جواهر البلاغة  131

جواهر البلاغة 131

الدرس الحادي والثلاثون بعد المائة:من( المبحث الثالث:في تعريف المجاز العقلي وعلاقاته ...يؤثر عن بعض الأدباء في وصف رجل أنافي قوله:لست أدري أهو في أنفه أم أنفه فيه ).

تعريف المجاز العقلي وعلاقاته

يُعرَّف المجاز العقلي بإسناد الفعل إلى غير ما هو له، لعلاقة مع قرينة تمنع الإسناد الحقيقي. يتناول تعريف المجاز العقلي وعلاقاته المختلفة.

تفصيل أنواع المجاز العقلي وآراء العلماء حوله

يشرح المقطع آراء العلماء حول إسناد الفعل إلى غير فاعله، ويعدد أمثلة على إسناد الفعل إلى السبب أو المصدر أو المفعول. يبين أن هذا الإسناد يمكن أن يكون نتيجة حذف أو اختصار.

بلاغة المجاز المرسل والعقلي وأسلوبه في اللغة

يبرز المقطع بلاغة المجاز المرسل والعقلي في إيصال المعنى بإيجاز، ويشير إلى أهمية المهارة في اختيار العلاقة بين المعاني. يُعتبر هذا الأسلوب من أساليب اللغة الفصيحة.

