الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 5، الدرس الخامس:من( وإذا كانت الماشية سائمة أكثر الحول ... قال أبو العباس:يتوجه قبول المعطي لأنه كالأمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل مسألة نقل الزكاة إلى المستحقين داخل البلد أو خارجها، مع التركيز على شروط تقديم أهل البلد التي تُجمع منها الزكاة. يجوز نقلها إذا استكفى أهل البلد أو كان هناك من هو أفقر وأحوج في مكان آخر.
يشرح هذا الفصل جواز نقل الزكاة من مكان إلى آخر بناءً على المصلحة، مثل وجود فقراء في المكان الآخر أو كونهم أشد فقرًا، مع التأكيد على عدم وجود دليل شرعي يحدد مسافة معينة لنقل الزكاة.
يتناول هذا الفصل تفاصيل حول كيفية أخذ الزكاة من الشركاء ومسؤولية كل شريك، مع توضيح حول قبول قول المعطي في حالة الاختلاف في قيمة المدفوع، وتفصيل أحكام الشراكة في غير الزكاة.
يشرح هذا الفصل التفريق الشرعي بين ما يسقى بتكلفة وما يسقى بدون تكلفة، معتمدًا في ذلك على العرف، ويظهر هذا التفريق في أحكام الزكاة وغيرها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا كانت الماشية سائمة أكثر الحول وجبت الزكاة فيها على الصحيح. وهذه مسألة أخرى من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم، والصحيح التي تدل عليه عمومات الأدلة، هذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وما نقل عنه وعن غيره من المحققين من أهل العلم في هذه المسألة واعتبار الأكثر، هذا لأن السائمة -كما تعرفون- هي التي ترعى، فإذا كانت ترعى وتعلف، وكثيرًا ما يقع هذا خصوصًا مع حلول القحط أو حاجة الماشية إلى الزيادة، فيكثر السؤال، فهنا ينظر فيه بالأغلب، فإن كان الأغلب والأكثر هو أنها سائمة ففيها الزكاة، ولو كانت تعلف في بعض الأحيان. وإن كان الأغلب أنها تعلف وتسوم أحيانًا فليس فيها الزكاة. وقد يرد إشكال فيما إذا كان الأغلب والأكثر غير معلوم، يعني ما يستطيع يجزم المالك بذلك، فهنا يقال: الأصل عدم وجوب الزكاة حتى يثبت ما يجب فيه الزكاة. على أنه لو احتاط لنفسه ودينه وماله كان خيرًا له. فبعض الناس قد يقول: أنا ما أدري، أنا أرسل غنمي تعلف، تسوم وترعى وأنا أطعمها ولا أدري ما هو الأكثر؟ فإذا كان وصل إلى هذا الحد فالأحوط أن يزكي، ولا يجب عليه هذا إذا بذل الوسع واجتهد، وإلا يستطيع في الغالب أن يعرف ذلك. قال رحمه الله: وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع، والمراد بالمصر أي البلاد الجامعة، قال مثل أن يعطى من بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك. فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إقليم ما حاجة أهل المنقول عنه. وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكره نقل الزكاة إلى بلد السلطان وغيره؛ ليكتفي أهل كل ناحية بما عندهم من الزكاة. ولهذا في كتاب معاذ بن جبل: من انتقل من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقاته وعشره في مخلاف جيرانه. والمخلاف عندهم -كما يقال- المعاملة، وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي، يعني المكان الذي له قاضي خاص ووالي خاص. قال: وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيًا، أو يستخلف فيه ولي الأمر جابيًا يأخذ الزكاة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم. ولم يقيد ذلك بمسير يومين، وتحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي. ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية. هذه مجموعة من المسائل تتعلق بمسائل نقل الزكاة، أولها: إذا كان بلد واحد وعرف بالعرف وبالشرع أنه بلد واحد، يقول: الصحيح أنه يجوز أن تنقل الزكاة من ناحية إلى أخرى ما دامت بلده واحدة، مثل بلاد مصر مثلًا، فهي بلاد واحدة. فقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ في الصحيحين: وجاء معنا من حديث ابن عباس عن معاذ رضي الله عنهما، وأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم، هل معنى هذا أهل كل قرية أو يشمل البلد الواحدة؟ الصحيح أنه يشمل البلد الواحد، فإنه يجوز أن ينقل من ناحية إلى أخرى ما دام بلدًا واحدًا. وعلّل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن أهل المدن في الغالب يعانون من أهل المزارع؛ لأن أهل المدن إن كانوا فقراء فمن أين تأتيهم الزكاة؟ تأتيهم من أهل الأراضي والزروع، إذن أقرب الناس إليهم هم أهل بلدهم. وهذا طبعًا بعد تقديم أهل تلك البلاد التي فيها الزروع من الفقراء، فمثلًا لو كانت هذه الزكاة في البلاد التي هي من بلاد مصر، لكن هي معروفة بأرض الزراعة وفيها فقراء، فتقديم فقراء تلك البلاد -مثلًا لو قلنا الصعيد مثلًا- تقديم فقراء الصعيد هو الأولى على تقديم فقراء القاهرة؛ لأنه يدخل أولًا في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، والأقربون أولى بالمعروف. لكن الكلام إذا كان هناك من هو أفقر وأحوج، أو إذا استكفى أهل البلد، هل يجوز نقله إلى المدن؟ الصحيح أنه يجوز لعموم الأدلة في هذا، وكذا كذلك للتعليل الذي ذكره رحمه الله، وهذا هو الصواب. ثم انتقل رحمه الله إلى مسألة أخرى، وهو ما نقله عن بعض السلف من أن جيران المال أحق بزكاته، وأنهم كرهوا نقل الزكاة إلى بلد السلطان وغيره؛ ليكتفي أهل كل ناحية بما عندهم من الزكاة. وهذه المسألة هي تؤيد ما اختاره رحمه الله في المسألة السابقة، وهو أن ما نقل عن السلف في هذا الباب محمول على هذا المعنى أنها بلد واحدة، فهي أولى بزكاتها من غيرها، فأهل نفس البلد ينبغي أن تشملهم الزكاة ويعطون منها حتى يستغنون بها، فإن زاد شيء فيجوز أن ينقل إلى بلد السلطان. ثم ذكر الأثر المروي عن معاذ رضي الله عنه، والأثر رواه الأثرم وابن منصور بإسناد صحيح إلى طاووس، ولكن طاووس يرويه عن معاذ، وطاووس لم يسمع من معاذ، فهو في هذا الموضع منقطع، فلا يصح عن معاذ رضي الله عنه أرضاه. وهذا الأثر معناه صحيح وإن كان لم يصح من جهة الإسناد؛ لأن العمومات تدل عليه. وحاصل معنى هذا الأثر أنه يجوز لمن انتقل من مكانه إلى مكان آخر أن يعطي زكاته في المكان الذي هو فيه وما حوله. وفي الغالب أن انتقال الإنسان يكون حول أهله، يعني لا يكون مكان بعيد، فإذا كان هو يعلم بالفقراء في بلده فإنه يجوز أن ينقل إليهم؛ لأنه أعرف بهم ولأنه منهم، فيجوز أن يعطيهم. ولأن البلد الذي انتقل إليها قد لا