الخطبة بعنوان خلق المروءة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢ جمادى الآخر ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية الأخلاق الكريمة وارتباطها بكمال الإيمان، ويشرح مفهوم المرؤة وكمال الإنسان من خلال تحقيق حقوق الله والنفس والخلق. يشدد على ضرورة التحلي بالأخلاق الحسنة لبلوغ الخيرية.
يُفسّر المقطع المرؤة وحسن الخلق من خلال آية قرآنية وأمثلة من سيرة النبي محمد، مشيرًا إلى تأثير حسن الخلق في كمال عيش الإنسان وصلاح قلبه. يُظهر كيف مارس النبي هذه الخصال.
يُظهر المقطع أهمية مكارم الأخلاق من خلال أمثلة من حياة النبي وأصحابه، مثل إكرام الضيف والإحسان إلى الحيوان. يشدد على ضرورة التحلي بالأخلاق الملكية والابتعاد عن الأخلاق الذميمة.
يتضمن المقطع الدعاء للنبي بالصلاة والسلام وتوجيه الحمد لله رب العالمين، ويُظهر الاحترام والتقدير للنبي وأهل بيته وصحابته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أكرمنا في هذا الدين العظيم بما فيه الخير لنا في دنيانا وأخرانا. ومن ذلك أنه أمرنا بما أمرنا به من أوامره التي فيها الخير لهذا الإنسان في دنياه وفي آخراه، وهو سبحانه وتعالى غنيٌ عن تعبنا ونصبنا. ونهانا عما نهانا عنه سبحانه، وهو جل وعلا لم ينهنا عن شيء فيه الخير لنا في دنيانا وأخرانا، ولكنه نهانا عما في انتهائنا عنه الخير لنا في دنيانا وأخرانا. وهو سبحانه وتعالى العليم الحكيم اللطيف الخبير. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى جمع لهذه الأمة ما يكون به خيريتها وما يكون به كذلك طيب عيشها وكمال أخلاقها وأقوالها وأفعالها. فأمرنا سبحانه وتعالى مما أمرنا به من الأخلاق الكريمة التي لا يدعو إليها شرع فحسب، بل عقل الإنسان الكامل يدعوه إلى ذلك، وفطرته السليمة تدعوه إلى ذلك. فزاد ربنا جل وعلا الرحيم الكريم ما يحتاجه الإنسان فيما يكمل به أخلاقه في هذا الشرع العظيم من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة والآداب الكثيرة، ما يكون سببًا لخيرية هذا الإنسان في دنياه وفي آخراه. حتى جعل محافظة هذا الإنسان على هذا الخلق الحسن علامة من علامات صحة إيمانه وكماله. فقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا». فأكمل المؤمنين إيمانًا، عباد الله، من يسر الله له ما يحسن به خلقه. وقد ذكر العلماء أن المعنى الجامع الذي تجتمع به معاني الخلق الحسن ثلاثة أمور، وهي قولهم: كف الأذى، وبدل الندى، وطلاقة الوجه. فإن معاني مكارم الأخلاق تدور حول هذه الأصول الثلاثة، وتحتها من التفاصيل الشيء الكثير. واعلموا عباد الله أن خلقًا كريمًا ومطلبًا عظيمًا طولب به أهل هذا الدين. من حققه استطاع به أن يجمع جميع خصال الأخلاق الكريمة. ومن قصر فيه حرم ما يكون به أخلاقه الكريمة التي يطلبها. ذلكم المطلب هو المرؤة. المرؤة، عباد الله، هذا المعنى العظيم الذي يكون به كمال الإنسان في إنسانيته. فما سمي ما سمي الإنسان إمرأً إذا كان ذكرًا، وامرأة إذا كانت أنثى، إلا إذا كمل الذكر في إنسانيته، وكملت الأنثى في إنسانيتها. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مدارج السالكين»: «واعلم أن المرؤة كمال هذا الإنسان في إنسانيته، وذلك أن هذا الإنسان تكتنفه في نفسه ثلاث صفات: صفاتٌ حيوانية، وصفاتٌ شيطانية، وصفاتٌ ملكية. فمتى ما استطاع الإنسان أن يكبت تلك الصفات الحيوانية، وأن يضبط تلك الصفات، وأن يُصلح تلك الصفات الشيطانية، وأن يتتبع صفة الملك، فإنه كمل في إنسانيته». ثم ذكر رحمه الله أن من الصفات الحيوانية الغضب والشهوة، وغير ذلك مما هي من صفات الحيوان. وأن من الصفات الشيطانية الغش والخداع والكبر والحسد والبغي والعدوان، وغير ذلك مما هو من صفات الشيطان. وأن من الصفات الملكية صفة الإحسان والإيثار والكرم والعطاء والتواضع والبذل والرحمة، وغير ذلك من صفات الكمال التي دُعي إليها هذا الإنسان