الدرس في الإيمان الأوسط 1، الدرس الأول:(بسم الله الرحمن الرحيم فصل.تضمن حديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ...في قوله تعالى:أنزل من السماء ماء فسالت أدوية بقدرها الآية). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبرز أهمية دراسة الإيمان وكتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية في مواجهة الانحرافات في فهم الإيمان. يُعد الكتاب مختصرًا ومهمًا في مباحث الإيمان.
يشرح المؤلف منهج الدراسة في الكتاب ويبين أهمية فهم مراتب الدين الثلاث. يشير إلى الاختلافات والاتفاقات بين الناس في فهم هذه المراتب.
الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر، ومنافق. دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة والإجماع.
يشرح الآيات التي ذكرت صفات المؤمنين والكفار والمنافقين، مشيرًا إلى أهمية فهم هذه الصفات من خلال الآيات القرآنية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه دروس في هذه الأيام نتدارسها في مواضيع مهمة ومباحث دقيقة تمر بنا إن شاء الله من مباحث الإيمان التي ينبغي على طالب العلم خصوصًا في مثل هذا الزمان أن يعتني بها؛ لكثرة أهل الباطل الذين ظلوا في هذا الباب إفراطًا وتفريطًا. وكان اختيار هذه الكتب لمعاني واعتبارات، ومن أهمها ذكر ما يناسبه المقام، خصوصًا في كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مما يناسب ذكره والتنبيه عليه مما ذكره هذا الإمام في ثنايا هذا الكتاب، فيعتبر هذا الكتاب من أهم وأحسن كتبه رحمه الله تعالى، مختصرًا تناول فيها أهم مباحث ومسائل الإيمان. وهو كذلك يعتمد عليه كثيرًا بعض من فيه لوثة تكفيرية في زماننا هذا ومن أزمنة، إما لسوء فهم أو لسوء قصد. وكذلك ربما استدل به طوائف تغريرًا على بعض من لا معرفة له بالعلم؛ بأقوال هذا الإمام على أنه إذا دقق النظر فيه لوجد أنه ليس فيه انتصار لطائفة من طوائف أهل الضلال ممن ضل بهذا الباب إفراطًا وتفريطًا، بل إذا جمع معه غيره لم يزدد صاحب الحق إلا بصيرةً ويقينًا. أن ما نقل عن هذا الإمام من هذا الكتاب هو من أحد رجلين: إما صاحب جهل وسوء فهم، وإما صاحب هوى وسوء قصد، وكلاهما ممن لا يوثق بنقله ولا يعتمد ولا يعرج على فهمه. ولما كثر في هذا الزمان وفي هذه الأيام من يستدل بعبارات هذا الإمام تشويشًا وكذلك استكثارًا وتغريرًا، ناسب أن يمر على هذا الكتاب بما يناسب المقام التنبيه عليه مما ذكره هذا الإمام في هذا الكتاب العظيم. وهذا الكتاب المسمى بالإيمان الأوسط هو كما علمنا وعلم الكثير من طلبة العلم، وترون بأعينكم في أيديكم، هو للإمام شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه الله تعالى، هذا الإمام الذي بارك الله عز وجل في علمه وعمره، فنفع الله عز وجل به نفعًا عظيمًا حتى قيل: إنه شابه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم في نصرته لهذا الدين وحرصه على العلم والعمل. فقد أوتي علمًا غزيرًا وفهما دقيقًا وحفظًا متينًا، فجمع الله عز وجل له من العلم بالمعقول والمنقول ما لا يعرف له نظير في زمانه، بل قيل: إنه قبل زمانه وبعد زمانه، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يُنسب بالحران نسبة إلى حران، مدينة مشهورة بأرض الجزيرة من أرض العراق، وهو ما بين النهرين دجلة والفرات، ولد فيها سنة إحدى وستين وستمائة للهجرة، ثم تحول به أبوه إلى دمشق سنة سبع وستين وستمائة للهجرة. ونبغ من صغره رحمه الله تعالى، فقد نشأ في بيت علم، وآل تيمية آل بيت اشتهر بالعلم والعمل، فوفقه الله عز وجل من صغره لطريق العلم، فنبغ فيه وبرز حتى كان له الذكر الحسن وهو في صغره رحمه الله تعالى، ثم في شبابه وسائر عمره عاش عمرًا حافلًا بالعلم والعمل