وصف الأنف في اللغة العربية وأمثلة على ذلك

يتناول وصف الأنف في اللغة العربية، حيث يُستخدم تعبير "فلان أنف" لوصف الأنف الكبير. يُذكر مثال على وصف أحد الأدباء لرجل بأنفه الكبير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: المبحث الثالث في تعريف المجاز العقلي وعلاقاته. قال: المجاز العقلي هو إسناد الفعل أو ما في معناه من اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر إلى غير ما هو له في الظاهر من المتكلم، لعلاقة مع قرينة تمنع من أن يكون الإسناد إلى ما هو له. قوله -رحمه الله-: في تعريف المجاز العقلي وعلاقاته، هذا هو أحد قسيمي المجاز كما تقدم معنا، فالمجاز على من يقول به: مجاز لغوي أو مجاز عقلي. وعلمنا أن المجاز العقلي ما يكون فيه إسناد، ولكنه ليس إلى لفظه، وإنما إلى فعل أو ما في معناه. ولهذا بعضهم يسميه مجازًا حكميًا، أي: فيه حكم المجاز وإن لم يكن فيه لفظ معين. وقوله: هو إسناد، المراد بالإسناد هاهنا مطلق النسبة، سواء أكانت هذه النسبة إسنادية -كما هو أكثر علاقات المجاز فيما سيأتي معنا إن شاء الله- أو كانت هذه النسبة إضافية أو إيقاعية. فمثال -مثلا- النسبة الإسنادية ما سيأتي معنا من أمثلة كثيرة، ومنها قوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، فأسند الجري إلى الأنهار، بينما الأنهار هي أمكنة للماء أو للمياه، والجاري إنما هو الماء، فهنا نسبة إسنادية. وهذا أو هذه النسبة هي أكثر علاقات المجاز. وهناك نسبة إضافية، مثل أن يضاف إلى ملابس ما هو له، وبعضهم يجعل -مثلا- منه جري الأنهار، فرق بين أن تقول: الأنهار تجري، وبين أن تقول: جري الأنهار، فهنا فيه إضافة. وكذلك مكر الليل، فيه إضافة. وهكذا كذلك أن تكون النسبة إيقاعية، أي: بأن يوقع الفعل على الملابس ما هو له، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، وهكذا «نام ليلي»، فهنا فيه نسبة، لكنه من جهة الإيقاع. وقوله: هو إسناد الفعل أو ما في معناه، أي: ما في معنى الفعل، ثم فسره بقوله: من اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر، إلى غير ما هو له في الظاهر من المتكلم، لعلاقة مع قرينة تمنع من أن يكون الإسناد. والعلاقة سيأتي معنا أنواع من العلاقات. وعلمنا ما معنا العلاقة في الدرس أو في الدروس السابقة، فهي المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. وأما القرينة، فكما تقدم: قد تكون قرينة لفظية، وقد تكون غير ذلك. قال -رحمه الله-: أشهر علاقات المجاز العقلي. قال أولا: الإسناد إلى الزمان، نحو: «من سره زمن ساءته أزمان». قال: أسند الإساءة والسرور إلى الزمن، وهو لم يفعلهما، يعني: الإساءة والسرور، بل كانوا واقعين فيه على سبيل المجاز، يعني: أن الإساءة والسرور وقعا في الزمن، وليس أوقعها الزمن، فهنا وحصل الإسناد إلى الزمان. فإذا تأملنا المجاز هنا: عقلي أو حكمي، أي: على من يقول بالمجاز. وأما على القول الراجح وعدم القول بالمجاز، فهنا حصل اختصار وحدف، والاختصار والحدف له أصل في اللغة إذا دل عليه السياق. فالأصل: سر فلان ما وقع في الزمن مما تكون به السرور، وهكذا كذلك في الإساءة، فاختصر فقيل: سره زمن، وساءته أزمان. ونحوه: «نهاره صائم وليله قائم»، فنهاره صائم أسند الصيام إلى النهار، والحقيقة أن النهار وموضع وزمان الصيام، ولكن أصل الكلام: صام فلان طول نهاره، فاختصر فقيل: نهاره صائم؛ لأن السياق يفهم المعنى. ومثله: «ليله قائم»، وليس بهذا شيء من المجاز. قال الثاني: الإسناد إلى المكان، نحو: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، فقد أسند الجري إلى الأنهار، وهي أمكنة للمياه، وليست جارية، بل الجاري ماءها. وهذا واضح وظاهر؛ فالجاري هو الماء. فهؤلاء على من يقول بالمجاز جعل هذا من المجاز العقلي أو الحكمي، ليس المجاز في ألفاظ، وإنما بما يفهم من العقل وما يكون به الحكم؛ إذ حصل فيه إسناد شيء لغير ما هو له. والصواب أن يقال: بهذا كذلك حصل فيه شيء من الاختصار، فقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، يعني: ﴿وَجَعَلْنَا مِيَاهَ الْأَنْهَارِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، وحدث ما يُعلم معناه بالسياق كثير في اللغة. ومثله: «بيت ساكن» أو «بلدة هادئة»، فإنه في هذا المعنى. قال الثالث: الإسناد إلى السبب، نحو: «إني لمن معشر أفنى أوائلهم قيل الكمات ألا أين المحامون». قال: فقد نسب الإفناء إلى قول الشجعان: «هل من مبارز؟»