يعرف فقراءها، وهكذا كذلك؛ لأنه ربما يرتجى عند آخرين ممن تعود أن يعطيهم الزكاة، فالحاصل هذا المعنى صحيح. يجوز الإنسان ولو انتقل من مكانه أن يرد الصدقة إلى مكانه الأول أو إلى جيرانه. بل الصحيح في هذه المسائل أنه يجوز نقل الزكاة من مكان إلى مكان إذا اقتضت المصلحة ذلك. ومعنى اقتضاء المصلحة يشمل أشياء كثيرة، أولًا: أن يكون في المكان الآخر فقراء، ولا يكون في المكان الأول فقراء. وثانيًا: أن يكون الفقراء في المكان الآخر أشد فقرًا وفاقة من المكان الأول. وهكذا كذلك ثالثًا: أن يكون علمه بالفقراء في المكان الآخر -أي الذي هو غير المكان الذي هو فيه- أحسن وأعرف من علمه بالفقراء في المكان الذي هو فيه. وهكذا قل في معاني كثيرة لا تنحصر كلها فيها معنى الأصلح، فإذا كان ذلك هو الأصلح بمقتضى الشرع والعرف، فعليه أن يفعل الأصلح ولو كان ذلك يؤدي إلى نقل الزكاة؛ لأن تقديم الأصلح مما دلت عليه العمومات الشرعية. وهذه الفتوى هي المنقولة عن كثير من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام كما رأينا، وهي كذلك منقولة عن من سبقهم كثير، وأفتى به كثير من المتأخرين، تنقل عن الشيخ الإمام محمد عبد الوهاب رحمه الله، وهكذا من المعاصرين كثير، منهم الشيخ ابن إبراهيم، ففي فتاويه ذكر ذلك، وهكذا هي عن شيخنا عبد العزيز بن باز والشيخ ابن عثيمين رحمه الله، بل وكذلك شيخنا الوادعي رحمه الله، فيجوز نقل الزكاة للمصلحة من المكان الذي خرجت منه إلى مكان آخر. ثم أشار رحمه الله إلى مسألة تقييد بعض الفقهاء لذلك بمسير يومين، وبعضهم يقول: مسافة القصر، والصحيح أنه لا يوجد دليل شرعي في هذا التقييد، فليس هناك دليل يدل على هذا التقييد. فالصحيح أنه يجوز النقل سواء كان النقل داخل مسافة ما دون القصر أو كان حتى ما بعد القصر، وسواء كان دون مسير يومين أو كان أكثر من مسير يومين. والأصل هو عدم النقل، ولكن يجوز النقل عند المصلحة، الأصل هو عدم النقل: تأخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم، هذا هو الأصل، لكن يجوز النقل إذا اقتضت المصلحة ذلك، المصلحة الشرعية والعرفية. مثل المثال الذي مثل به، فلو أن إنسان انتقل من بلده إلى بلد آخر يعمل فيه وله زكاة يخرجها في بلده، فلا شك أن الأصلح إخراج الزكاة في المكان الذي كان فيه، لماذا؟ لما تقدم وسبقت الإشارة إليه؛ لأنه أعرف بفقراء بلده ولأنه منهم ولأنه تعود إعطاء ناس بأعيانهم ولغير ذلك من المصالح الكثيرة. ثم قال رحمه الله تعالى: وإذا أخذ الساعي من أحد الشريكين رجع المأخوذ منه على شريكه بحصته، ولو اختلف في قيمة المدفوع، قال أبو العباس: يتوجه قبول قول المعطي؛ لأنه كالأمين. وهذه مسألة أخرى من مسائل الزكاة، وهي إذا كان هناك شركة فأخذ الزكاة من أحد الشركاء، سواء كانوا اثنين أو أكثر، جاء الساعي فأخذ الزكاة من أحد الشركاء، فأعطاه هذا الشريك زكاة كل المال؛ لأنه لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين المتفرق كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. فمثلًا لو كان مجموعة عندهم ألف من الغنم ويتناوبون في القيام على هذه الأغنام، فجاء من يجمع الزكاة ويجمع الزكاة وموكل من