والدعوة والتعليم، وكذلك نصرة هذا الدين بلسانه وبقلمه وبأركانه وجوارحه، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وقد ضرب أعظم الأمثلة في ثبات صاحب الحق على حقه وشجاعته كذلك في مواجهة المخالفين بما آتاه الله عز وجل من العلم بالمعقول والمنقول ما لا يعرف له نظير كما ذكر في زمانه، بل قيل: بعده وقبله، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، فبارك الله عز وجل في تلك الجهود المباركة حتى نقل لنا من علمه ما لم يزل الناس ينتهلون منه ويستفيدون إلى زماننا هذا. ومن هذا الخير الذي تركه رحمه الله تعالى رحمة واسعة هذا الكتاب المسمى بالإيمان الأوسط. وقد قال غير واحد من أهل العلم: إنه مختصر من الكتاب الأكبر المسمى بالإيمان الكبير، حتى إن بعضهم سمى الإيمان الأوسط بالإيمان الصغير، وهو قد حوى أكثر مسائل الإيمان الكبير، غير أن الإيمان الكبير بسط فيه بعض الأقوال وزاد فيه بعض المسائل، غير أنه في هذا الكتاب كان مع اختصاره شيئًا من التنبيه والتدقيق على بعض المسائل المهمة كما سيمر معنا إن شاء الله تعالى. والموضوع من أهم المواضيع التي يحتاجها المسلم عمومًا وطالب العلم خصوصًا، ويتأكد هذا مع كثرة الضالين المنحرفين في هذا الباب إفراطًا وتفريطًا كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. وإن شاء الله تعالى سيكون منهج الدراسة في هذا الكتاب عبارة عن قراءة وتعليق وتعليق على ما يحتاج أو يظن أنه يحتاج للتعليق عليه، مع الوقوف والتنبيه على بعض المسائل التي يظن أنه يحتاج إلى وقفة معها، خصوصًا وقد تقدم وسبقت الإشارة إلى أن بعض المباحث والمسائل والعبارات قد حصل فيها إشكال عند بعض طلبة العلم فضلًا عن غيرهم؛ بسبب تشويش بعض المنحرفين جهلًا أو هوى. قال رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم، فصل». هكذا في النسخة التي في أيدينا، وفي بعض النسخ استفتح رحمه الله تعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، ودعاء الاستفتاح مع الشهادتين، ثم شرع في الكتاب رحمه الله تعالى رحمة واسعة، فإما أن يكون ذلك من بعض النساخ، وإما أن يكون نسخة منه رحمه الله تعالى نقل عنه هذا ونقل هذا، وكله وارد، والمقصود هو الوقوف على ما ذكره رحمه الله من مسائل هذا الكتاب. وقوله رحمه الله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، هذه سنة جرى عليها العلماء في استفتاح الكتب بالبسملة اقتداء بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما صح عنه عليه الصلاة والسلام، إذ كان يفتتح كتبه بالبسملة، وفي هذا أحاديث صحت عنه عليه الصلاة والسلام من غير وجه، ومرت معنا كثيرًا في دروس سابقة، بل هي من سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما نقل أننا في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وكذلك مع هذا المنقول والاقتداء بالمأثور فيه معنى آخر هو مقصد معقول ينبغي أن يحتسبه ويستحضره كل من كتب البسملة أو قرأها، وهو ما تضمنته هذه اللفظة من معاني جليلة وعظيمة، فيها تعظيم الرب جل وعلا والاستعانة به في حصول المقصود من هذا المقروء أو المكتوب، فإننا نستعين به جل وعلا ونتبرك بذكر اسمه تعظيمًا وطلبًا للعون منه سبحانه وتعالى، فهو المأمول جل وعلا في الوصول إلى كل مطلوب ومقصود، فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لذلك بعظيم فضله وواسع عطائه جل وعلا. قال رحمه الله: «فصل». وقوله «فصل» هكذا جاء في بعض النسخ، وهو من الألفاظ التي يضعها أهل العلم للتمييز بين مباحث الكتاب، ويكون المقصود منه التنبيه إلى المباحث التي سيأتي ويرد ذكرها. وهذا الفصل كما سيأتي معنا ذكر فيه مراتب هذا الدين على ما جاء في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام، فهو