بداع الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها، وبداع العقل الذي أكرم الله عز وجل الإنسان به، وبداع الشرع الذي منَّ الله عز وجل به على خلقه بإنزاله وإكماله على هذا الإنسان. فكان بذلك كمال هذا الإنسان في إنسانيته بتتبُّعه لهذه الصفات الجميلة الحسنة في الظاهر والباطن، وفي الأقوال والأفعال التي يكون بها كاملاً في إنسانيته، مستقيمًا في حياته، مُصْلِحًا لظاهره وباطنه، مؤديًا لحق ربه وخالقه، وحق نفسه، وحق سائر الخلق. ولهذا قال العلماء، وذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «مدارج السالكين»: «ومدار المرؤة في ثلاثة حقوق: حق هذا الإنسان مع ربه ومولاه وخالقه سبحانه وتعالى، وحق آخر يتعلق بحق نفسه، وحق ثالث يتعلق بحق الخلق. فمتى ما أدَّى هذه الحقوق الثلاثة كمُل في مرؤته، ومتى ما قصر في أحد هذه الحقوق قصر في كمال نفسه، فقصر كذلك فيما يكون به صلاح دنيا وصلاح أخرى». فإذا علمنا ذلك، دفعنا ذلك، عباد الله، أن نتتبع مواضع إصلاح أنفسنا من أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة، حسية ومعنوية، يكون بها كمالنا، ويكون بها طيب عيشنا في الدنيا، وكذلك في الآخرة. وهكذا اجتنبنا وحذرنا من كل ما حذرنا الله عز وجل منه، وهكذا ما حذرنا به عقلاؤنا المستقيمة وعقولنا الكاملة. فمتى ما اجتنبناها كان لنا كمالنا في دنيانا وفي أخرانا. واعلموا عباد الله أن الله سبحانه وتعالى قد أخبرنا في كتابه الكريم بهذا المعنى في مواضع كثيرة. سئل الإمام الثوري رحمه الله تعالى حين حث الناس على المرؤة، فقال: «أتجد المرؤة في كتاب الله؟» قال: «نعم، أجدها في قول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. فإنه إذا أخذ بالعفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين، كمل في مرؤته في حق خالقه، وفي حق نفسه، وفي حق خلق الله». تأملوا هذه الآية العظيمة كيف أمرنا الله عز وجل فيها بهذه الخصال الثلاث التي تتضمن أصول الحقوق الثلاثة. أن تؤدي حق الله بأن لا تفعل ما يستحي من فعله. فإذا كنت تجتنب ما يستحي من فعله قولاً وفعلاً من الخلق، فالله عز وجل أحق أن تستحي منه، فلا يراك إلا في مواضع طاعته، ولا يجدك في مواضع معاصيه، ويكون ذلك في السر والعلن. فمتى ما بلغ بك خلقك مع ربك وخالقك هذا المبلغ، فأنت بلغت أعلى مراتب هذا الدين، وهي مرتبة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهكذا أن تؤدي حق نفسك في هذا الخلق النبيل، إن تترفع عن كل ما يشينك، وما ينقصك. وعند ذلك تكمل، ويكون كمال عيشك وطيب حياتك في الدنيا وفي الآخرة. وهكذا مع الخلق أن تجتنب ما يؤذيهم وما يشينهم. فإذا كان هذا في صغار الأمور، فكيف بكبارها؟ فإذا كان هذا بلحظة عين، أو حركة يد، أو ملبس تلبسه بظاهرك، أو كذلك فعل تفعله، فكذلك من باب أولى ما يكون من معاملتك، وحسن خلقك مع خلق الله عز وجل جميعًا، مع المؤمن ومع غيره، حتى الكافر له حق عليك، وحتى الحيوان والشجر والحجر له حق عليك. ومن مواضع هذا الخلق النبيل في سيرة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن امرأة أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بردة، وهو أحوج ما يحتاج إلى شيء يلبسه. فلما خرج وكان قد فريح بها، إذا برجل من أصحابه يقول له: «يا رسول الله، ما أحسنها، ما أجملها، لو أنك أعطيتني إياها». فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه إياها. فلامه الناس، وقالوا: «ما أحسنت، لقد علمت أنه لبسها وهو أحوج ما يكون إلى لبسها، ثم سألته، وأنت تعلم أنه لا يرد سائلاً». فقال: «والله ما سألته إلا لأن تكون كفني». فكانت كفنه، رضي الله عنه. الشاهد من ذلك، انظروا كيف كان ذلك موضعًا من مواضع كمال خلق نبينا صلى الله عليه وسلم، والذي فيه معنى من معاني المرؤة، وهو البذل على شدة الحاجة والفاقة، العطاء مع شدة الحاجة والفقر. وهذا من كمال خلق هذا