السلطان، فأخذ الزكاة من هذا الموجود فأعطاه الزكاة، ثم الآن يحتاج أن يرجع إلى الشركاء فيقول لهم: أنا دفعت الزكاة لكل المال، فإذا يخرج من كل واحد بقدر نصيبه. فإذا حصل الاختلاف في قيمة المدفوع، فهنا يقول شيخ الإسلام: الذي يتوجه -يعني في مثل هذا المقام- قبول قول المعطي؛ لأنه كالأمين. ومن مسائل الأمين أن الأمين محسن فيقدم قوله، ما دمت قد استأمنته على المال، إذن يلزم على ذلك قبول كل قول يقوله، فهو محسن، فلذلك إذا استأمنته على كل المال فمن باب أولى هذا التفصيل مما يتعلق به فيه. وكأنه يقول: يلزم هؤلاء الشركاء الدفع، ولا يجوز لهم أن يجحدوه أو يكذبوه؛ لأنه أمين، وما دام قد استؤمن على أصل المال فمن باب أولى مثل هذا التفصيل. وهذه المسألة تذكر في الزكاة، وهي كذلك؛ لأن هذا المقام اقتضى كونهم وكلوه على وجه الاستئمان أن يكون كذلك في أمر دفع الزكاة. لكن الفقهاء يفرقون فيما إذا كان في غير الزكاة، فيحصل فيه شيء من التفصيل. فمثلًا لو أن شركاء عندهم مكان للإيجار، فقال المستأجر لهذا الشريك: أنا أريد أن أرمم بيتي وسأرمم من الإيجار، فقال أحد هؤلاء الشركاء: لا بأس، فعمل هذا الرجل فرمم، فبلغ الخبر الآخرين فرفضوا، إذن على من يرجع هذه النفق التي أنفقها المستأجر؟ هل يخرج عليه أم يلزم الشركاء أم يرجع على هذا الشريك الذي تصرف هذا التصرف؟ الجواب في مثل هذه المسألة التفصيل: إن كان هذا الرجل موكل من قبل الشركاء بالتصرف والإذن، أو أنه كذلك مستأمن على ذلك، فكان له إذن عرفي وإن لم يكن له إذن لفظي، فيلزم الشركاء القبول في ذلك. وأما إذا لم يكن كذلك، وعلم ذلك المستأجر أنهم ليسوا شيء واحد، بل وربما يكون عليه شرق ما كان من طلب في حق هذا المال، فلابد من إذن جميع الشركاء، قد يوقع هذا في بعض عقود الإيجار، فهنا ليس له إلا نصيب الشريك، والباقي ليس له شيء إلا أن يأذن ويرضى بقية الشركاء؛ لأنه تصرف فيما علم أنه ليس مأذون له فيه، وأنه كان الواجب عليه أن يستأذن. وهكذا كذلك لو كان هذا في علم هذا الشريك، فتصرف في إذنهم وأعطاه الإذن العام، والمستأجر لا يدري ويظن أنهم شيء واحد، فالذي يتحمل هذا الفارق هو هذا الشريك؛ لما جاء معناه في حديث ابن عمر في الرجل الذي يعتق شركه في عبد، فإنه يرجع فيه إليه؛ لأنه تصرف في ملك شركائه بغير إذنهم، فالعبد يعتق ويرجع فيه إلى هذا المتصرف في حق شركائه. ومثل هذا التفصيل يقال في ذلك. وأما مسألة الزكاة فكما سمعنا، ولأن الساعي لا يمكن أن يتأخر. هذا السائل يقول: جمع العلف باليد ثم نقله إلى الماشية من المزارع مجانًا أو من السهول، هل هذا من السوم أو من العلف؟ وهل يختلف إذا كان هذا الجمع للعلف زيادة في أكل الماشية يؤثر؟ في ماذا يلحق؟ إذا كان مثل هذا العمل يسير وجرى العرف أنه من السوم، ولكن صاحبه أراد زيادة الخير لماشيته والحفظ، فهو من السوم. وإن كان هذا الجلب ليس بيسير بل فيه مشقة، وجرى العرف أن هذا بمثابة الشراء، كان يأتي به من أماكن بعيدة ويجمعه، ربما يعني من أماكن لا يستطيع أن يصل إليها الغنم، فهذا بمثابة الشراء؛ لأنه يتكلف لذلك. وقد فرق الشرع فيما يسقى بمؤنة وما يسقى بغير مؤنة، وهذا مثله، ويرجع في مثل هذا إلى العرف.