الدرس في إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 ربيع الآخر 1431هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبرز أهمية العلم والعلماء في الإسلام، حيث يُعدّ العلماء ورثة الأنبياء، ويُشدد على ضرورة التعلم والاستزادة من العلم. يُوضح أيضًا أن بقاء العلم والعلماء هو ما يبقي الأمة بخير.
يؤكد على أهمية العلم في الإسلام ويعتبره فريضة على كل مسلم، ويبرز أهمية اعتناء الأفراد بتعلم العقيدة ومسائل التوحيد. يحذر من عواقب إهمال ذلك ويبين أن العلم يدل على الله ويعين على عبادته.
يحدد شروط الرقى المشروعة ويحذر من تعليق التمائم والتوكل على غير الله. يبين أن تعليق القرآن أو أي شيء آخر للتبرك أو الحماية يعتبر من الشرك أو وسيلة إليه، ويشرح معنى التولة ويحرمها لأنها من الشرك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن نبينا عليه الصلاة والسلام قد أرشد أمته وعلمهم إلى ما فيه قوة عقيدتهم وتمام إيمانهم، بما علم في سنته الكريمة في أحاديث كثيرة رواها الصحابة الخيار رضي الله عنهم وأرضاهم، فكان في ذلك إقامة الحجة على الخلق حتى يعبد الله عز وجل على بصيرة. وإن من ذلك حديث عظيم من أحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيه من مسائل العقيدة المهمة ودقائق تفصيل التوحيد ما لا يعلمه أو يخفى على كثير من الناس، من ذلك هذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام أحمد والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح، صححه شيخنا الوادعي، وهكذا العلامة الألباني رحمهم الله تعالى، وقبلهم وبعدهم عدد من العلماء. فقد روى الإمام أحمد وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أنه دخل على امرأته وقد رأى عليها خيطا من الحمة، فجبذه وقطعه قطعا عنيفا، وقال: «إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، إن مما حفظنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك، إن مما حفظنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك». هذا الحديث العظيم فيه مسائل كثيرة، من أهم مسائله وفوائده أولها: فيه فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، الذين حفظ الله عز وجل بهم الدين، بحفظهم للعلم الدين الذي نقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف لا والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَوۡاْۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ﴾، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت جاء أصحاب ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه. فهذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة والآيات في كتاب الله عز وجل، تدل على فضل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكفى بهم فضلا أن يكونوا حملة هذا الدين ونقلته رضي الله عنهم وأرضاهم، فمن طعن فيهم طعن في دين الله عز وجل الذي نقلوه وحملوه، فكان بذلك من المكذبين لهم والجاحدين للعلم الذي حملوه ونقلوه. ولهذا نص غير واحد من العلماء أن من سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم سبا صريحا بما فيه الطعن فيهم، فإنه كافر بالله عز وجل، لأنه بهذا يكذب القرآن والسنة التي في أدلتهما تزكيتهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ومن مسائل الحديث: فيه فضل العلم والعلماء، فإن خيرية هذه الأمة عباد الله ببقاء العلم والعلماء، فمتى ما وجد فيها العلم ووجد فيها حملته من العلماء، لا يزال أمر هذه الأمة بخير، إذ أنهم يسترشدون