من أحكام المطر

الدرس في من أحكام المطر، خطبة جمعة في مسجد التقوى 27 محرم 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شكر نعمة المطر وهدي النبي في نزوله

يتناول الخطيب أهمية شكر الله على نعمة المطر وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع نزول المطر والريح. يشير إلى ضرورة توجيه هذه النعمة في طاعة الله وعدم تحويلها إلى نقم بسبب عدم الشكر.

أحكام الصلاة في حالة المطر والمشقة

يشرح المقطع أحكام الصلاة في حالة المطر، مثل جواز الصلاة في الرحال عند المشقة وجمع الصلاتين بسبب المطر أو المشقة. كما يبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء عند نزول المطر وتأخره.

تحذير من نسبة نزول المطر إلى النجوم وتعلق القلوب بالله

النص يحذر من الاعتقاد الخاطئ بأن المطر ينزل بسبب نجوم معينة ويوضح أن نسبة نزول المطر إلى النجوم مكروهة. يجب تعلق القلوب بالله سبحانه وتعالى وليس بالأسباب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا قد أنعم على عباده بنعم كثيرة، نعم دنيوية وأخرى دينية. ينظروا، أيشكروا عباده أم لا يشكرون؟ وقد من الله عز وجل علينا عباد الله في هذه الأيام بما أنعم علينا من نعمة المطر، وما يلحق به من خيرات الله جل وعلا وبركاته. والله جل وعلا قد أخبر عباده أن نعمة الماء من أعظم ما أنعم به على الخلق، فهو أصل الحياة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. وكما امتن ربنا جل وعلا في آيات كثيرة على عباده بهذه النعمة على وجه الخصوص، لعلمه بعلم عباده أنها من أعظم ما أنعم الله عز وجل عليهم، كما قال جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. إن نعم الله جل وعلا عباد الله تقتضي شكرًا، ينبغي أن يكون من العبد شكرًا على ما أعطى الله عز وجل، يقتضي توجيهها فيما يحب ربنا جل وعلا ويرضى. وفي شكره سبحانه وتعالى فيما أعطى من سائر النعم، فإن من أعطى يريد منك أن يرى أثر هذا العطاء. فإن أنت شكرت زادك من فضله، كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَإِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. عذاب الله جل وعلا شديد على من يكفر بنعم الله سبحانه وتعالى. نعم، عباد الله، إن نعم الله جل وعلا إذا لم تشكر تحولت إلى نقم. فإن كل ما أنعم الله جل وعلا من جنده، فهو الذي يقدر سبحانه وتعالى أن يجعل النعمة نقمة، بما يكون من شكر عباده أو كفرهم. فإنهم شكروا له بتوحيده وطاعته والقيام بالعبودية له سبحانه وتعالى، جعل الله عز وجل هذه النعم تتتابع عليهم. وإنهم كفروا بنعم الله جل وعلا بالشرك به، شركًا أكبر أو شركًا أصغر، أو عبادتي غير الله جل وعلا، أو التقصير في عبادته وعدم طاعته، أو معصيته، فإن هذه النعم عباد الله تنقلب نقمًا. انظروا ماذا فعل الله عز وجل بقوم نوح، كيف جعل الله عز وجل عذابهم بهذا المطر وهذا الماء. وهكذا أمم لا تعد ولا تحصى، تنقلب عليهم بعض النعم نقمًا. فلذلك، عباد الله، كان حال أهل الإيمان مع هذه النعم ليس كحال غيرهم. فوقة يسيرة مع بعض الأحكام والآداب والسنن فيما يتعلق بهذه النعمة العظيمة، وهي نعمة المطر. أولها أن العبد يستشعر أن الله جل وعلا يبتلي بالخير والشر، فهو سبحانه وتعالى القائل: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ولهذا جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى أثر الغيم تغير وجهه عليه الصلاة والسلام، ودخل وخرج، فتتعجب عائشة رضي الله عنها منه من ذلك. فيخبرها عليه الصلاة والسلام أنه يخشى أن يكون ذلك من عذاب الله الذي يبعثه على بعض عباده. ثم ذكر عليه الصلاة والسلام قول الله جل وعلا في من ظنوا أن ذلك عارضًا ممطرهم: ﴿وَإِذَا رَأَوْا سَحَابًا مُسْتَقْبِلَةَ أَفْوَاهِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يتغير وجهه إذا رأى الغيمة أو أثر الريح عليه الصلاة والسلام. فكيف بنا نحن عباد الله، ونحن قد ابتلينا