الإيمان الأوسط  17

الإيمان الأوسط 17

الدرس في الإيمان الأوسط 17، الدرس السابع عشر:(والفرق الثاني:ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الإخبار...ما ينتفي الإيمان بانتفائه من لوازم التصديق لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيمان والإقرار في اللغة والشرع

يشرح الشيخ معنى الإيمان والإقرار في اللغة والشرع، ويبين أن الإيمان يتضمن الإقرار مع الطمأنينة واليقين. يتطرق إلى التفاوت بين أهل الإيمان بحسب أعمالهم وأقوالهم وتفاوت التصديق في قلوبهم.

تحليل معنى الإيمان والتصديق وفرق بينهما

يناقش معنى الإيمان والتصديق في الإسلام، ويفرق بينهما مستدلاً بالآيات القرآنية والأدعية المأثورة. يوضح أن الإيمان يتضمن التصديق ومعنى زائدًا عنه، وأن الكفر قد يكون نتيجة عدم التصديق أو الاستكبار عن الطاعة.

تقسيم الناس بحسب الإيمان الظاهر والباطن

يتناول تقسيم الناس إلى أربعة أصناف حسب الإيمان الظاهر والباطن، مستندًا إلى الأدلة الشرعية. يبين أن هذا التقسيم صحيح ومدعوم بالأدلة، ويشمل الكافر والمؤمن المستضعف بإيمان باطن وكفر ظاهر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والفرق الثاني ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الإخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الإخبار، يعني بالغيب وبغيره. وقد مر معنا أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. قال: وأما المعنى، فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال: الصدق طمأنينة، والكذب ريبة. فالمؤمن دخل في الأمن، كما أن المقر دخل في الإقرار. فالإيمان فيه معنى الإقرار وزيادة، إذ فيه إقرار مع طمأنينة ويقين. والمراد من هذا كله بيان علاقة المعنى اللغوي بالمعنى الشرعي، علاقة المعنى اللغوي بالمعنى الشرعي للإيمان. وبه يعلم أن أهل الإيمان يتفاوتون في أعمالهم وأقوالهم والتصديق الذي في قلوبهم، فهم يتفاوتون في معنى الطمأنينة واليقين والإقرار الذي يقع في القلب، بقدر تفاوت الصدق والكذب، وبقدر تفاوت كذلك الحب والبغض، وبقدر تفاوت كذلك الانقياد وغيره وغير ذلك من المعاني التي تؤثر في الإيمان، حتى في القلب. فيريد أن يبين رحمه الله أن معنى الإيمان يدل على معاني تقتضي تفاوت أهله فيه، حتى فيما يتعلق بالتصديق في القلب. فإذا كان كذلك، فمن باب أولى أن يتفاوت أهله باعتبار ما يكون من أعمال الجوارح. وبهذا يكون فيه رد على المرجئة، ومن باب أولى رد على الوعيدية. أما المرجئة، لأنهم يزعمون أن أهله فيه سواء. وأما الوعيدية، فهم يزعمون أنه إذا ذهب بعضه ذهب كله. وكلا القولين على خطأ، فقد يذهب بعضه فيتفاوت أهله بذهاب هذا البعض مع بقاء مسمى الإيمان. قال رحمه الله تعالى: قال: ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين، يعني حين يقول إنسان: أقر، يعني ألتزم. أقر فلان، يعني التزم فلان. قال أحدهم: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما. وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار، يعني مثل أن يشهد ويصدق. والثاني: إن شاء الالتزام، كما في قوله تعالى: ﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾، قالوا: أقررنا. قال: ﴿فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَاهِدِينَ﴾، يعني هل التزمتم؟ فمعنى أقررتم: أي هل التزمتم؟ قال: وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد، فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ الآية. قال: فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول، معناه أنه فيه معنى زائد عن الإخبار، إذ فيه الالتزام بتحقيق الإيمان والمناصرة للرسول. قال: وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد. فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة المخبر، لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر به. والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه. فإذا تضمن طاعة المستمع، لم يكن مؤمنًا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه. مثال الأول: أن يخبره بحصول شيء، فهذا خبر لا يتضمن طاعة. ومثال الثاني: أن يخبره بالتزامه بفعل ما أمره به، فهو إقرار مع التزام بهذه الطاعة التي أخبر بها. قال رحمه الله تعالى: بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فدل ذلك أن معنى الإيمان الذي يتضمن الإقرار فيه الالتزام. وكذلك يؤكده أن معنى الكفر فيه عدم الالتزام، فالكفر بالرسل يتضمن عدم الالتزام بطاعتهم، والكفر بكتب الله يتضمن عدم الالتزام بالانقياد لما فيها، فدل على أن الإيمان يتضمن معنى الالتزام. قال: وأيضًا، فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فإن التصديق إخبار بصدق المخبر، والتكذيب إخبار بكذب المخبر. فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، وقد يكذب الرجل الصادق أخرى، وهذا على وجه الخطأ. قد يقع أن الصادق يكذب، وإلا لا يسمى صادقًا إلا وهو لا يكذب. قال: فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر. فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب، إن لم يقدر أو لم يقدر مخبر عنها، بخلاف الإيمان والإقرار والإنكار والجحود ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضًا. قالوا أيضًا: فالذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى، وتوالى تارة وتعاد أخرى، وتطاوع تارة وتعصى أخرى، ويذلها تارة ويستكبر عنها أخرى، تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك. وأما لفظ التصديق والصدق ونحوهما، فيتعلق بمتعلقها كالحب والبغض، فيقال: حب صادق وبغض صادق، كما أن الصدق والكذب في إثبات الحقائق ونفيها متعلق بالخبر النافي والمثبت دون الحقيقة ابتداء. قال: فكذلك بالحب والبغض، نحو ذلك يتعلق بالحب والبغض دون الحقيقة ارتداءًا، بخلاف لفظ الإيمان والكفر، فإنه يتناول الذوات بلا واسطة، إقرارًا أو إنكارًا بلا واسطة. لفظ الإيمان والكفر يتناول الذوات بلا واسطة، إقرار أو إنكار أو حب أو بغض أو طمأنينة أو نفور. قال: ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: «اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، وفاءًا بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم». ويروى هذا مرفوعًا وموقوفًا، ولم يصح مرفوعًا، واختلف في تصحيحه موقوفًا على ابن عمر أو غيره. قال: فقال: «إيمانًا بك»، ولم يقل: تصديقًا بك، كما قال: «تصديقًا بكتابك». ومعناه أنه فرق بين الإيمان والتصديق، وهو الواقع. فهناك فرق بين الإيمان والتصديق، والقاعدة كما تقدم: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. قال رحمه الله: وقال تعالى عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾، فجعل التصديق بالكلمات والكتب، يعني لم يجعل إيمانًا، لأن الإيمان يتضمن شيئًا زائدًا عن التصديق. قال: ومنه الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تكفل الله لمن خرج في سبيله، لا يخرج إلا إيمانًا بي وتصديقًا بكلماتي». يعني أنه فرق بين الإيمان والتصديق. وهذه أدلة صريحة تدل على هذا التفريق. قال: وكذلك قوله في الحديث الذي في الصحيح: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منازل عالية في الجنة، فقيل له: يا رسول الله، تلك منازل لا يبلغها إلا الأنبياء، فقال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». والشاهد: «آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»، فرق بين الإيمان بالله والتصديق بالمرسلين، فدل على أن هناك فرق بين لفظ الإيمان والتصديق، وأن ما يتعلق بالله من الإيمان يتضمن شيئًا عظيمًا زائدًا عما يتعلق بالتصديق بالرسل. قال: فعلم بهذا كله أن لفظ الإيمان لفظ يتناول التصديق وزيادة، فليس الإيمان هو التصديق حسب، بل فيه معنى زائد عن معنى التصديق. قال رحمه الله: قال: ولفظ الإيمان يستعمل في الخبر أيضًا، كما يقال: كل آمن بالله، أي أقر له. الرسول يؤمن له من جهة أنه مخبر، ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، كما يؤمن، بالله وملائكته وكتبه. فالإيمان متضمن للإقرار بما أخبر به، والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به. وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به. والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه، ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره. قال: وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم، فأبى واستكبر، وكان من الكافرين. فكفره بالإباء والاستكبار، وما يتبع ذلك، يعني من الامتناع عن الطاعة، لا لأجل تكذيب. وكذلك فرعون وقومه، جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، ظلمًا وعلوًا. وقال له موسى: «لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض». فالذي يقال هنا: إما أن يقال: الاستكبار والإباء والحسد ونحو ذلك، مما يكفر به مستلزم لعدم العلم والتصديق الذي هو الإيمان. قال: ويجعل ما ينتفي الإيمان بانتفائه من لوازم التصديق، لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر ظاهر، وهذا خلاف الصواب. لأن الناس في الإيمان والكفر أربعة أصناف: منهم من له إيمان ظاهر وباطن، وهذا هو المؤمن. ومنهم من له إيمان ظاهر وكفر باطن، وهذا هو المنافق. ومنهم من له كفر ظاهر وباطن، وهذا هو الكافر. ومنهم من له إيمان باطن وكفر ظاهر، وهذا هو المؤمن المستضعف. فأصناف الناس في الإيمان الظاهر والباطن أربعة. لكن عند هؤلاء لا يصح هذا التقسيم، وهذا ليس بالصحيح، بل دلت الأدلة الشرعية على وجود هذه الأقسام الأربعة. والله تعالى أعلم.