بنصائح العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن نبى الدرداء وغيره رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فإن العلماء جعلهم الله عز وجل في هذه الأمة ورثة للأنبياء، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي، وإن هذه الأمة أي أمته عليه الصلاة والسلام لا نبي بعد، أي وأن العلماء هم بمثابة أنبياء بني إسرائيل». فإن علماء هذه الأمة بمثابة أنبياء بني إسرائيل، إذ أنهم ورثوا العلم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أخبر عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة يكون آخر أمرها في سوء وشر بقبض العلم، وذلك بموت العلماء. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «إن الله لا ينزل علم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، وفي رواية: إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهكذا كذلك فيه فضل العلم، فإن العلم لا يستغني عنه مسلم مهما وصل إلى فضل وإلى طاعة وإلى مزية، فإنه لا يستغني عن العلم، فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتفاوتون في الفضل بتفاوت علمهم، ويتفاوت التابعون كذلك في الفضل والعمل بتفاوت العلم، فكذلك ينبغي ألا يقنع أحد من المسلمين بما معه من العلم، بل ينبغي أن يستزيد من العلم. ولم يأمر ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستزيد بشيء بمثل أمره بالاستزادة من العلم، قال الله عز وجل: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾. وبهذا نعرف خطأ ما يفعله الكثير من المسلمين من عكوفهم واعتزالهم لمجالس العلم، وعن مجالس العلم، فإن ذلك مما يدخل عليهم الأخطار الكثيرة، إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في هذه الأمة، فأقبل عليه الصحابة رجالا ونساء وذكورا وإناثا على تعلم العلم العلم النافع، فبذلك وصلوا إلى المراتب العلية وتلك الفضائل والميزات التي اختصوا بها عن سائر الناس. وما ذلك إلا بفضلهم مع حرصهم على العلم النافع الذي به استطاعوا أن يرتقوا إلى منازل الفضل والعمل، بما كان من أخذهم بالعلم والعمل به، وقد قال الله عز وجل: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجاتٖ﴾. فمن وفق لأي فضل من فضائل هذا الدين، لا ينبغي أن يقنع وينقض عندما وفق له، إذا كان هو قد قصر في باب العلم، فلا يقولن: «متصدق حسبي الصدقة»، ولا يقولن: «صائم حسبي الصيام»، ولا يقولن: «كذلك مصلي حسبي الصلاة»، بل لا يقولن: «مهاجر ولا مجاهد حسبي الهجرة أو حسبي الجهاد»، فإن العلم من أعظم ما يجب أن يعتني به المسلم. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة الأمر بالعلم والأخذ به أمر وجوب، فجاء عند الطبراني وغيره عن عبد الله بن عباس بإسناد حسن، وجاء عن غيره: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم، طلب العلم فريضة على كل مسلم». بهذا يعلم أن ما فرط فيه الكثير من الناس من اعتزالهم لمجالس العلم، وحضور ما يجب تعلمه من فرائض الدين، أنه تقصير في واجب عظيم من واجبات هذا الدين، فالعلم هو الذي يدلك على الله، ويعينك على عبادته، والحسن في طاعته سبحانه وتعالى. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة»، وفي الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». فعلامة إرادة الله عز وجل بعبد من عباده الخير، أن يوفقه لأن يتفقه بدين الله عز وجل، وفضائل العلم كثيرة، وحسبنا بهذه الإشارات أن يعرف المسلم ما يجب عليه تجاه العلم والحرص عليه. وهكذا من فوائد هذا الحديث ومسائله: أهمية اعتناء أولياء الأمور وأرباب الرعايات صغيرة كانت أو كبيرة، بمن تحت أيديهم من أهل الرعايات، فإذا كانت هذه المرأة وهي امرأة صحابي، وكما جاء في بعض الروايات أنها أحد التابعيات، قد جهلت مثل هذه المسألة وخفي عليها حكمها، فما بالك بأهل هذا الزمان مع كثرة الجهل وانتشار أسباب الشرك ووسائله. فإن ذلك مما يدعو إلى زيادة الاعتناء والتفقد لمن تحت أيدينا من الرعية، إن كنت أبا فتفقد أهل بيتك، أو كنت أخا كبيرا فتفقد أهل بيتك، أو كنت مدرسا أو معلما، بل وإن كنت حتى ولي أمر لمن أولياء أمور المسلمين، وجب عليك أن تتفقد أمور دين العباد وأمر عقيدتهم. فإن ذلك من أعظم ما يسأل عنه الناس يوم القيامة، فإنهم يسألون أول ما يسألون عن الأمور الدينية أعظم من سؤالهم عن الأمور الدنيوية، ولهذا فإن أول ما يسأل عنه العبد إذا نزل في قبره، يسأل عن ربه وعن نبيه وعن دينه. فكذلك أرباب الرعايات وأهل المسؤوليات، فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته». ومن مسائل هذا الحديث: فيه عباد الله أن مسائل العقيدة دقيقة وفيها شيء من الخفاء، فليس العلم بأصول التوحيد ومسائل الإيمان جملة يكفي ويغني في معرفة ما يجب وما يلزم المسلم في حياته اليومية مما يكون به توحيد الله عز وجل. فإن هذه المسألة تدلنا على أن مسائل دقيقة قد تخفى على بعض من عنده شيء من العلم، فكيف بمن هو من عامة الناس ومن ليس عنده شيء من العلم، فإنه تخفى عليه أشياء أكثر وينقع في أخطاء أكثر ويقع كذلك في شيء من الشرك الأصغر والأكبر يدري ولا يدري، بسبب بعده عن العلم وعن مجالس العلم وأهل العلم. ومن مسائل هذا الحديث كذلك: فيه أهمية العلم وحفظه ونقله إلى الآخرين، فإن عبد الله بن مسعود قال رضي الله عنه وأرضاه: «إن مما حفظنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك». فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه العلم ويجلس معهم في مجالس العلم ويحفظهم مسائل العلم، ومن أعظم ما يعتني به مسائل التوحيد، فإن ذلك كذلك من مسائل هذا الحديث. فمن مسائل هذا الحديث: وجوب الاعتناء بتعلم العقيدة ومسائل التوحيد، ليس هذا لأهل العلم وحملته فقط، بل يجب على كل مسلم ومسلمة أن يعتني بتعلم العقيدة ومسائل التوحيد، بما يعبد به ربه سبحانه وتعالى على بصيرة. فإن نبينا عليه الصلاة والسلام جاء عنه في أحاديث كثيرة أنه كان يحفظ أصحابه مسائل من مسائل العلم تحفيظا واعتناء خاصا، لما في ذلك من زيادة الاعتناء بهذه المسائل من مسائل العلم، ومن ذلك مسائل العقيدة. ومما يدلك على ذلك: ما كان يبتدئ به عليه الصلاة والسلام دعوته إذا أرسل رسله، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس وعن معاذ رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذا إلى اليمن، فقال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية للبخاري: «ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله». فبين هذا الحديث مع غيره من الأحاديث الأخرى الكثيرة: أن الاعتناء بالعقيدة من أوائل ما يجب أن يعتني به أهل الإسلام، يعتني به المسلم في نفسه، ويعتني به في أهل بيته، يعتني به مع أولاده، مع زوجته، أن يتفقد أمور العقيدة، وأن يبث فيهم العلم بمسائل العقيدة. فإن المرأة إذا سلمت له عقيدتها وتم له توحيده، فعند ذلك هان غير ذلك، فإن الأمر أول ما يكون أمر العقيدة والإيمان والتوحيد، فإن تم فإنه ربما كفر غيره، إن وقع من الذنوب والمعاصي وقع، وأما إذا لم يتم أمر التوحيد، فإنه مهما كانت عنده من الطاعات ومهما كانت عنده من الحسنات، فإنها ستذهب عليه. إذ أن الخدشة في التوحيد والنقضة لأسسه سبب لإبطال وإحباط الأعمال، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَقَدۡمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا﴾. فلذلك عباد الله، إن من أوائل العلم الذي يجب أن يعتني به أهل الإسلام مسائل العقيدة، وتفقد أمرها في النفس، وفي من تحتك من رعيتك، ومن كذلك تحتك ممن لك عليه مسؤولية. ومن مسائل هذا الحديث كذلك: فيه أن من الرقى ما يكون من الشرك، والرقى هو كل ما يدعى به في طلب حصول الخير ودفع الضر، بما يكون على ألسنة الناس، فإن منه ما هو مشروع، ومنه ما هو ممنوع. فقد كان لأهل الجاهلية رقى يرقون بها، وكان كذلك لليهود وللنصارى رقى يرقون بها، فلما جاء الله عز وجل بهذا الدين، جعل الله عز وجل على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام شروطا دلت عليها معاني الكتاب والسنة، يكون بها التفريق بين الرقى المشروعة والرقى الممنوعة. وجملة ذلك فيما ذكره العلماء: أن للرقى المشروعة شروط، أول هذه الشروط: أن تكون هذه الرقى بكلام الله، بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بأسمائه وصفاته وكلامه، وما صح عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن شروط الرقى المشروعة: أن تكون باللسان العربي المبين، ومن شروط الرقى المشروعة: أن تكون كذلك بما يفهم معناه، والشرط الرابع من شروط الرقى المشروعة: أن تكون هذه الرقى ليس فيها تعلق بغير الله، بل يعتمد صاحب الرقية بالله عز وجل، بل يتعلق قلبه بالله عز وجل وحده، لا يتعلق بالراقي، ولا يتعلق كذلك بعين الرقية، بل يعلم أن الله عز وجل وحده هو الراقي. وهكذا كذلك من شروط الرقى: خامسا أن لا تكون هذه الرقية تطلب ممن هو مظنة الشرك والسحر، من أهل الكهانة وأهل الشعودة، ومن كان أمثال هؤلاء من العرافين والمنجمين وغيرهم. هذه خمسة شروط نص عليها العلماء، وزاد بعضهم شرطا سادسا: بأن تكون بكيفية مشروعة لا تكون بكيفية ممنوعة، فلو توفرت الشروط الخمسة وكانت بكيفية ممنوعة، صار من الممنوع ومن غير المشروع لما فيه مظنة الوقوع في الشرك أو وسائله. مثال الأول أي الشرط الأول: أن يكون بأسماء الله وصفاته وبما جاء في كتابه وسنة رسوله، أن يكون أمر الرقية بآيات من الكتاب الكريم، كالمعوذات وكآية الكرسي وكسورة الفاتحة، وغيرها مما في كتاب الله عز وجل، أو من الأدعية التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كرقياه عليه الصلاة والسلام للمريض. فقد ثبت في الصحيح من حديث أنس في البخاري وغيره، وجاء معنا عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا زار مريضا مسح عليه بيمينه، فقال: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفي أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقما، شفاء لا يغادر سقما»، وغير ذلك من الأدعية الثابتة الصحيحة التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بعرض الرقى عليه، ليميز بين الممنوع والمشروع، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه وأرضاه: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أن رقى كانوا يسترقون بها في الجاهلية، فما يرى في ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «اعرضوا علي رقاكم، اعرضوا علي رقاكم»، قال: «بعد ذلك لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا». فدل ذلك أن من الرقى ما يكون فيه شيء من الشرك، وهو ما كان منافيا لأحد هذه الشروط المذكورة، فما خالف وناف أحد هذه الشروط الستة، فإنه