بما ابتلينا به من ذنوب أنفسنا وذنوب غيرنا؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فإن ذلك عباد الله يقتضي تصحيح أعمال أنفسنا، وهكذا كذلك دعوة غيرنا لتصحيح أعمالهم، بما يوافق شريعة الله جل وعلا والقيام بعبوديته على الوجه الذي يحب ربنا جل وعلا ويرضى. فإن ذلك مقتضى إرسال النعم وتواليها، وضد ذلك هو مخاوف إرسال النقم وما كان بمعناها. عباد الله، وكان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام إذا رأى الريح، ريح المطر أو غيره، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، كان يقول: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به». فلا نأمن من مكر الله، عباد الله، لا نأمن من مكر الله. عباد الله، ينبغي أن تتعلق قلوبنا لله جل وعلا، عبودية وطاعة وخضوعًا وذلًا بألسنتنا وقلوبنا وجوارحنا. ومن ذلك عباد الله أن نقوم بما أمرنا الله جل وعلا به. ومن ذلك هذا الذكر الذي يقتضي الاعتراف بالعبودية لله سبحانه وتعالى وحده، المسخر لهذه النعم جميعًا جل وعلا. ويقتضي تصحيح ما ينبغي أن يصحح قبل هذه النعم وحين نزولها وبعدها. وهكذا كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام أنه إذا نزل الغيث، كان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يكشف عن بعض ثيابه أو عن بعض جسده، فيسأل عن ذلك عليه الصلاة والسلام فيقول: «إنه حديث عهد بربه»، يرجو بركة هذا المطر عليه الصلاة والسلام. وهذا يقتضي اعترافًا بهذه النعمة من الله سبحانه وتعالى، وتطويع هذه النفس على أن تسخر وغيرها من نعم الله في طاعة الله جل وعلا ومرضاته. وهكذا كان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا نزل المطر، قال: «اللهم صيبًا نافعًا»، يدعو الله جل وعلا بلسان الحال وبلسان المقال أن يكون ذلك مما يكون به النفع لا مما يكون به الضرر. فأنت كذلك أخي المسلم، استن بسنة نبيك عليه الصلاة والسلام، أدع بلسان مقالك بهذا الدعاء: «اللهم صيبًا نافعًا». وادع بلسان حالك بطاعتك لربك وقيامك بعبوديتك له، مما يقتضي أن يكون ذلك نافعًا غير ضار. وهكذا كان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا تأخر المطر، دعا الله عز وجل، إن كان في يوم جمعة، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، دعا الله عز وجل أن يمطرهم، فيقول: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». قال أنس: حين جاء ذلك الرجل فدخل المسجد، فذكر أنس أنه ليس بينهم وبين الجبال التي حول المدينة شيء من سحاب ولا غيره. وأنه حين دعا النبي عليه الصلاة والسلام ظهرت سحابة كالترس، فتوسطت في السماء، فنزل المطر بدعاء نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: فأمطروا سبعة أيام كاملة. فجاء الرجل من الجمعة الأخرى، فجاء يشكي النبي عليه الصلاة والسلام أن الأموال هلكت وأصيبوا ما أصيبوا بكثرة الماء. فدعا الله عز وجل أن يجعل هذا المطر على الآكام وضروب الأودية وبطونها، ويقول: «اللهم حولينا ولا علينا، اللهم على الأكام والضراب ومنابت الشجر». فاستجاب الله عز وجل دعاءه، فحبس الماء. وهكذا كذلك أنت يا عبد الله، إذا توالى المطر بما كان مقتضاه الضرر، فإنك تدعو بهذا الدعاء الذي دعا به النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذه الأحكام، عباد الله، أن الله جل وعلا خفف عن العباد بعض العبادات، رحمة منه وتيسيرًا جل وعلا لعباده. وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وهو القائل سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. فمع كل عسر قدري يبتلى به العبد، يجعل الله جل وعلا معه يسرًا قدريًا آخر بعد الثبات عند البلاء، ويسرًا شرعيًا يجعله جل وعلا من التخفيفات في الأحكام الشرعية. فمن رحمة الله وحكمته بعباده سبحانه وتعالى أن يسر لهم من الأحكام ما يسر في مثل هذا المقام. من ذلك أن صلاة الجماعة واجبة على ذكور المسلمين البالغين الأصحاء