الإنسان. وموضع آخر كذلك عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدلنا على الخلق الكريم الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم. في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أنهم كانوا بغزوة قبل نجد، قال: «فلما نزلنا واديًا كثير العضاه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجيش أن يقيل». قال: «فتفرقنا، فكان كل أمرئ تحت شجرة، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، وسيفه معلق فوق رأسه. فجاءه رجل أي من الأعراب فاستل سيف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رفعوا عليه، وقال: «من يحميك مني يا محمد؟» فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم والرجل فوق رأسه والسيف مصلت في يده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قول الواثق بربه سبحانه وتعالى: «الله». رفع بها ومد بها صوته، فسقط السيف من يد ذلكم الأعرابي، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من يحميك مني؟» قال: «أخ كريم أو ابن أخ كريم» أو كما قال. فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كما قيل في بعض الروايات خارج الصحيح سببًا في إسلامه وإسلام قومه. ومن مواضع حسن خلق نبينا صلى الله عليه وسلم ما ثبت في الصحيحين كذلك في قصة ثمامة بن أثال، وكان من أهل بني حنيفة الذين فعلوا ما فعلوا بالقراء، قتلوا القراء وغدروا بهم. وحين قبض على ثمامة بن أثال وأتى به إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وربط فيه. مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا ثمامة، ما عندك؟» قال: «إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعفو تجد شاكرًا». فمر عليه الثانية، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» قال: «ليس عندي إلا ما قلت لك، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعفو تعفو عن شاكر». فمر عليه ثالثة، فقال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: «ما عندي إلا ما قلت لك». فقال: «فكوا أسره». ففكوه، فذهب فاغتسل، فجاء فقال: «يا رسول الله، والله لم يكن وجه أقبح عندي من وجهك، وإني اليوم أرى وجهك أحب وجه إلي، وإنه لم يكن بلد أبغض إلي من بلدك، وإنه اليوم أحب البلاد إلي، وإنه لم يكن دين أبغض إلي من دينك، وإني اليوم أجد دينك أحب دين إلي». ثم ذكر له أنه كان خارجًا معتمرًا، فما يأمره؟ فأمره أن يمضي لعمرته، فدخل مكة، فقالوا: «أصبئت؟» فقال: «بل أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم، لا والله ما تجد منا حبة بر أو طعام حتى يأذن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم». انظروا إلى هذا الخلق الكريم كيف أثر على هذا الصحابي الجليل، فكان سببًا في إسلامه، وكان سببًا كذلك في إسلام قومه. وهكذا مواضع ذلك كثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم. فثبت في الصحيح كذلك أنه أعطى رجلاً حين سأله غنمًا بين جبلين، وهو من هو عليه الصلاة والسلام في الشدة والفاقة، وقومه من هم في الشدة والفاقة. فكان سببًا في رجوعه إلى قومه وإسلامه وإسلام قومه. فقال: «إني أتيت من عند رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر». فأسلموا، فأسلم قومه جميعًا. وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمكارم الأخلاق، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ظالمين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. واشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن من سنة سلفنا الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى في هذا الباب كذلك ما ثبت بالصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه في قصة ضيف النبي صلى الله عليه وسلم. إذ جاءه ضيف، وليس عنده ما يضيف ضيفه. فقال: «من يضيف ضيف رسول