إما أن يكون فيه شرك أكبر، وإما أن يكون فيه شرك أصغر. فمن الشرك الأكبر: ما كان من استغاثات بغير الله، ممن لا يجوز الاستغاثة به، واللجوء إليه، ولو كان نبيا مرسلا أو ملكا مقربا أو صالحا من الصالحين، فضلا عمن هم دون ذلك، فإنه من الشرك الذي لا يجوز، بل لا يكون ذلك إلا من الله وبالله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا كذلك الشرط الثاني: أن يكون باللسان العربي المبين، وذلك أن اللسان غير العربي إذا ترجم به بعض الرقى المشروعة الجائزة مما في كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ربما كان ذلك مظنة للوقوع في المحذور من الترجمة غير الصحيحة وغير الدقيقة. فلأجل ذلك بين العلماء أنه لا يجوز أن يكون إلا باللسان العربي المبين، ولأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأحد ممن دخل في الإسلام وكان في من دخل في الإسلام الكثير من العجم، أنه لم يأذن لأحد أن يرقي وأن يسترقي وأن يقع في أمر الرقى بما يخالف الشرع. بل الرقى المسموح بها هي ما كان باللسان العربي، وهكذا كذلك لأن بعض ما يكون بغير اللسان العربي ربما يكون مسمى لبعض ما لا يجوز الدعاء به، فإسم الإله عند بعض العجم ربما أطلق وأريد به الرب سبحانه وتعالى، أو أريد به غير الله مما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ولذلك وغيره نص العلماء أنه لا يكون إلا باللسان العربي المبين، وهكذا الشرط الثالث: أن لا يكون إلا بما يفهم معناه، فلا تجوز الرقى بما لا يفهم ولا يفهم معناه، لما في ذلك من وسائل الشرك والشعودة التي ربما استعملها بعض السحرة والمشعودين. مثل ما يفعله بعض الناس يحشو ويدخل ويدمج في بعض آيات الكتاب بعض الرسوم أو بعض الأرقام أو بعض الحروف أو بعض الخطوط، بما يكون فيه فعل بعض السحرة والكهنة والمشعودين، فإن ذلك لا يجوز، بل ما يفعله بعض السحرة من تنكيس آيات الكتاب أو تنكيس بعض السور، كل هذا مما لا يفهم معناه، فيعلم أنه ممنوع وغير مشروع، ولو كان أصله من كتاب الله، ولو كان أصله من القرآن. لأنه ذريعة للوقوع في الشرك، وهو الذي يفعله السحرة والكهنة وأولئك المشعودون، وهكذا الشرط الرابع: أن يكون الاعتماد على الله عز وجل لا على غيره، فإن ذلك معلوم بالدين بالضرورة، بأدلة الكتاب والسنة. قال الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾، وفي الحديث المتقدم عن عائشة وأنس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، اشفي شفاء لا يغادر سقما». فلا يجوز التعلق بالراقي الذي يرقي، ولا يجوز التعلق بالرقية، فإن ذلك كذلك من المعنى الممنوع الذي لا يجوز أن يقع، لما فيه من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، إذ الشرك الأصغر كل ذريعة موصلة ومفضية إلى الشرك الأكبر. وهكذا الشرط الخامس من شروط هذه الرقى المشروعة: أن يكون ذلك أي أمر الرقية ممن لم يعرف بشيء من الكهانة والشعودة، فإن ذهاب بعض الناس في الرقى وطلبها إلى بعض من عرف بالكهانة أو اشتهر بالسحر أو كذلك شاع عنه أمر الشعودة، هذا من الممنوع ومن غير المشروع. فقد ثبت في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنا أو عرافا، من أتى كاهنا أو عرافا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فعلم بهذين الحديثين: أنه لا يجوز الذهاب إلى من عرف بالكهانة والشعودة، وغير ذلك ممن يسمى بالعراف أو المنجم أو شيخ الطريقة أو غير ذلك من المسميات، ممن هم من أهل الدجل والخرافة وأهل الشرك والشعودة. فالذهاب إلى هؤلاء لا يجوز، ولو قال القائل: «أنا أريد منهم