المقيمين. ولكن إذا جاء المطر وحصلت المشقة، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة في الرحال. وكانت هذه اللفظة تقال على ثلاث كيفيات: أحيانًا تجعل بدلًا من قول المؤذن: «حي على الصلاة، حي على الصلاة»، يقول: «صلوا في رحالكم، صلوا في رحالكم». وأحيانًا يؤمر المؤذن، فتقال بعد قوله: «حي على الصلاة، حي على الصلاة»، «صلوا في رحالكم، صلوا في رحالكم»، أو «الصلاة في الرحال، الصلاة في الرحال». وأحيانًا يؤمر المؤذن بعد أن يفرغ من أذانه وينتهي منه، فيقول: «لا إله إلا الله»، يؤمر بأن يقول: «الصلاة في الرحال، الصلاة في الرحال». ثلاث كيفيات وردت عن نبينا عليه الصلاة والسلام من فعله وتقريره. فثبت بالصحيح من حديث عبد الله بن عباس في يوم جمعة أن عبد الله بن عباس كان على المنبر، وأذن المؤذن، فلما بلغ: «حي على الصلاة، حي على الصلاة»، أمره أن يقول: «صلوا في رحالكم، صلوا في رحالكم». فلما خطب الناس، بيّن لهم أنه صنع كما صنع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم مطر. وهكذا كذلك من هذه التخفيفات أنه يشرع للناس أن يجمعوا بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لأجل المطر، إذا كان في ذلك تيسيرًا وتخفيفًا للناس. إما إذا كثر الوحل في طريق الناس ذهابًا وإيابًا، أو تكاذفًا، أو نزل المطر بما يكون فيه مشقة، أو ما كان بمعنى ذلك مما فيه مشقة. فثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر. وفي رواية: من غير سفر ولا مطر. فبين عبد الله بن عباس حين سئل: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. فاستنبط العلماء من هذا الحديث مسائل: أولها أنه يجوز الجمع بين الصلاتين، الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، سواء جمع تقديم أو جمع تأخير، على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، لأجل مشقة المطر. هل يلحق في هذا النساء في البيوت؟ اختلف أهل العلم في ذلك. والصحيح أن النساء شقائق الرجال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في جامع حديث عائشة: «إن النساء شقائق الرجال». فإذا كان مشقة على النساء، فإنه يرخص لهن كذلك أن يجمعن، ولو كن في البيوت، بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، عند وجود المشقة. ومن المشقة البرد الذي تضعف بعض النساء عن تتابع الوضوء معه. ومن المشقة كذلك العمل الذي يلحق بعض النساء عند نزول الأمطار، من دفع ما قد يحتاج إلى دفعه أثناء نزول الأمطار. فقل بيت من بيوت ضعفة المسلمين إلا ويكون فيها من ذلك ما هو من المشقة المقتضية للترخيص. فلهذا كان القول الصحيح أن النساء شقائق الرجال في ذلك، إذا وجدت المشقة. ومما كذلك يستفاد من هذا الحديث، جواز الجمع في السفر، وهكذا كذلك عند الخوف، جمع تقديم أو جمع تأخير، على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وفيه كذلك أن الجمع لا ينحصر في هذه الخصال الثلاث، بل وما كان في معناها مما فيه مشقة، فيجوز الجمع بين الصلاتين إذا وجدت المشقة، من معنى المطر، ولو لم يوجد المطر، كأن يكون هناك سيول، ولم يكن هناك مطر، وكان في جريان هذه السيول مشقة في ذهاب الناس وإيابهم للصلاة وانتقالهم. أو كذلك ما يلحق من أعمال تدفع بها أضرار هذه السيول، أو ينتفع معها من خيرات هذه السيول، مما يعرف أهل الزرع وأهل الأرض، فإنه عند ذلك يرخص لهم، ولو لم ينزل المطر، ولكن وجد أثر من آثاره، يرخص لهم الجمع بين الصلاتين. وهكذا كذلك ما كان بمعناه من شدة البرد أو شدة الريح، سواء في وقت الصيف أو في وقت الشتاء، مما يكون معه الضرر ويكون معه المشقة، فيرخص في ذلك ما رخص في ذلك، لقول ابن عباس حين سئل: قال: أراد أن لا يحرج أمته، أي أن يرفع الحرج عن هذه الأمة. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأحكام أنه ينبغي للناس أن يراعوا أحكام الله عز وجل، من الامتثال للواجبات والوقوف عند حدود الله. فليست الرخص سببًا للتساهل وتضييع الواجبات، بل الرخص مقتضي لشكر الله عز وجل على نعمه. فإن من الناس من ربما يخرج الصلاة عن وقتها بحجة أن اليوم يوم مطر، وهذا لا يجوز. فلا يجوز لك يا عبد الله أن تؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، ويجوز لك أن تجمع بين الصلاتين التي يجوز جمع الصلاة معهما. فلا يجوز تأخير صلاة العصر إلى ما بعد المغرب أبدًا في كل حال، لا يجوز ذلك. ويجوز أن تجمع العصر مع الظهر إذا وجدت المشقة. ولا يجوز تأخير العشاء أو تأخير الفجر بعد خروج وقته. ويجوز أن تجمع العشاء مع المغرب. ولا يجوز أن تصلي الفجر إلا في وقتها، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. وكما قال الله عز وجل، محذرًا من تأخير الصلاة عن وقتها أو عن وقتها: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال ابن عباس وغيره: أما إنهم ما تركوا صلاتها بالكلية، ولكنهم أخروها عن وقتها. واحذر أن تكون يا عبد الله ممن قال الله عز وجل فيه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. عباد الله، وإن مما ينبغي عليه من الأحكام والآداب أن الله جل وعلا شرع رخصًا أخرى، يستفاد منها في مثل هذه الأيام، وفي غيرها مما يحتاج إليها. ومن ذلك المسح على الخفين أو الجوربين أو ما يسمى بالشوارب. فإن من رخص الله عز وجل في أمر الطهارة من الحدث الأصغر، أي في الوضوء، أن الرجل يجوز، وكذلك المرأة، يجوز لهما أن يمسح كل واحد منهما على الجوربين، أي ما يسمى بالشراب، أو كذلك الخفين، وهي النعال التي تغطي القدمين إلى ما فوق الكعبين. ولكن هذا الحكم، عباد الله، له شروط، وله كذلك تفاصيل ينبغي للمسلم أن يتعلمها. ومن ذلك أنه لا يمسح على الخف أو الجورب إلا إذا توفرت فيه شروطه. ومن شروطه أن يكون هذا المسح من الحدث الأصغر، لا من الحدث الأكبر، أي لا يمسح من الجنابة، وإنما يمسح لأجل الوضوء. ومن ذلك أنه كذلك لا يمسح على خف ولا جورب إلا إذا كان قد لبس هذا الخف أو الجورب على طهارة، يعني أنه توضأ وضوءًا كاملًا، فغسل رجليه، وبعد غسل رجليه لبس هذا الخف، فعند ذلك إذا قد لبسه على طهارة، جاز له إذا انتقض وضوءه من حدث أصغر، أن يمسح عليه إذا كان في مدته. ومن هذه الشروط أن للمسح مدة معلومة، دل عليها الدليل الشرعي عن النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك أن المسافر رخص له أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، يكون ذلك من ابتداء أول مسحة. فإذا مسح يوم السبت الساعة الثانية عشر، فإنه يجوز له المسح إلى ثلاثة أيام بعد هذه المسحة. فيمسح إلى ثلاثة أيام إن كان مسافرًا. وإن كان هو مقيمًا، فيمسح من بعد هذه المسحة يومًا وليلة، أي أربعًا وعشرين ساعة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي، بسند صحيح مسلم وغيره. وهكذا كذلك من شروط المسح أنه لا يمسح إلا على الخف المجزئ شرعًا. ومن ذلك أن يكون الخف يغطي أكثر القدم، فلا يضر انكشاف بعض أطراف القدم بخرق أو نحوه، كشراب فيه خرق من أسفله أو من جهة إصبع من الأصابع. فإن ذلك لا يمنع من المسح عليه، على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه رخص لأصحابه أن يمسحوا على العصائب والتساخين، كما جاء في السنن بإسناد صحيح عن ثوبان رضي الله تعالى عنه. أنه رخص لهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين. والعصائب ما يربط على الرؤوس لدفع البرد أو الحر، كالعمائم وغيرها. والتساخين ما يربط على الأقدام، ليس هو بالجورب أو الشراب، ولكنه بمعناه. فلم يكن الناس في ذاك الزمان يتيسر لهم ما يتيسر للناس بهذا الزمان. فإذا احتاجوا إلى سفر طويل، أن يحموا أقدامهم من شدة الحر أو من شدة البرد، ولم يكن عندهم ما يلبسون على الأقدام، ربما لفوا عليها اللفائف، فيحتمون بها من شدة حر أو برد. فرخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وهذا كما قال العلماء يدل على المعنى الذي سمعتم. بل جاء عن بعض الصحابة ومن بعدهم ما يدل على إجزاء المسح على المخرق إذا لم يكن ذلك أكثره، بل كان أقله. وهكذا، عباد الله، ينبغي أن تعلم أن المسح على الجوربين، كما أنه رخصة رخص لك فيه، فيجب عليك كذلك أن تراعي الوقوف عند حدود الله جل وعلا، أن تقف عند حدود الله، بأن لا تتعدى ما رخص لك في هذه الأحكام. وأخيرًا، عباد الله، ينبغي علينا أن نعلم أن هذا الذي أنعم الله عز وجل علينا به هو منه سبحانه فضل من فضله، لا يشاركه أحد من خلقه فيه سبحانه وتعالى. فما كان من خير فيه، فهو خالص لله جل وعلا وحده، يتوجه بالشكر له وحده سبحانه. وهكذا يتوجه بطلبه منه سبحانه وتعالى وحده، لا يتوجه إلى غيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صالح من الصالحين. فإن توجه إلى غيره سبحانه، كان هذا بين الشرك والكفر الأكبر أو الشرك والكفر الأصغر. فما يصنعه بعض الناس من التوجه إلى غير الله في طلبه أو دفعه عند حصول ضرره، فإنما هو من الشرك الذي يحبط الأعمال. إما أن يكون من الشرك الأكبر إذا اعتقد أن غير الله يملك إنزاله أو منعه، كما يظنه بعض المشركين قديمًا ويظنه بعض المشركين حديثًا. فبعض المشركين، والعياذ بالله، يظن أن وليًا من الأولياء قد غضب لعدم القيام بحقه والتقريب له، وغير ذلك من الخرافات والخزعبلات. فعند ذلك يسرعون إلى تقديم النذور وإنشاء الزيارات الشركية وغير ذلك. وكل هذا من آثار الجاهلية وصور من صورها، بل هي وثنية بكيفية وصورة أخرى. وهكذا كذلك ما ينافي كمال توحيد الرب جل وعلا في هذا الباب، بما يكون من الشرك الأصغر، إذا اعتقدت أن مع الله جل وعلا سببًا يشارك الله جل وعلا في هذا الخير، فهذا كذلك من الشرك، ولكنه الشرك والكفر الأصغر. ففي الصحيحين من حديث زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم يوم الحديبية على أثر مطر من السماء. فالتفت إلى أصحابه فقال: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح منكم مؤمن بي وكافر». فأما من قال: «مطرنا بنوء كذا وكذا»، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي. وأما من قال: «مطرنا بفضل الله ورحمته»، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب. فنبه النبي صلى الله عليه وسلم لشيء كان عند بعض أهل الجاهلية، ولا يزال مثله ونظيره إلى يومنا هذا. إذ بعض الناس يعتقدون أن هذه الأمطار تنزل بنجوم معينة ومنازل معينة، فيقول: هذا نجم الهقعة أو هذا نجم كذا، وهو وقت نزول المطر. ومعناه أنه ينزل بهذا النجم. فهذا خطأ وليس بصحيح. قال النووي رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن من قال: مطرنا بكذا وكذا بغير الله، يريد أنه منزل المطر، فهو كافر بالله كفرًا أكبر. قال: فإن قال: أنه مطر بنجم كذا، يريد أنه ينزل معه أو أنه وقت له. قال: فقد اختلف أهل العلم في ذلك. فمن أهل العلم من كرهه، ومن أهل العلم من أجازه. قال: والصحيح عندنا أنه مكروه. فيكره أن تنسب، ولو نسبة ليست كاملة، إلى نجم من النجوم نزول شيء من الأمطار والخيرات، ولو قلت: هذا وقته. فإن الله جل وعلا في الحقيقة، وإن جعل لهذا الكون نظامًا وقانونًا ووقتًا لنزول كذا أو نزول كذا، لكنه قادر جل وعلا أن ينزل الشيء في غير وقته، وأن يأتي به في غير وقته، يمنعه في وقته ويأتي به في غير وقته، وهو على كل شيء قدير. فلذلك، عباد الله، ينبغي أن لا تتعلق قلوبنا بالأسباب، بل تتعلق قلوبنا بمسبب الأسباب، وهو الله سبحانه وتعالى. لأن تعلقنا بالله سبب لكمال عبوديتنا له، ولزيادة نعمه سبحانه وتوحيدنا وإخلاصنا له. كما أن تعلقنا بغير الله جل وعلا سبب لأن نوكل إلى ما تعلقنا به. ومن تعلق بشيء وكل إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يبغض ويأبى، وأن يرزقنا غيثًا مغيثًا مريعًا طيبًا نافعًا غير ضار. اللهم ارزقنا غيثًا مغيثًا نافعًا غير ضار. اللهم ارزقنا غيثًا مغيثًا نافعًا غير ضار، يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.