أصل هذا الكتاب وتفرعت المسائل والمباحث من شرح هذا الحديث العظيم، حديث جبريل عليه الصلاة والسلام الذي هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وجاء في مسلم من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه، وهو حديث عظيم مشهور تناول مراتب هذا الدين. والذي قال فيه في آخره: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فهو أي هذا الفصل كالأصل لهذا الكتاب ومنه انطلق رحمه الله إلى ثنايا ومسائل هذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: «تضمن حديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، فجعل هذا كله من الدين، أي ما ذكر في هذا الحديث، وفيه كما تقدم الإشارة إلى مراتب هذا الدين، أولها الإسلام، وثانيها الإيمان، وثالثها الإحسان، وهو أعلى هذه المراتب». قال رحمه الله: «وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير مختلفين تارة ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها». وفي هذا تأصيل لهذا الموضوع العظيم مما وقع فيه اختلاف الناس تارة واتفاقهم أخرى، وسيأتي معنا إن شاء الله أن مراده بهذا الاختلاف اختلاف أهل الأهواء ممن ضل في هذا الباب إفراطًا وتفريطًا، والمراد بالاتفاق اتفاق السلف ومن تبعهم بإحسان من أئمة الهدى ومصابيح الدجا إلى زمانه رحمه الله تعالى. وفي قوله: «وهذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها»، مراده مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وتقرر عند العلماء. وسيأتي معنا إن شاء الله أن هذه الأصول المعلومة يختلف العلم بها بحسب اختلاف الزمان والمكان، وكذلك ما يترتب عليه من مباحث ومسائل. وقوله: «ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها»، أي بمعرفة الأصل يعرف مرد الخلاف إلى أين، فإنما رد الخلاف إلى ما قررته الشريعة بالمنقول والمعقول الذي تقرر من ألفاظ النصوص الشرعية ومعانيها التي اتفق عليه سلف الأمة ومن بعدهم أئمة المعتبرين من الراسخين في العلم وسار عليه الناس. قال رحمه الله: «فنقول: ما علم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو المنقول نقلًا متواترًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من المعلوم من دين الإسلام دين النبي صلى الله عليه وسلم: أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهر الإسلام وهو في الباطن كافر». وفي هذا إشارة منه رحمه الله أن هذه الأصول المعلومة المتفق عليها مردها إلى الكتاب والسنة، أي الصحيحة المنقول عن النبي عليه الصلاة والسلام، والإجماع، أي المعتبر الذي هو مقرر عند أهل المعرفة من أهل العلم الراسخين كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في ثنايا مسائل ومباحث هذا الكتاب. وقوله: «وهو المنقول نقلًا متواترًا عن النبي صلى الله عليه وسلم»، أي هذه الأصول المعلومة كما سيأتي إن شاء الله ذكرها والتنبيه عليها، وهي كما قلنا تارة تكون بدلالة المنقول بلفظه، وتارة بدلالة ما دل عليه ذلك المنقول بلفظه من معنى، وهو المعقول المتفق عليه. وقوله رحمه الله: «بل هو من المعلوم من دين الإسلام دين النبي صلى الله عليه وسلم»، أي ذلك ومنه ما أشار إليه أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف، فهذا هو أول الأصول المعلومة التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهذا هو أول الأصول، وهو أن الناس كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعهده -والمراد به ما بعد الهجرة- ما بعد الهجرة؛ لأنه لم يكن قبل الهجرة الصنف الثالث وهم أهل النفاق، وإنما كانوا بعد الهجرة. وقال: «ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر الكفر، ومنافق ظاهر الإسلام وهو في الباطن كافر». وسيأتي إن شاء الله القصد من هذا الأصل والتنبيه عليه، فهذا سيحتاج إليه كثيرًا في المسائل والمباحث التي ستأتي وترد معنا إن شاء الله مما أشار إليه المؤلف رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا التقسيم أنزل الله في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين». وفي هذا إشارة منه رحمه الله أولًا إلى دليل هذا التأصيل؛ فإنه قد أشار إلى أن الأصول المعلومة المتفق عليها جاء علم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع، فمن أدلة الكتاب ما سيأتي ذكره في هذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة التي ستأتي إن شاء الله. وفيه إشارة كذلك أن هذا الأصل المعلوم من أهم الأصول التي نبه عليها دين الإسلام وقرره كتاب الله القرآن، وجاء في عدد من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك أنه استفتح به أول سورة مفصلة لفاتحة الكتاب وأمها، فإن سورة البقرة هي أول سورة بعد فاتحة الكتاب، وكما قال العلماء: فاتحة الكتاب هي أم القرآن بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما بعده من سور القرآن مفصلة ومبينة لهذه الفاتحة. فأول سورة ذكر فيها هذا الأصل وهذا التقرير على ما أشار إليه رحمه الله تعالى. وثالثًا في ذكر هذه الأصناف الثلاثة تنبيه لهذا الأصل الذي سيحتاج إليه في معرفة أحوال الناس في الدنيا وكذلك في الدار الآخرة؛ فالناس في الدنيا وفي الآخرة على هذه الأقسام الثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق. ثم أشار رحمه الله أن هذه السورة افتتحت بذكر صفات المؤمنين في أربع آيات، والكافرين في آيتين، والمنافقين في بضع عشرة آية، وهذا يدلنا على خطر النفاق وعظيم أثره والاشتباه فيه؛ فلذلك، فصل بهذا التفصيل. قال رحمه الله: «فقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في صفة المؤمنين». وتأمل كيف ذكر في صفة المؤمنين أولًا الهداية في الدنيا وحسن العاقبة ثانيًا في الآخرة، وفي ثنايا ذلك أعظم صفات المؤمنين، والتي منها الإيمان بالغيب، وهو به يُعلم من باب أولى سائر أركان الإيمان؛ فمن آمن بالغيب آمن بجميع أركان الإيمان الستة. وهكذا كذلك ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التي هي من أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ومعنى الشهادتين مذكور بما بعده؛ إذ الشهادة مبناها على الإيمان بالله ورسله. ومن الإيمان برسله الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك لا يصح إيمان ممن لم يؤمن بأحد من رسل الله، فيكون بذلك كافرًا كاليهود في حق عيسى، وهكذا كذلك محمد صلى الله عليه وسلم في حق اليهود والنصارى؛ فالشهادتان متلازمتان، أي شهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهي معنى الإيمان بالله جل وعلا وما أنزل وشرع؛ إذ منه الإيمان برسله عليهم الصلاة والسلام. ففي هذه الآيات الأربع المذكورات ذكر أهم صفات المؤمنين على وجه الإجمال لا التفصيل، لكنه متضمن كما رأينا تضمنًا ظاهرا واضحًا لمن دقق النظر فيه لأركان الإيمان والإسلام وأعظم صفات أهل الإيمان. قال رحمه الله: «وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيتين في صفة الكفار الذين يموتون كفارًا». وبهذا كذلك ذكر لهذا المعنى الذي أشار إليه، وفيه أهم صفات الكفار. قال: «وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآيات في صفة المنافقين، إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار، والآخر بالماء، كما ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية». وقال: «وأما قبل الهجرة...» إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم.