موسم الصيام والحج

الدرس في موسم الصيام والحج، خطبة جمعة للشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله حول اغتنام موسم الصيام والحج ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الصيام وحكمه ومقدماته

يتناول هذا الفصل فضل الصيام وحكمه، حيث يبين أن الله عز وجل فرض الصيام على المسلمين لتحقيق التقوى. كما يعدد العديد من الفوائد والحكم من صيام شهر رمضان.

مراتب الصيام وفضائل شهر رمضان

يُبين هذا الفصل أن الصيام له مراتب، وأعلىها صيام القلب عن السيئات، ويُشير إلى فضائل رمضان وأعمال النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ويحث على صيام رمضان وقيامه بإخلاص.

مخالفات يقع فيها الصائمون وتوجيهات للاجتهاد في رمضان

يحذر هذا الفصل من مخالفات يقع فيها بعض الصائمين مثل إضاعة الفرائض والإسراف في الطعام، ويشدد على أهمية الاجتهاد في الطاعة ومراعاة أحكام الدين في رمضان.

أهمية صلاة الجماعة واستغلال رمضان في الطاعات

يؤكد هذا الفصل على أهمية صلاة الجماعة ويبين أنها فرض على الرجال المسلمين، ويشدد على ضرورة التفقه في الدين واستغلال شهر رمضان في العبادات مثل الدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لقد منَّ الله عز وجل علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى. وإن من عظيم ما أنعم به علينا ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إن الله عز وجل فرض علينا فرائض كثيرة في شرعه ودينه، وكان ما فرض سببًا لصلاح الناس في دينهم ودنياهم. ومن ذلك عباد الله هذا الموسم العظيم الذي أقبل علينا، موسم الصيام والقيام، موسم شهر رمضان المبارك. هذا الشهر العظيم الذي خصه الله عز وجل بخصائص وميزه بمميزات، وما ذلك إلا من رحمة الله عز وجل بعباده أن تفضل عليهم، لأن جعل لهم مواسم من مواسم الخيرات يجتهدون فيهم في الطاعات، ويتداركون ما فاتهم من أعمالهم مما كان غفلًا عن الزمان الفاضل. فكان الله عز وجل بإيجاده مثل هذه المواسم العظيمة التي تضاعف فيها الحسنات وتستودع فيها الطاعات، ويجتهد فيها بأنواع القربات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. عباد الله، هذا الشهر العظيم الذي جعله ربنا سبحانه وتعالى شهر الصيام والقيام والاجتهاد والإكثار من الطاعات. فهو القائل سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فكتب الله عز وجل علينا الصيام كما كتبه على الذين من قبلنا، وهو غني عن جوعنا وعن عطشنا وعن تعبنا ونصبنا سبحانه، ولكنه كتب ذلك عباد الله حكمة منه لأن يصل التقوى إلى قلوبنا. فإن للصيام فوائد وحكم، ومن أعظم فوائده وحكمه أنه سبب لدخول التقوى إلى القلوب. فالله عز وجل لأجل ذلك كتب هذا الصيام، وهذه الفريضة ليس على هذه الأمة فحسب، بل على الأمم التي سبقت. قال بعض أهل العلم في هذا إشارة إلى أهمية الصيام وعدم استغناء العبد عنه، فإنه سبب لطهرته وزكاته وحصول التقوى في قلبه، فإنه طهرة لإيمانه ودينه. فبه يتخلى عن الآفات والآثام وعن الشرور والسيئات، بما يكون من إقبال قلبه وجسده إلى الله عز وجل، وصلته بربه سبحانه في ليله ونهاره. ذلك يورث التقوى لا شك. وهكذا كذلك سبب لإزالة الآفات والسموم من الجسد، لما يكون من حبس الطعام والشراب، وإزالة السموم والآفات لما يكون من صيام هذا العبد. فلله حكمة فيما فرض وشرع، فله الحمد والمنة سبحانه. وإن للصيام حكمًا أخرى كثيرة لا يستوعب المسلم أن يحصرها، فضلًا أن يدعي أنه قد حاط بها علمًا. ومن هذه الحكم عباد الله أن هذه العبادة والفريضة صلة بين العبد وربه، يقيم بها العبودية لله عز وجل. فإنه متى ما أقام هذه العبودية بقيامه بهذه الفريضة، فإنه يكون على صلة بربه. ولهذا ينزل عليه من الإيمان واليقين، ومن الإقبال على الطاعات ما لا يكون إذا لم يكن متلبسًا بهذه الفريضة. وهكذا من فوائده وحكمه أن هذه الفريضة كذلك سبب لكسر شهوة النفس الأمارة بالسوء. من شهوة الفرج وشهوة الأكل والشرب ومطامع الدنيا الكثيرة التي لا تنقطع. فإنه يكون بإق، وأدائه لهذه الفريضة انكسار لهذه الشهوة، وهوان وظهور هوان هذه الدنيا، وإقباله وتذكره في الدار الآخرة. ومن فوائده وحكمه كذلك عباد الله أن هذه الفريضة سبب لاستحضار واستذكار نعمة الله عز وجل عليك. من نعمة الأكل والشرب، ونعمة الصحة والعافية، ونعمة الرزق والبسط فيه. فإنك تتذكر بصيامك وابتعادك عن لذاتك وشهواتك ما أنعم الله عز وجل عليك من نعم لا تعد ولا تحصى. فتعرف قدر نفسك، وتعرف قدر ربك الذي أنعم عليك من عدم، وأعطاك من لا شيء. فله الحمد والمنة سبحانه. وبهذه الفريضة كذلك تتذكر يا عبد الله حال كثير من الفقراء والمساكين والمعوزين والمحتاجين الذين يبيتون الليالي، وتمر بهم الأيام وهم في جوع وعطش مستمر. بينما أنت يأتي إليك ختام هذا اليوم فتأكل ما تشتهي وما تلذ. وعند ذلك تستحضر واجب المسلم عند المسلم، وما يكون من مواساته، وما يكون من إعانته. ولهذا فإن العبد يكثر من الإحسان في هذا الشهر ما لا يكون في غيره. ومن حكمه كذلك عباد الله أن الله عز وجل جعل هذه الفريضة فريضة جماعية لكل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في شهر واحد وفي وقت واحد يصومون جميعًا ويفطرون جميعًا. فكان من حكمة الله جل وعلا في هذه الفريضة تقوية أواصر الإيمان والإسلام، وسقوط كل الروابط الأخرى الدنيوية. ويكون بذلك الاعتزاز بصلة أهل الإسلام بإسلامهم، وأهل الإيمان بإيمانهم. فلا دعوة شعوبية ولا انتماءات قبلية ولا صلات ولا فخر بأحساب ولا أنساب، ولكنه فخر بالاتصال بدين الإسلام، وبمسمى الإيمان. ومن فضائله وحكمه كذلك ما يكون في هذا الشهر من حصول معنى الإيمان والأمن والطمأنينة والإقبال إلى الله جل وعلا. فهو سبب لإيجاد مجتمع إسلامي إيماني تطبيقي، لا يمكن للناس إيجاد شيء مثله بمثل ما وجده الله عز وجل بفرض هذه الفريضة. فترى الناس جميعًا لا يرون أمامهم إلا مسميات الإيمان والإسلام، ولا يتكلمون إلا بمسميات الإيمان والإسلام. وذلك من فضل الله عز وجل إذ فرض هذه الفريضة، وجعل الناس يقبلون عليها. وهكذا له من الحكم الشيء الكثير، لا يسع المقام لذكر الكثير منه، فضع عن حصره واستيعابه. واعلموا عباد الله أن الله عز وجل إذ فرض هذه الفريضة فرضها لحكمة عظيمة، ولمقصد جليل، ولوصول التقوى إلى قلوبنا. ولم يصل هذا التقوى عباد الله إلى قلوبنا إلا أن نؤدي هذه الفريضة كما أحب ربنا ورضيه، وكما أراد سبحانه وتعالى من عباده أن يفعلوا. ولذلك وجب على المسلم أن يستحضر، وأن يتعلم ما أمره الله جل وعلا به في هذه الفريضة. أول ذلك عباد الله أن الله عز وجل لم يمنعنا في هذا الشهر عن الطعام والشراب والشهوة فحسب. فإن الصيام مراتب ودرجات. أعلى مراتب هذا الصيام يا عبد الله أن تصوم عن الطعام والشراب والشهوة، وعن السيئات والخطيئات والآثام. وأن يقبل قلبك على الله جل وعلا لا يلتفت إلى غيره. ودون ذلك من يصوم عن الطعام والشراب والشهوة، ولكنه يخلط صيامه عن هذه الحسيات بوقوعه في شيء من المعاصي، وشيء من المخالفات والآثام. فيكون كما قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». كما صح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فليعتبر وليتعب المسلم أن لا يكون من هؤلاء الذين أتعبوا نهارهم بالصيام، ثم لم يكن لهم من ذلكم الأجر شيء. وذلك لأنهم ما فعلوا حقيقة الصيام، ولم ينتفعوا من هذا الصيام. فـ «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والنصب». فلا تكن أحد هذين الرجلين عباد الله، ولكن ليكن ممن يعمر هذا الشهر بالطاعات والقربات والمنافسة كذلك في أعلى المنازل والدرجات. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب على الطاعة والقربة والاجتهاد في رمضان بقوله وفعله ما لم يكن في غير رمضان عليه الصلاة والسلام. فهو القائل حين سئل: «أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة رمضان». وهو الذي كان عليه الصلاة والسلام كما قال عبد الله بن عباس فيما جاء في الصحيح: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. فلرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة». فكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعبد الناس، وكان أعبد ما يكون في رمضان. فهو عليه الصلاة والسلام كان يحب الصيام ويكثر منه. وفي رمضان حين يصوم لله عز وجل يجمع بين الصيام وغيره من الأعمال والطاعات والقربات. فمن ذلك تفرغه لدراسة القرآن وتعلمه، كما سمعنا في حديث عبد الله بن عباس. ومن ذلك كثرة جوده وإنفاقه ونفقته وصدقته عليه الصلاة والسلام. فهو القائل كذلك كما جاء عند أحمد وغيره من حديث زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا». ولهذا كان سلفنا رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم يكفرون في شهر رمضان من إطعام الطعام، ومن تفطير الصائمين، ويكفرون من الصدقة، ومن الصلة امتثالًا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإنهم علموا أنه عليه الصلاة والسلام كان يحثهم على الخير، وكان يشد في الحث عليهم في شهر رمضان. فهو القائل عليه الصلاة والسلام: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام». كما ثبت من حديث عبد الله بن عباس، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر. وهكذا هو القائل عليه الصلاة والسلام كذلك: «أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام تدخلوا جنة الرحمن بسلام». فصلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحث أمته في غير رمضان على هذه الفضائل، فكيف برمضان عباد الله؟ وهذا كذلك قيام الليل، كان عليه الصلاة والسلام يحب قيام الليل حتى أنه كان يقوم حتى تتشقق قدماه. كما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنه قام عليه الصلاة والسلام حتى تفطرت قدماه. وفي رواية للنسائي حتى أدمت وتشققت قدماه، يعني نزل دم رجليه عليه الصلاة والسلام من شقوق رجليه. فقالت: «يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال عليه الصلاة والسلام: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». وهذا كان أصحابه رضي الله عنهم أرضاهم كما وصفهم الله عز وجل: «كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم». فكانوا يسابقون في الخيرات، وفي رمضان كانوا يزدادون خيرًا واجتهادًا ومسابقة. فاحرص يا عبد الله على صيام هذا الشهر إيمانًا واحتسابًا، وعلى قيامه إيمانًا واحتسابًا. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». ومعنى إيمانًا واحتسابًا، أي إيمانًا بفرضه، واحتسابًا لثوابه من الله عز وجل، لا عادة توافق بها الناس، ولا مجاملة وحياء تريد بذلك ألا يؤخذ عليك شيء. ولكنك تفعل ذلك إيمانًا بفريضة الله وشريعته، وابتغاء وجه الله عز وجل ومرضاته، ليس لشيء غير ذلك. إنما هو الإخلاص لله سبحانه. وبهذا نعرف أن الصيام الكثير من الناس الذين يجاملون في صيامهم، فيكون من ثمرة ذلك تضييع هذه الفريضة، بما يكون من تضييع الفرائض فيها. فلا حظ لصائم تارك لصلاته. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». رواه أحمد وغيره من حديث بريدة. وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». فمن صام رمضان من دون صلاة، ضيع الصلوات، وتعمد بترك الصلاة، فلا حظ له في صيامه، ولا حظ له ولا أجر في جوعه وعطشه، ولكن حسبه من شهر رمضان الجوع والعطش. فاحذر أخي المسلم أن تكون ممن صام رمضان لأجل مجاملة الناس، ولأجل موافقة عادة الناس، وأن لا يؤخذ عليك من قصر. ولكن سمِّ شهر رمضان ابتغاء وجه الله، وامتثالًا لأمر الله جل وعلا في صيامك كله. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، إذا علمنا فضيلة هذا الشهر العظيم، وما فيه كذلك من الحكم التي بها يعرف كل مسلم أهمية أداء هذه الفريضة، لما فيه من الخير له في دينه وفي دنياه. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إن الله عز وجل يقول: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقائه بربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». فانظر يا عبد الله إلى هذه الفضائل والخصائص والمزايا، بها تعرف ما منَّ الله عز وجل عليك بهذه الفريضة. وهنا نحذر من بعض المخالفات التي يفعلها بعض الصائمين. فإن الكثير من الصائمين كما سمعتم لم يقبلوا على هذا الصيام إقبالًا على الله عز وجل خالصًا، ولكنهم يجارون المجتمع ويسايرون الناس. فلذلك فربما أضاعوا بعض الفرائض، بل وربما بعض أركان الإسلام التي بها ليس فقط يفسد الصيام، يفسد عليهم الدين جميعًا. ومن ذلك ترك الصلاة كما سمعنا. وهكذا كذلك أن نعلم أن الصيام وشهر الصيام هو شهر الاجتهاد، وليس شهر الكسل والخور والنوم. فإن من الناس من يضيع نهاره بالنوم، وليله باللهو والقيل والقال، والعكوف عند أجهزة التلفاز والدشوش وغير ذلك من المحرمات والمنكرات. وهذا والله وبال عليهم، وضياع لهذا الموسم العظيم في هذه الأيام المعدودات. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء من حديث عبد الله بن مسعود، وبمعنى من حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن عباس: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع». وفي رواية: «عن خمس». ومن ذلك: «عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». وهكذا كذلك عباد الله من يضيع أيام رمضان ولياليه ونهاره في القيل والقال، واللعب الباطل واللهو الذي فيه الغفلة، وكذلك فيه تضييع لهذا الموسم العظيم. مثل اللعب بالبطيخة، والكيرم، والدمنة، والشطرنج، وغير ذلك مما هو في الحقيقة شيء ينافي ما أمرنا به من الاجتهاد في الطاعة والقربة، وقراءة القرآن، والذكر والتسبيح والدعاء، والصدقة، وسائر أعمال الخير والبر. وفي الصحيح، صحيح مسلم، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله أحب لكم ثلاثًا، وكره لكم ثلاثًا. كره لكم: القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». ومن هذه المحاذير كذلك عباد الله أن من الناس من لم يتفطن أن هذا الشهر هو شهر الإقبال على الله عز وجل، والتقليل من الشهوات. وعند ذلك فالمقصود من الصيام المقصود من الصيام هو الابتعاد والتفرغ لله عز وجل. الابتعاد عن الشواغل والشهوات، والتفرغ لعبادة الله عز وجل في شهر واحد من أشهر السنة كاملة. ولكن بعض الناس لم ينتبه لهذا المعنى، فصار عدم أكلهم وشربهم في نهار رمضان يعوض في ليله بأضعاف أضعاف ذلك. فربما أكلوا في ليل رمضان ما لا يأكلونه في غيره من الليالي الأخرى، أضعاف أضعاف ما يأكلون في نهار رمضان. وعند ذلك كثر إقبال الكثير من الناس، ذكورًا وإناثًا، على شراء أصناف الأطعمة، وصنوف المأكولات. بما يكون فيه الوقوع في الإسراف والتبذير. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فلا نكون من المسرفين عباد الله، ولا نكون كذلك من المبذرين. حسبنا أن نأخذ من الطعام ما نشتهي، مما يكون به حاجتنا وسداد رغبتنا، لا ما يكون فيه المبالغة والاستكثار، والوصول إلى الصحاف الكثيرة مما لا يؤكل، ويكون ثمرته إلى القمائم وغيرها. وليس معنى ذلك عباد الله أننا نحرم على الناس أن يأكلوا مما أحل الله من المباحات، وصنوف الأطعمة. لكن معنى ذلك أن نأخذ ما نحتاجه، لا نأخذ الكثير الذي يكون سرفًا وقدرًا نحاسب عليه يوم القيامة. وأخذ كذلك من ذلك تنبيه الأمهات التي في البيوت أن شهر رمضان ليس شهر المطبخ، ولكنه شهر التوجه إلى الله عز وجل. فحسبها من الأطعمة ما يحتاجه أهل البيت، طبرًا عن أن يكون ذلك للجيران، وإلى دور كثيرة يكون فيه ضياع الأوقات، وفوات الأعمار، وذهاب هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. وهكذا كذلك عباد الله، ها هنا نصيحة إلى أولياء الأمور من الآباء والأمهات والإخوة الكبار وغير ذلك، فيما يتعلق بالأبناء. فإن الكثير من الأبناء في شهر رمضان يغيبون عن بيوتهم في ساعات الليل الطويلة. لما يكون به الشر والفساد ما لا يكون في غير رمضان. ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيح من حديث ابن عمر: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته. الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». إلى أن قال: «ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». وفي صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة». فأين أنت يا أيها الصائم في نهار رمضان، وولدك في الشوارع في العبث والضياع، وربما في مخالطة أهل السوق؟ وأين أنت كذلك في ليالي رمضان وأنت مع شلة اللهو والقيل والقال، وابنك في الشوارع كذلك ربما مع أهل السوق؟ ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في السنن من حديث أبي هريرة: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وهذا كذلك عباد الله لنعلم أن من آداب هذا الشهر أننا نتعفف مع هذا الشهر في سائر أحكام هذا الدين. سوى كان في بيتنا أو كان في بيوت الله عز وجل. فبيوت الله لا أحكام، لا بد أن تراعى ويجب أن تتعلم حتى لا يتعدى المسلم حدود الله عز وجل. ومن ذلك أن المرأة التي تريد بيوت الله لحضور صلاة القيام عليها أن تراعي أن لا تفعل محذورًا شرعيًا. فلا تخرج وهي متبرجة، أو يكون حجابها ليس بحجاب كامل، أو أن تكون متبخرة أو متطيبة. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد حذر من ذلك كله. وهكذا كذلك يا عبد الله احذر أن تستحق معك من يشوش على المصلين صلاتهم. فأنت محاسب على ذلك. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إياكم وعشاة الأسوار». وهكذا كذلك احرص على صلاة الجماعة، خصوصًا صلاة الفجر وصلاة العشاء. فإن الكثير من الناس ربما يقابل السنة فيعجل السحور، فيكون في ذلك النوم عن صلاة الفجر. أو كذلك يتأخر من الإفطار والراحة، فيتأخر عن صلاة العشاء وصلاة الجماعة. فريضة على كل مسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لقد هممت أن آمر رجلًا فيصلي بالناس، فأتي إلى قوم يتخلفون عن الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم». وما منعهم من ذلك عليه الصلاة والسلام إلا أن في البيوت من الشيوخ والنساء والأطفال من يحتاجون إلى هذه البيوت. فعلم بهذا وبغيره من الأدلة الأخرى أن صلاة الجماعة من الفرائض التي أوجبها الله عز وجل على ذكور المسلمين البالغين. فلذلك يجب علينا أن نحرص على ذلك. وهكذا كذلك يا عبد الله احرص على أن تتفقه في دين الله عز وجل، بما تعبد الله عز وجل على بصيرة في هذا الشهر. فتحرص على الدعاء والاستغفار، وتعلم الأدعية بما يعينك على استغلال هذا الموسم على أحسن ما يكون. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يبغض ويبغضه، وأن يجعلنا ممن يصوم هذا الشهر أحسن الصيام، ويقومه أحسن القيام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.