رقياء بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم»، إذ دلت الأدلة الشرعية أن هذا لا يجوز، لما في ذلك من فتح باب الشرك والذريعة في الوقوع فيه، لكثرة الجهل في الناس، ولكثرة مكر هؤلاء وإطاعتهم الناس في حبائل الشرك، واستعانتهم بالجن وغيرهم، وهم لا يشعرون. وأما الشرط السادس: أن يكون بكيفية مشروعة لا ممنوعة، وذلك أن بعض الناس ربما يوفي الشروط الخمسة السابقة، ولكنه يقع في بعض لوثات المشركين، بما يكون من اختصاص بعض الكيفيات في ذلك. فبعض الناس ربما يذهب إلى قبر بعض الصالحين أو إلى قبة من القباب أو تابوت من التوابيت، ثم يقول: «أذهب عند الشيخ الفلاني، وأريد منه أن يقرأ على مريضي عند قبة فلان أو عند الشيخ الفلاني أو عند التابوت الفلاني»، وهو يزعم أنه إنما أراد ذلك الشفاء بالقرآن. وفي حقيقة الأمر صار أمر الحرص على هذه الكيفية في شيء من الاعتقاد الخفي الذي يعلمه هذا ويعلمه غيره، وهو أنه يظن أن بركة هذا الشيخ وهذا الولي ستصل إليه، إذ أنه يستشفي بآيات الله عند هذا القبر، وغير ذلك من الكيفيات التي يفعلها بعض الناس. فإنه من هذا المعنى، وقد سئل عبد الله بن عباس كما صح عنه رضي الله عنه وأرضاه عن أناس يستخدمون أبجد هوز في الرقى، فنهاهم عن ذلك، وبين رضي الله عنه وأرضاه أن ذلك من معنى السحر والكهانة المحرمة. مع أن أولئك كانوا يقرؤون بشيء من آيات الكتاب، ولكنهم لما كانوا يقدمون ذلك بشيء من علم أبجد هوز، إذ أنهم ربما نظروا في النجوم، فنظروا من أي نجم أنت، فأمروك أن تأتي في اليوم الفلاني أو في الشهر الفلاني أو في الساعة الفلانية. فإن هذا التخصيص فيه معنى من معاني فتح وسائل وذرائع الشرك المحرمة، فلهذا نهى عنه رضي الله عنه وأرضاه. عباد الله، إن مسائل الشرك والوقوع فيها دقيقة وخفيه، فلذلك وجب على أهل الإسلام أن يلتفتوا لأمر الاعتناء بالعقيدة وتعلم مسائلها والتفقه في دقائق وخفي أمرها، مما يكون به سلامة عقيدتهم وتوحيدهم. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يفقهنا في ديننا، وأن يبصرنا بموجب شرعنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، ومن مسائل الحديث: في هذا الحديث كذلك النهي عن اتخاذ التمائم، وأن من التمائم ما هو شرك بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال عبد الله بن مسعود: «إن مما حفظنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك». أما التمائم: فهو تعليق ما يعلق، إما على دابة أو على إنسان أو على بيت أو على غيره، يطلب به حصول نفع أو دفع ضر، سواء كان هذا المعلق من أوثار أو أحجار أو غيرها، أو كان هذا المعلق جزء من الحيوان، كما يفعله بعض الناس من تعليق ذيل الثعلب أو سن الذئب أو بعض الأعضاء والأجزاء من بعض الحيوانات وجلودها. فكل ذلك من معاني التمائم المحرمة التي هي من الشرك الذي نهى عنه ديننا، وصحت به الأحاديث الكثيرة عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن التمائم والتيولة من الشرك»، كما في هذا الحديث. وقال عليه الصلاة والسلام كما جاء عن عبد الله بن عكيم مرسلا، وجاء مؤيدا بمرسل آخر عن الحسن البصري، فصح مرفوعا: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق شيئا وكل إليه»، فعلم بهذا أنه لا يجوز تعليق شيء، لا يجوز تعليق شيء، لا على جسد الإنسان، لا يكون هذا المعلق من وتر، ولا يكون من نحاس، ولا يكون من غيره مما يعلق فيرجى به حصول خير أو دفع ضر. فما يفعله بعض العامة من تعليق التمائم بحلقة بعض الأطفال، أو ما يعلقونه على بعض الكبار، أو ما يربطونه في طرف