جواهر البلاغة 20

جواهر البلاغة 20

الدرس في جواهر البلاغة 20، الدرس العشرون:من( علم المعاني ... أو هو الصورة الذهنية:من حيث تقصد من اللفظ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في علم المعاني والبلاغة

يُعرَّف علم المعاني بأنه علم يدرس أحوال اللفظ العربي لمطابقته لمقتضى الحال، والبلاغة هي موافقة الكلام لمقتضى الحال. علم البلاغة يفيد في فهم إعجاز القرآن.

خصائص القرآن الكريم وعلاقته بعلم المعاني

يتميز القرآن الكريم بألفاظه العذبة والسليمة التي تؤثر في النفوس، وعلم المعاني يهتم بدراسة هذه الألفاظ ومدى مطابقتها لمقتضى الحال. يُستمد علم المعاني من القرآن والحديث وكلام العرب.

تأكيد وتعزيز لتعريف علم المعاني

يُعرف علم المعاني على أنه علم يدرس أحوال اللفظ العربي لمطابقته لمقتضى الحال، وهذا التعريف مستمد من كلام القزويني. يُعد علم المعاني أحد أركان الكلام البليغ.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «علم المعاني». قال: «إن الكلام البليغ هو الذي يصوره المتكلم بصورة تناسب أحوال المخاطبين». وإذن لا بد لطالب البلاغة أن يدرس هذه الأحوال ويعرف ما يجب أن يصور به كلامه في كل حالة، فيجعل لكل مقام مقالا. فمعرفة الحال من مهمات علم البلاغة، وهو المتعلق بهذا النوع من علم البلاغة، وهو علم المعاني. قال: «فيجعل لكل مقام مقالة». وقد اتفق رجال البيان على تسمية العلم الذي تعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اقتضاء الحال باسم علم المعاني. وقد مر معنا فيما تقدم أن الكلام البليغ هو ما قام على أربعة أركان. ما هي هذه الأركان الأربعة؟ هاتيا: سلامة الألفاظ التي يتم منها التركيب، نعم. ثم اللفظ أولا، نعم. ثم التركيب، ثالثا: مطابقة الحال. بقي رابع: مطابقة الحال. والمكتبة هذا الثالث أو الرابع قبله شيء، نعم. ها عند من الملكة في النفس، لكن في نفس الكلام، ها هذا الأول التركيب واللفظ، نعم. موافقة الوضع، موافقة الوضع؛ لأنه قد يكون سليم اللفظ، سليم التركيب، موافق للمكتبة والحال، لكنه على غير ما وضع له، ها مثل: «بيته كثير الجرذان»، إذا قلت: «أنا في البيت»، في تعبير أريد به وصف البيت بغير النظافة، هذا ما هو كلام بليغ؛ لأنه خرج عن الوضع، خرج عن الوضع، نعم. قال: وقد اتفق رجال البيان على تسمية العلم الذي تعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اقتضاء الحال باسم علم المعاني. إذن علم المعاني يخوض في الركن الرابع من أركان حد البلاغة أو الكلام البليغ. قال: «تعريف علم المعاني وموضعه وواضعه أو موضوعه». إيش عندكم نسخة أخرى؟ ها الظاهر: «وموضوعه»، نعم. أما موضعه ما أظن، لكن موضوع وواضع هذا صوابه، نعم. قال: «أولا علم المعاني أصول وقواعد يعرف بها أحوال الكلام العربي التي يكون بها مطابقا لمقتضى الحال». وقد علمنا فيما سبق ما معنى المقتضى وموافقة هذا المقتضى للحال. قال: «بحيث يكون وفق الغرض الذي سيق له»، هذا معنى علم المعاني وأراده كالحد له. وقد عرفه القزويني رحمه الله في كتاب «الإيضاح»: «علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال». «علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال». وبهذا نعرف أن صور الكلام تختلف باختلاف الأحوال، نعم. وهناك ذكر بعض التعاريف وانتقدها رحمه الله، فمن أراد زيادة فائدة فليرجع إليه. فالخلاصة: هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال، وهذا أخصر وأحسن. قال: «فذكر ذكاء المخاطب حال تقتضي إيجاز القول كما تقدم معنا». فإذا أوجزت في خطابه وكان كلامك مطابقا لمقتضى الحال فهو بليغ. إذن قال: «وغباوته حال تقتضي الإطناب والإطالة»، بل كما قلنا قد يحتاج لتكرار. فأنت إذا كلمت صبيا فهمه بطيء ربما تكرر عليه وتطلب منه أن يعيد عليك ما كررت عليه، يعيد عليك ما كررت عليه. وليس هذا منافي للبلاغة؛ لأنه موافق لمقتضى الحال. فإذن ليست البلاغة دائما في الاختصار ولا دائما في التذييل والإطالة، ولكنها موافقة الكلام لمطابقة الحال. قال: «فإذا جاء كلامك في مخاطبته مطنبا -يعني مطولا- فهو مطابق لمقتضى الحال، ويكون كلامك في الحالين بليغا». وهذا مثله يقال في غيره، فالشكر يقتضي الإيجاز، والاعتذار يقتضي الإيجاز، والمدح يقتضي الإطناب، وهكذا. قال: «ولو أنك عكست لن تفت من كلامك صفة البلاغة»، يعني اختصرت للغبي وأطلت للذكي. طيب فربما ما يرضى يسمع منك إذا كلمت طفل يفهم منك وتعيد وتكرر عليه تجده ما يريد يسمع منك؛ لأنه فهم الكلام وصار الزائد لغوا. قال: «ثانيا وموضوعه اللفظ العربي من حيث إفادته المعاني الثواني». قال: «ومعاني ثوان». فالمعاني الأول هي مدلولات التركيب والألفاظ التي تسمى في علم النحو أصل المعنى. والمعاني الثواني والأغراض التي يساق لها الكلام، لذا قيل: «مقتضى الحال»، وهو المعنى الثاني؛ كرد الإنكار ودفع الشك مثلا. إذا قلنا: «إن زيدا قائم»، فالمعنى الأول هو القيام المؤكد، والمعنى الثاني هو رد الإنكار ودفع الشك بالتوكيد. قال: «ثالثا وفائدته معرفة إعجاز القرآن الكريم من جهة ما خصه الله به من جودة السبك». ومعنى جودة السبك: يعني ترابط الفقرات في القرآن، بخلاف غيره من كلام الناس شعرا ونثرا؛ فإنك تجد فيها فصولا ربما ليس فيها جودة سبك، ليس فيها جودة سبك. ولو وجد فيها فإنك لا تجده في نسق واحد من أوله لآخره، وهذا كثير في شعر العرب ونثرهم، بخلاف القرآن؛ فإنه فيه جودة سبك، وهذا من مميزات القرآن ومواضع فصاحته وبلاغته. فمواضع الإعجاز فيه في فصاحته وبيانه من أوجه كثيرة، من هذه الأوجه جودة السبك؛ يعني ترابط آياته وفواصله، مع طولها أحيانا. أحيانا تجد أكثر من مئتين آية، ومع ذلك ما تجد فيها أبدا ما ينافي جودة السبك، بل تجدها تسير في نسق وسبك قوي عظيم. قالوا: «حسن الوصف» كذلك من مواضع إعجاز القرآن حسن الوصف. وهذا كله ستعرفه في هذا العلم، فإذا عرفته تعرف معنى إعجاز القرآن، تعرف معنى إعجاز القرآن: كيف كان معجزا بوجود هذه الأوصاف التي تميز بها؛ يعني حسن الوصف، مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وبراعة التراكيب، براعة التراكيب في ألفاظها. كيف القصة الواحدة تورد بصور فيها زيادة معنى واختلاف لفظ، وهذا معجز. وكيف أنها تورد كذلك بفواصل تختلف بعضها عن بعض، فطه بحرف الألف المقصورة، ومريم بحرف الألف الممدودة، وهكذا القمر بحرف الراء، وغير ذلك. وأحيانا آيات طويلة، وأحيانا آيات قصيرة، براعة في التراكيب. وهذا لا يوجد له نظير في كلام العرب، فهو من السهل الممتنع: سهل لأنه من إمكان العرب، وممتنع؛ لأنهم من عند الله ما استطاعوا أن يأتوا بمثله. قال: «ولطف الإيجاز ليس إيجاز مخل وما اجتمع عليه من سهولة التركيب» كذلك، لكنه ممتنع، هو سهل في تركيبه؛ لأن مادته معروفة عند الجميع، لكنه ممتنع ما أحد يستطيع أن يأتي بمثله. قال: «وجزالة كلماته» كذلك، كلماته فيها