الله؟» فقام رجل، فقال: «أنا يا رسول الله». فأخذه فأتى بيته، فقال لامرأته: «ما تجدون لضيف رسول الله؟» فقالت له: «والله ما عندنا إلا طعام الصبيان». فقال: «نويميهم وسكتيهم حتى إذا ناموا، ووضعنا الطعام لضيفنا، فاجعلي كأنك تصلحين المصباح فأطفئيه، فيأكل ولا نأكل». لأنه طعام لا يكفي إلا رجلاً واحدًا. فلما كان من الغد، وفعل ما فعل بضيفهما، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورد ضيف النبي صلى الله عليه وسلم إليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عجب من صنيعكما بضيفكما البارحة». وأنزل الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. تأملوا هذا، وهم على ما هم عليه من الشدة والفقر والفاقة، لنعلم أن المرأة إذا اعتنت بإصلاح نفسها، وارتقت فيما يكون به كمالها في دينها وطاعتها لربها، وفي كذلك ما تطلب بفطرتها وكمال عقلها، نبلت في الدنيا، وهكذا كملت، وكان لها كمالها وحسن عاقبتها بإذن الله تعالى في الدار الآخرة. ومن تلك المواضع ما جاء بالصحيحين كذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً ممن كان قبلنا مر في شدة حر، وقد أصابه ما أصابه بسفره من العطش. فلما وجد الماء، إذا به يجد كلبًا كاد أن يقتله العطش من شدة الحر. فأخذ موقًا له، فقال: «والله لقد بلغ هذا الكلب ما بلغ بي وأكثر». فأخذ موقًا له، فأنزله في البئر، ونزع ما أن، فتقى ذلكم الكلب. فشكر الله له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فشكر له، فأدخله الله عز وجل بعمله ذلك الجنة». وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل، رأت كلبًا كاد أن يقتله العطش من شدة الحر. فأخذت موقها، ورمته في البئر، فسقت ذلكم الكلب. فشكر لها، وشكر الله لها، فأدخلها الله عز وجل الجنة بصنيعها. لنعلم، عباد الله، أن الإحسان الذي أمرنا به في ديننا يتناول كل شيء، حتى الحيوان. فإننا قد أمرنا بالإحسان إليه. وهذا من مكارم الأخلاق، ومن المرؤة التي طولبنا بها، وتطلبها منك فطرتك السليمة وعقلك الكامل. وهكذا إذا كان هكذا، فكذلك ما يكون بينك وبين إخوانك في هذه الدنيا. فأنت مأمور بأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ومن مواضع المرؤة، عباد الله، أن يترفع المسلم عن كل قبيح بقول، أو كذلك كل قبيح بفعل، أو كذلك كل قبيح بسر، حتى ما في سرك وما في قلبك. ينبغي أن تترفع عن تلك الأخلاق الذميمة والمطالب والخواطر السيئة التي تخطر في قلبك. لأنها من الدناءة شرعًا، ومن الدناءة فطرة، ومن الدناءة عقلاً. فإذا كنت ترى أن الوقوع في الفاحشة دناءة، وهو كذلك منقصة في عرف الناس، وفي فطرة ذوي الفطر المستقيمة، وفي عقول ذوي العقول المستقيمة، وهو كذلك بدين الله جل وعلا وشرعه. فخواطر يمر بها الشيطان في قلبك تدور حول هذا المعنى، فهي دناءة أخرى. روى الطبراني في «الكبير» والخرائطي في «مكارم الأخلاق» بإسناد صحيح عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كريم يحب الكرماء، وإن الله عز وجل يحب معالي الأمور، ويكره ويبغض سفسافها». وبهذا نعلم أن كل معنى من المعاني الكريمة العالية، فهو من دين الله الذي أمرك، ومن فطرة الله الذي فطر الناس عز وجل عليها تطلبك بها، ومن كذلك معاني العقول الصحيحة التي تقتضي المقام والوقوف عليها، ولزومها. ولذلك قال من قال من الحكماء: «لا يسود الرجل إلا مع شدة الشقاء». فلا تكون سيادة إلا مع شقاء. فإذا كان كذلك، علمت أن مكارم الأخلاق لا يتوصل إليها إلا بتعب ونصب، بمجاهدة لنفسك أن لا تقع في شيء من الأخلاق الشيطانية، أو شيء من الأخلاق الحيوانية. وأن تحرص على تتبع الأخلاق الملكية التي يكون بها تمالك وطيب عيشك في هذه الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، وأن يبصرنا بموجب شرعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ظالمين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.