، وليس ذلك القول بفاعل الله ومؤثر فيه، وإنما هو سبب فقط، فأسند إلى السبب. وهذا كذلك على من يقول بالمجاز نظر إلى إسناد شيء إلى غير ما هو له، وهو الإسناد إلى السبب، فجعله من المجاز العقلي أو الحكمي. وعلى القول الصحيح يكون السياق فيه شيء من الحدف والاختصار. قال الرابع: الإسناد إلى المصدر، كقول أبي فراس الحمداني: «سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر». قال: فقد أسند الجد إلى الجد، والمراد بالجد الفعل، والجد المصدر. قال: أي الاجتهاد، وهو ليس بفاعل الله، بل فاعله الجاد، يعني: كما سيأتي. قال: فأصله: جد الجاد جدًا، أي: اجتهد اجتهادًا، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد، وأسند الفعل إلى الجد. فجعل هذا على من يقول بالمجاز نوع من التجوز العقلي والحكمي. والصواب على القول الراجح: وعدم وجود المجاز: أن هذا مما حصل فيه حذف واختصار، وهذا سائغ في اللغة. فقوله: «جد جدهم»، أصله كما ذكر: «جد الجاد جدًا»، أي: سيذكرني قومي إذا وقعت بهم الشدائد. وفي الليلة الظلماء يفتقد القمر أو البدر، يعني: ما يعرف الناس فضل البدر إلا عند غيابه، وكذلك عند الشدة سيذكرني. قال الخامس: إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول، نحو: «سرني حديث الوامق»، والوامق: أي الحاب، فالمق المحبة، يعني: سرني حديث المحب. قال: فقد استعمل اسم الفاعل، وهو الوامق -أي المحب- بدل الموموق -أي المحبوب-. قال: أي المحبوب؛ فإن المراد: سررت بمحادثتي المحبوب. وهذا كذلك حصل فيه شيء من الحدف والاختصار، فعلى من يقول بالمجاز جعل مثل هذا من التجوز العقلي والحكمي. وعلى الصحيح في قول من يقول بعدم المجاز يقول: حصل هنا اختصار، وحدد أصل الكلام: «سرني أو سر سرني أو سرني محادثة المحبوب»، فلما أراد أن يختصر قال: «سرني حديث المحب». ولأن الحب أصلا متبادل، ففيه زيادة بلاغ ومعنى: أن الحب وقع من الجانبين، فكل منهما محب محبوب، ففيه تأكيد إثبات وقوع المحبة من الجانبين. ومنه: «ماء دافق» أي مدفوق، و«عيشة الرضية» أي مرضية، فهذه كذلك فيها هذا المعنى. وكذلك كما تقدم معنا: أنه يجوز تبادل صيغ أوزان الأفعال لتضمن بعضها معاني تزيد في البلاغ والبيان، فيقال -مثلا-: «فعال» وفيه معنى «مفعول»، وهكذا كذلك «فاعل» وفيه معنى «مفعول». قال السادس: إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل، نحو: «جعلت بيني وبينك حجابًا مستورًا»، أي ساترًا. عندنا سائر خطأ، صوابه ساترًا. قال: فقد جعل الحجاب مستورًا، مع أنه هو الساتر. وهذا كذلك على قول من يقول بالمجاز جعلوا هذا من التجوز؛ إذ أسند ما بني للمفعول إلى الفاعل. وعلى القول الصحيح يكون في هذا تبادل الصيغ التي يراد بها زيادة وإضافة المعنى، وهذا سائغ في اللغة، وهو كثير. ومنه -مثلا- قوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًا﴾ أي آتيًا. قال: تنبيهات. كما يكون هذا المجاز بالإسناد، يقع في النسبة الإضافية، نحو: «جري الأنهار» و«غراب البين» و«مكر الليل». فإذا فهمنا قوله في أول هذا المبحث: «هو إسناد الفعل» المراد مطلق الإسناد، مطلق النسبة، فتشمل النسبة الإسنادية أو الإضافية أو الإيقاعية. قال: فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز، علاقته المكانية. ونسبة البين إلى الغراب مجاز، علاقته السببية. ونسبة المكر إلى الليل مجاز، علاقته الزمانية. قال ثانيا: أو الفعل المبني الفاعل وإسم الفاعل إذا أسند إلى المفعول فالعلاقة المفعولية. والفعل المبني للمجهول وإسم المفعول إذا أسند إلى الفاعل فالعلاقة الفاعلية. يعني: هذه مثل القواعد حتى لا يلتبس عليك الأمر. قال: وإسم المفعول المستعمل في موضع اسم الفاعل مجاز، علاقته الفاعلية. وإسم الفاعل المستعمل في موضع اسم المفعول مجاز، علاقته المفعولية. قال: هذا المجاز مادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ، وطريق من طرق البيان لا يستغني عنها واحد منهما، يعني: من الشاعر والكاتب. وهذا على قول من يقول بالمجاز. وعلى من لا يقول بالمجاز: فهو أسلوب عربي فصيح، وهو استعمال تبادل صيغ الألفاظ، وكذلك الإسناد بما يزيد في البلاغ والفصاح والبيان أحيانا بالحدف، وأحيانا بتبادل أوزان الأفعال، وأحيانا بغير ذلك. ولهذا فحقيقة حصول الفصاح والبيان هو بتتبع عين ما استعمله الفصحاء والبلغاء، يعني: في الكيفية والوصف، وأن تبادل الألفاظ. وها هنا تنبيه مهم، وهو أن هذا النوع مما قيل فيه مجاز، سواء على قول من يقول بالمجاز أو على قول من يقول بعدم المجاز؛ لأنه في الحقيقة عبارة عن أسلوب عربي فصيح، ولكن اختلفت تسميته، سواء سمي مجازًا أو لم يسمى مجازًا. والصحيح أنه ليس بمجاز. فمما ينبه له ها هنا: أنه يفرق بين هذا المعنى، وهو ما قيل أنه مجاز عقلي، وبين ما تقدم مما قيل فيه مجاز لغوي. فالمجاز اللغوي الذي يتعلق بالالفاظ المفردة توقيفية، لا يجوز تعديها إلا بإذن من اللغة، بخلاف المجاز العقلي؛ فإنها ليست توقيفية. فمثلا التشبيه بالأسد للشجاعة على قول من يقول بالمجاز محصور بهذه العلاقة، وهي الشجاعة، فلا يصح أن يشبه إنسان بالأسد لمعنى آخر غير الشجاعة، مثل -مثلا- كبر الرأس أو الرائحة القبيحة كونه أبخر -مثلا- فيشبه بالأسد، فيقال: هذا التشبيه لم ترد به اللغة، فهذا الباب توقيفي. وأما العقلي -أي ما قيل أنه عقلي- فكما رأينا أمره واسع، فيجوز أن تتعدى الألفاظ محلها التي وردت بها بدون شرط التوقيف. لكن التوقيف فيه في كيفية استعمال هذه الألفاظ، يعني: مثل ما مر معنا: الإسناد بالسبب، والمزمن، والمكان، والمصدر، وما بني للفاعل إلى المفعول، وما بني للمفعول إلى الفاعل، ونحو ذلك، فبهذه الكيفية. أما أسماء الأفعال ونحو ذلك، فهذا ليس فيه التوقيف. قال -رحمه الله-: تطبيق على أشهر علاقات المجاز العام. قال: اذكر علاقات المجاز المرسل فيما يلي. طيب هذا نتركه؛ لأنه قد ذكر الإجابة فيها. قال: بلاغة المجاز المرسل والمجاز العقلي. قال: إذا تأملت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنها في الغالب تؤدي المعنى المقصود بإيجاز، فإذا قلت: «هزم القائد الجيش» أو «قرر المجلس كذا»، كان ذلك أوجز من أن تقول: «هزم جنود القائد الجيش» أو «قرر أهل المجلس كذا». ولا شك أن الإيجاز ضرب من ضروب البلاغة. ولكن كما تقدم الخلاف: هل يسمى هذا مجازًا، صرف اللفظ عن ظاهره؟ أو أنه أسلوب من أساليب اللغة الصحيح؟ الثاني كما تقدم؛ إذ لا وجود للمجاز لا في اللغة ولا في الشرع. قال: وهناك مظهر آخر للبلاغة في هذين المجازين، هو المهارة في تخير العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، بحيث يكون المجاز مصورًا أو مصورًا للمعنى المقصود خير تصوير، كما في إطلاق العين على الجاسوس، والأذن على سريع التأثر بالوشاية، فيقال: «فلان عين» و«فلان أذن»، يعني: سريع التأثر بالوشايات. قال: والخف والحافر على الجمال والخيل، لا سبق إلا في خف أو حافر. وهذا كله -على القول- فيه المجاز. والصحيح على القول الراجح: ليس هو من المجاز في شيء، بل هذا مما وردت به اللغة. فاللفظ الواحد قد يطلق على أكثر من معنى. وكذلك هو من باب ذكر البعض وإرادة الكل، والتنبيه على أنه عنده معنى هذا البعض، مثل العين للجاسوس، والأذن لسريع التأثر بالوشاية، وهكذا الخف للإبل أو الجمل، والحافر للخيل. قال: في المجاز المرسل، وكما في إسناد الشيء لسببه أو مكانه أو زمانه في المجاز العقلي. وكل هذا له جواب كما تقدم على القول الراجح، وهو عدم القول بالمجاز. قال: فإن البلاغة توجب أن يختار السبب القوي، والمكان والزمان المختصان، مثل: «نهاره صائم وليله قائم»، فهذا مناسب من جهة المعنى. قال: وإذا دققت النظر رأيت أن أغلب ضروب المجاز المرسل والمجاز العقلي لا تخل من مبالغة بديعة ذات أثر في جعل المجاز رائعًا خلابًا. فإن إطلاق الكل على الجزء مبالغة، ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما إذا قلت: «فلان فم»، تريد أنه شره يلتق كل شيء. قال: ونحو «فلان أنف» عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف، فتبالغ وتجعله كله أنفًا. ومما يؤثر عن بعض الأدباء في وصف رجل أنافي -أي عظيم الأنف- قوله: «لست أدري أهو في أنفه أم أنفه فيه». نعم.