الأقدام أو في طرف الأيدي، أو ما يعلق على العنق، أو ما يعلق على الدابة أو السيارات والمركوبات، ربما بعضهم علق طرفا وجزءا من النعل، أو علق أو ألصق ما يسمى بحلقة الخيل، وغير ذلك مما يفعله ويعلقه بعض الناس. كل ذلك من معنى التمائم المحرمة التي نصت الأحاديث الكثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه من الشرك، لما في ذلك من التعلق بغير الله، والخوف والرجاء والرغبة بغير الله عز وجل، ولا يجوز ذلك أن يكون إلا من الله عز وجل وحده. ولهذا نص العلماء أن التمائم كلها محرمة، وأنه لا يجوز تعليق شيء منها، لأن ذلك من الشرك، إما أن يكون من الشرك الأكبر إذا اعتقد أنها تنفع وتضر بنفسها، أو من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن الله جعلها أسبابا للحفظ والمنع من البلاء، والله سبحانه لم يجعلها أسبابا للحفظ والمنع من البلاء. فهو بين الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، وكل ذلك من المحرم، وهكذا كذلك على القول الصحيح من أقوال أهل العلم: لا يجوز تعليق شيء من التمائم، ولو كان هذا المعلق من القرآن، فإنه لا يجوز أن يعلق ذلك لما في ذلك أولا: مخالفة صريحة لنصوص هذه الأحاديث وغيرها، أكثر مما فيه النهي عن تعليق شيء على الأعناق أو الأجساد أو غيرها. فإن عموم الأحاديث تدل على المنع من تعليق شيء، فإنه من تعلق شيئا وكل إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجاء غيره من الأحاديث في النهي عن تعليق شيء على الأعناق أو على الأجساد أو غيرها. وثانيا: لما في ذلك امتهان لهذا القرآن، فإن في تعليق شيء من القرآن في الأعناق أو غيره فيه شيء من الامتهان لهذا القرآن، فربما هذا القرآن الذي علق على العنق دخل به الحمام أو فعل فيه ومعه ما لا يكون فيه تعظيم لهذا القرآن. وهكذا كذلك في معنى هذا: ما يفعله بعض الناس من تعليق بعض الآيات في السيارات أو تعليقه في مداخل البيوت أو تعليق شيء من القرآن في بعض الحجرات والغرف، فإن ذلك مناف لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالأولى والأكمل والأحرى والواجب هو إزالة مثل ذلك، وأن لا يفعل حتى لا يحصل الالتباس في الشيء الممنوع من الشيء المشروع، فإن المشروع هو الانتفاع بالقرآن بتلاوته وتدبره والرقى به، لا بتعليقه، فإن ذلك لم يثبت عن السلف في شيء صحيح صريح. وأما ما رواه بعض أهل العلم: أنه جاء عن بعض أبناء الصحابة أنهم كانوا يعلقون على أعناقهم شيئا من القرآن، فإنه لم يصح في قول المحققين من أهل المعرفة بالحديث، وما قد يصح منه فقد حمله العلماء على أنه كان على وجه التعليم، لا على وجه تعليق التمائم. وإنما يحمل إذا صح: أنه كان على وجه التعليم، أن يعلق في عنق الصبي ما يراجعه ويحفظه ويكرره، بما يكون من القرب منه، ليس له معنى غير ذلك، هذا هو القول الصحيح عند المحققين من أهل العلم. وبهذا يعلم خطأ ما يفعله بعض العامة من تعليق المصحف أو رسم المصحف في الأعناق أو تحت الصبي أو غير ذلك، فكل هذا من الممنوع الذي ينبغي أن يسد ويمنع حتى لا يفتح باب الشرك والذريعة في الوصول إليه. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «والتولة»: فيه كذلك تحريم التولة، وأنه من الشرك، والتولة: كل قول وفعل يفعل للتحبيب بين الزوجين والتقريب بينهما. فهناك أقوال يقولها بعض الناس توارثها بعضهم من أهل الجاهلية، وربما أخذها من بعض أهل الشعوذة والكهانة، وهكذا بعض الأفعال يفعلونها، من كسر البيضة عند عتبة الباب أو ذبح الدبيحة عند مدخل البيت أو نثر الملح في أطراف الحجرة أو غير ذلك مما