الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 51، الدرس الحادي والخمسون : (أما الرقى المجهولة المعاني ... لا تعرف الحق وتنأى عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع أنواع الرقى غير المشروعة ويبين أنها تنقسم إلى شرك أكبر وشرك أصغر، حيث يشمل الشرك الأكبر الاستعانة بالجن والشياطين. الرقى المجهولة المعاني تعد من وسواس الشيطان.
يعتبر خلط الأذكار الشرعية بكلمات مجهولة محرمًا ومبطلًا للرقية، ويحذر من استخدام الرقى التي تشتمل على شرك أو كلمات غير معلومة. هذا الفعل يعد منهيًا عنه شرعًا.
يشدد على أهمية الاكتفاء بالرقى الثابتة في الكتاب والسنة وعدم تقييدها بعدد أو كيفية معينة بدون دليل شرعي. كما لا يجب إلزام الناس بما لم يرد به الكتاب أو السنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وفيه قد جاء الحديث أنه شرك بلا مرية، فاحذرنه. إذ كل من يقوله لا يدري، لعله يكون محض الكفر، أو هو من سحر اليهود مكتبس على العوام، لبسوه فالتبس. فحذرا ثم حذرا منه، لا تعرف الحق وتنأى عنه. هذه الأبيات توردها رحمه الله تعالى لبيان النوع الثاني من الرقى، وهي الرقى غير المشروعة. فأورد هذه الأبيات لبياني وتوضيحي وإيضاح هذا النوع من الرقى. فقال: أما الرقى المجهولة المعاني، فذاك وسواس من الشيطان. أي: كل الرقى المدعاة، أذكار تقال في العين أو في الحمى أو ما كان بمعناها، مما يقصد به الشفاء، فهي من وسواس الشيطان. أي: يزينه الشيطان للإنسان ليجعله سببا للعلاج والشفاء، وليس الأمر كذلك. وهذه الرقى المجهولة تنقسم إلى قسمين: منها ما هو شرك أكبر، ومنها ما هو من البدع والمحدثات، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه ذريعة للشرك الأكبر. فمثال الشرك الأكبر ما كان فيه نداء للجن والشياطين والاستعانة بهم، أو كذلك ما كان فيه ذكر بعض الطواغيت مما يعبد من دون الله عز وجل، كذكر بعض الأولياء وغيرهم الذين يستغاث بهم من دون الله عز وجل. فمثل هذه الرقى، رقى شركية، وشركها شرك أكبر؛ لأن طلب حصول النفع أو دفع الضر بغير الله عز وجل يعد من الشرك الأكبر. ومن هذه الرقى أن يسمى أسماء بعض الجن والشياطين، فيطلب منهم الشفاء، مثل ما يذكره بعض الكهنة والعرافين، فيأتون من الأسماء الغريبة: يا فقسوس، يا فحسوس، نحو ذلك من العبارات والكلمات التي يطلبون بها الشفاء. أو يذكرون كذلك أسماء أناس معروفين من الأولياء وغيرهم، ويطلبون ويرجون منهم الشفاء: يا عبد الروس، يا كذا، يا كذا، ونحو ذلك من العبارات التي تكرر مرتين أو ثلاثة أو خمس، وتخلط معها بعض الكلمات الأخرى. فهذا من الشرك الأكبر. وقد يكون من الشرك الأصغر، وهو أن تذكر أشياء مجهولة ليست معروفة المعاني. فمثل هذا ذريعة للشرك الأكبر، وهو من البدع والمحدثات. وهكذا كذلك منه أن يخلط الذكر الشرعي بالذكر غير الشرعي، كأن تخلط آيات من القرآن أو أدعية من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام ببعض الأشياء المجهولة. كأن تقرأ مثلا آية الكرسي، ثم يأتي بعدها بكلمات غير معروفة ومجهولة المعاني، أو كذلك بشيء من أدعيته عليه الصلاة والسلام والرقى المشروعة، كقوله: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما». ويخلط في وسط هذا الدعاء بعض الكلمات غير المعلومة والمجهولة. فهذا كذلك يبطل هذا الدعاء، ويصير هذه الرقية من الرقى المجهولة والمحرمة التي لا يجوز استخدامها، ولو كان فيها دعاء، ولو كان فيها ذكر، ولو كان فيها آيات من القرآن، ما دامت قد خلطت بأشياء مجهولة، فهي محرمة. وقال رحمه الله تعالى: وفيه قد جاء الحديث أنه شرك بلا مرية، فاحذرنه. يعني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن هذا النوع من الرقى، وذلك بأحاديث كثيرة، كحديث أنس بمسلم أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الرقى. فقال: «اعرضوا علي رقاكم». وهكذا حديث جابر بن عبد الله أنهم أتوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنك قد نهيت عن الرقى. فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن شركا». وفي الحديث الآخر: «من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه». يعني أن الرقى التي تخالف الشرع فهي رقى مردودة، لا يجوز التعامل بها. وهكذا قوله في حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الإمام أحمد بإسناد حسن أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». فهذا يدل على أن هناك نوعا من الرقى محرم في الإسلام، لا يجوز استخدامه ولا يجوز التعامل به. ما هو هذا النوع؟ هو النوع الذي كان من جنس رقى أهل الجاهلية، التي فيها استعانة واستغاثة بالأشياء التي تعبد من دون الله عز وجل، أو فيها أشياء مجهولة ليست في الكتاب ولا في السنة، أو كذلك فيها بعض السحر الذي كان يتعامل به اليهود. فهذا من جنس الرقى المحرمة التي لا يجوز أن تستخدم، وهي من الأمور الشركية أو الدريعة إلى الشرك التي لا يجوز أن تستخدم. فقوله: وفيه قد جاء الحديث أنه شرك بلا مرية، فاحذرنه. يعني اجتنب هذا النوع من الرقى المحرم، وهو بكلمة جامعة الذي فيه أشياء مجهولة، أو معلومة لكنها محرمة كما سبق تفصيله. قال: إذ كل من يقوله لا يدري، لعله يكون محض الكفر. هذا الشيء المجهول قد يقوله الإنسان وهو لا يدري أنه محض الكفر، كاستعانة بالجن والشياطين، ومن كان بمعناه، أو كذلك كأن يكون فيه استعانة ببعض من يعبد من دون الله عز وجل، ولو لم يعلمه الإنسان. فلا يجوز له أن يقول شيئا لا يعلمه؛ لأنه ربما يكون كفرا. ومر معنا منه ما يسمى بالتفلة التي يقولها بعض البدو في علاج لدغ الحيات والعقارب ونحوها. قال رحمه الله تعالى: أو هو من سحر اليهود مكتبس على العوام، لبسوه فالتبس. فاللبس كذلك بعض هذا الذي يقال وهو لا يدري معناه، هو من سحر اليهود الذي يستخدم إما بتحبيب الزوج إلى زوجته أو الزوجة إلى زوجها، أو كذلك في التفريق بين اثنين، أو كذلك في الجمع بين اثنين، أو كذلك في حصول مطلوب معين. فمثل هذه الرقى التي فيها بعض الأشياء غير معلومة، إما بلغة اليهود كاللغة السريانية أو اللغة العبرية والعبرانية، وما كان بمعناها مما لا يعلم معناه، لا يجوز التعامل به؛ لأنه يدخل فيه هذا المعنى المحرم. قال رحمه الله تعالى: فحذرا ثم حذرا منه، لا تعرف الحق وتنأى عنه. يحذر رحمه الله تعالى تأكيدا لما سبق أن هذه الأشياء لا يجوز التعامل بها. ويقول: لا تعرف الحق وتنأى عنه. ويريد بالحق أي الكتاب والسنة، اقتصر واكتف بما ثبت بالكتاب والسنة من الرقى الآيات والأحاديث. وكذلك الآيات والأحاديث لا يجوز لك أن تكيفها على كيفية معينة، كأن تقول مثلا: علاج الحمى أن تقرأ آية الكرسي سبعين مرة، وعلاج أن يكون عندك ألم بالمفاصل أن تقرأها خمسين مرة، وعلاج أن يكون عندك وجع بالعين أن تقرأها خمسة وأربعين مرة، ونحو ذلك من التقييدات التي ما أنزل الله بها من سلطان. فمثل هذا من البدع والمحدثات التي كذلك لا يجوز التقييد بها، وإلزام الناس بها بغير سلطان. فلابد أن يكون بها دليل من الكتاب أو من السنة، ولو كان أصله ثابتا في الكتاب والسنة، لكن تحديده بعدد وحده بحد، لابد أن يكون عليه كذلك دليل. فالخلاصة: لابد من التقييد بالوحيين الكتاب والسنة جملة وتفصيلا. لا يلزم الناس بشيء، ولا يلتزم الإنسان بشيء لم يرد به الكتاب ولا السنة. وبهذا قدر نكتفي. والحمد لله رب العالمين.