزولها، كما جاء بالبخاري عن زيد بن أرقم -وأشار إليه في التعليق- أنه قال: كنت في غزوة، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا» الحديث. فلما بلغ ذلك -أي أن هذا المنافق أظهر ما في قلبه- فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فأنكر ذلك، فحلفه، فحلف -أي كذبًا وزورًا-. قال زيد بن أرقم: فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت -يعني بسبب أن الرجل حلف اليمين فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم بيمينه-، وبقي هو مهمومًا، كأنه يظن -رضي الله عنه أرضاه- أن الناس سيسيئون الظن به، وأنه قد افترى على الرجل أو نحو ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في سورة المنافقين، هذه ما فيها إظهار كذب هذا المنافق، وفضحهم فيما يدعون، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم أول سورة المنافقين، وقال: «إن الله قد صدقك يا زيد»، فهذه السورة فضحت المنافقين، ومن أول الآيات فيها بيان ذلك. وقوله رحمه الله تعالى بتفسير قوله جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾، قال: سترة على أموالهم ودمائهم، يعني استتروا بهذه الأيمان -هذه الأيمان الحلف- استتروا بها. والمعنى أنهم يكذبون ويدعون الإيمان ليحفظوا أموالهم ودماءهم؛ ولأنهم لا يريدون دخولًا في الإسلام حقيقة. ولفظة «جنة» كما تقدم معنا يفيد ثلاثة أشياء: الستر، والوقاية، وكذلك الرعاية والتنعم. والمعنى أنهم اتخذوا هذه الأيمان ليستتروا، وليحموا أنفسهم، ولينعموا بما ينعم به أهل الإسلام في هذا اليمين الكاذب. وقوله سبحانه: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال: بها -أي بهذه الأيمان الكاذبة-؛ لأنهم دخلوا في المسلمين وهم من أهل النفاق، فلذلك صاروا في الجهاد مثبتين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَانُوا فِيكُمْ أَذًى﴾ -يعني وجودهم شر-، وجودهم شر، فهذا وجه أنهم صدوا عن سبيل الله. ووجه آخر: صدوا عن سبيل الله بأنهم في الظاهر مع أهل الإيمان، وفي الباطن يصدون الناس عن الإيمان، ويحذرون من دين الله عز وجل. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: فعلهم هذا من أسوأ الأفعال، ولهذا كان جزاؤهم أسوأ الجزاء: «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار»، لعظيم وسوء عملهم، وهم في أسفل الدركات، كما كان عملهم أسوأ وأشقى الأعمال. وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، قال: أي سوء عملهم، ذلك العمل السيء الذي هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، والذي منه الأيمان الكاذبة، وهم لا يبالون باسم الله العظيم. وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، هذا خبر وحكاية على حالهم وادعائهم، ولهذا قال المفسر مختصرًا بقوله: «باللسان»، أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾، قال: «بالقلب»، وهذا هو حقيقة ما عندهم، وبه نعرف أن الشأن كل الشأن ليس بما يظهر في الأجساد والأقوال، ولكن ما وقر في القلب. كما جاء في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فإذا كان هناك إيمان في القلب، فلا تسأل عن الخير الذي يظهر في الأقوال والأفعال. ولذلك لا بد أن تجد لمن لم يكن عنده إيمان حقيقي أو صافي ما يبين ذلك في الأقوال والأفعال، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، فلحن القول هو مما يفضح ويبين ذاك الكذب الموجود في القلب. وهكذا كذلك حال المنافقين، فإنهم عندهم ما يدل ويبرهن على ذلك. وقوله سبحانه: ﴿فَطُبِعَ﴾، قال: «ختم»، والختم تفسير ببعض المعنى؛ فالطبع أشد من الختم، فإن الختم قد يزال، وأما الطبع فإنه يشق إزالته، فهو أشد من الختم. والمعنى أنهم تعمقوا في الضلال تعمقًا عظيمًا بالكفر والنفاق، حتى عملوا بالمثل، فطبع على قلوبهم بما كانوا قد طبعوا على أنفسهم من هذا الطبع السيء. وقوله: «على قلوبهم»، قال: «بالكفر»، يعني لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، فلما كان الزيغ بالكفر، طبع على قلوبهم بالكفر. قال: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾، قال: «الإيمان»، وهذا كذلك من التفسير ببعض المعنى؛ لأن المعنى أعم من أن يحصر في الإيمان، فهم لا يفقهون كل ما يتعلق بهذا الدين، وبنفاقهم فيه ومواقفهم. وإلا فلو فقهوا لما فعلوا؛ لأن هذا يفضحهم ويضرهم أكثر مما ينفعهم. ولكن الله عز وجل لما طبع على قلوبهم، جعلهم يتصرفون هذه التصرفات؛ فإنهم لا يملكون أنفسهم، فقد تمردت عليهم أنفسهم. وسيأتي معنا بعض ذلك في الآيات الآتية ما يدل ويبرهن أن أقوالهم وأفعالهم ينافي حال من عنده شيء من الفهم والإدراك. فإن أثر النفاق عطل الجوارح والعقل، فصار يتصرف تصرف المسخوط عليه المطبوع الذي تمردت عليه جوارحه. والجزاء من جنس العمل، كما قال سبحانه: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد، آله، صحبه، السلام.