معاني عظيمة، وكذلك تعابير على أفصح التعابير وأحسنها. فلم تستخدم كما مر معنا سقط كلام العرب، ولا سافله، كما لم يستخدم كذلك عاليه بما يبعد المعنى، بل كان فيه أفصح الكلام وأوسطه. قال: «وعذوبة ألفاظه وسلامتها». ألفاظه تجد فيها عذوبة، عذوبة من جهة اتساق التركيب، وحسن الوصف، ولطف الإيجاز، وجزالة المعاني، وحتى من جهة أوزانه؛ فللكلام وزنا، ويسميه بعض متأخري أهل العربية وبعض المعاصرين بنغماته. فإن له نغمات ليس لها نظير، هي تعطي هذه الألفاظ عذوبة، وهي عبارة عن قواعد تسير بنسق منضبط يوافق ما يكون به فصاحة البيان، واستجابة النفس للاستماع إليه. ولهذا تجد النفوس تميل إلى سماع القرآن إذا تلي أو قرأ، وترغب فيه وتشتهيه، وتهدأ وتسكن به. وقد ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقرأ القرآن لما منع أن يصلي في المسجد الحرام، والنبي عليه الصلاة والسلام فكان يصلي عند بيته، فيأتي إليه المشركون نساء وأطفال فيستمعون إلى قراءته لحسنها ولجمال ألفاظها. بل لما تلي عليه من نبي عليه الصلاة والسلام سورة سورة النجم، سجد المشركون لما كان من أخذ هذا القرآن لقلوبهم، وهم مشركون معاندون للنبي عليه الصلاة والسلام. ولم تثبت قصة الغرانيق، لكن أصل قصة السجود ثابتة. وغير هذا كثير مما يدل على هذا المعنى، حتى أثبت بعض الكفار المعاصرين أن للقرآن تأثيرا في تهدئة النفوس في السماع إليها، حتى ولو لم يعرف معناها؛ يعني يستحسن السامع لأوزانه، حتى ولو لم يفهم معنى، بمجرد تلاوته يعجبه هذا الذي يقال من دون أن يكون عارفا للمعنى، فكيف إذا عرف المعنى؟ وقد قرأت بحثا أنه يستخدم الآن قراءة القرآن وتسميعه لبعض المرضى في بعض المستشفيات في بلاد الكفر؛ لما وجدوا له من أثر في تهدئة النفوس وسكونها. قالوا: «عذوبة ألفاظه وسلامتها إلى غير ذلك من محاسنه التي أقعدت العرب عن مناهضته وحارت عقولهم أمام فصاحته وبلاغته، عجزوا أن يأتوا بمثله». قالوا: «الوقوف على أسرار البلاغة ثانيا من فوائده الوقوف على أسرار البلاغة والفصاحة في منثور كلام العرب ومنظومه؛ كي تحتدي حذوه وتنسج على منواله وتفرق بين جيد الكلام ورديئه». وهذا لا يمكن إلا بمعرفة هذه القواعد والضوابط التي سيأتي إن شاء الله ذكرها في هذا النوع من علوم البلاغة. قال: «رابعا وواضعه الشيخ عبد القادر الجرجاني المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة للهجرة». ومر الكلام في مقدمة الكتاب أن هذا العلم تدرج بمراحل، فقد وضع بعض المتقدمين بعض المواضيع من هذه العلوم، ومنها علم المعاني، ومنهم أولا ما تقدم: الجاحظ وأبو هلال العسكري، ولكنهم لم يستوعبوا، فأتى الجرجاني رحمه الله فاستوعب أكثر مباحث هذا العلم، ثم جاء من بعده فهذبوا ونسقوا إلى أن جاء القزويني فكان فيه من الاختصار مع الجمع لمن سبقه ما كان فيه إتقان مباحث هذا العلم. قال: «خامسا واستمداده من الكتاب الشريف والحديث النبوي وكلام العرب؛ يعني من أين أخذ؟ أخذ من هذه المواضع الثلاثة، فينظر مباحثه العملية، فأخرج منها قواعد، أخرج من مواضعه العملية قواعد، وهو ما سيأتي التنبيه عليها». قال: «وعلم أن المعاني جمع معنى، وهو في اللغة المقصود، وفي اصطلاح البيانيين هو التعبير باللفظ عما يتصوره الذهن، أو هو الصورة الذهنية من حيث تقصد من اللفظ». وكما تقدم في كلام القزويني: «أنه علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال». إلى هنا والله أعلم.