أركان الإسلام والتحذير من الحج لغير بيت الله الحرام

الخطبة بعنوان أركان الإسلام والتحذير من الحج لغير بيت الله الحرام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 شعبان 1445هـ الموافق 16 فبراير 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الفرائض في إصلاح الإنسان والمجتمع

الدين الإسلامي يحوي أوامر وآداب لإصلاح الإنسان، والفرائض مثل الصلاة والزكاة والصيام تعين على طاعة الله وتزكي النفس. الفرائض لها حكم عظيمة في تحقيق إصلاح الإنسان في نفسه وأهله ومجتمعه.

دور الصلاة والصيام في تحقيق التقوى وتكفير الذنوب

الصلاة والصيام ركنان أساسيان في الإسلام، ينهيان عن الفحشاء والمنكر ويقويان الصلة بين العبد وربه، ويكسرا شهوة الإنسان ويجلبان التقوى. كلاهما من أسباب تكفير الذنوب والخطايا.

التحذير من البدع والشركيات في العبادات والزيارات

يُحذر من البدع والشركيات مثل زيارة قبر نبي الله هود وتعظيم القبور وإقامة العبادات عندها، ويُنادي بضرورة التعاون لنهي المنكرات وكف المفسدين عنها. كما يدعو الله لإصلاح أحوال المسلمين ونصرتهم.

التفريغ النصي الكامل

هذا الدين العظيم دين الإسلام الذي يحوي من الأوامر الربانية والآداب النبوية ما هي كفيلة في إصلاح هذا الإنسان في نفسه وأهله ومجتمعه، في ظاهره وباطنه، في عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه وسلوكه. فرض علينا الصلوات الخمس فريضة منه سبحانه لأجل أن تصلح أجزادنا، فتكون بيننا وبينه سبحانه وتعالى صلة مستمرة نحقق فيها معاني العبودية، ونسأله سبحانه وتعالى ونتقرب إليه، فيكون قربنا منه سببًا لرحمته وإعانته ونصرته وتأييده وتوفيقه، يكون قربنا منه سببًا لإصلاح قلوبنا واستقامة جوارحنا. وكذلك إقامة ألسنتنا على الوجه الذي يحبه ربنا سبحانه وتعالى. فرض هذه الزكاة قهرًا لقلوبنا وأموالنا، وتزكية لنفوسنا، وإعانة لإخواننا من الفقراء والمساكين، فيكون من التكافل المجتمعي ما يكون به إخراج المال من الأغنياء ليدخل على الفقراء، حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء كما هو حال الكافرين والفاجرين، حكمة منه سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾. من أعظم حكم الصيام يلب التقوى لهذا الإنسان، فإن الإنسان في الصيام تنكسر شهوته، ويقترب من ربه وخالقه بما يكون من تفرغه في شهر الصيام لأصناف الطاعات وأنواع المبرات، فيكون ذلك عونًا له لعبادة ربه وخالقه. ولذلك فإننا نجد في الناس من الإقبال على الطاعات وأصناف القربات في شهر رمضان ما لا يكون في سائر أشهر العام. حقيقة الأمر أن طائفة يتأكلون باسم الدين ويترزقون باسم حب الأولياء والصالحين، وما حقيقة الأمر إلا كما قال القائل. القبقبة للولي والفائدة للقيوم. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ السادس من شهر شعبان لعام 1445 من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالشحر، حرسها الله تعالى. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى فرض علينا في هذا الدين العظيم فرائض عظام ليخرجنا بهذه الفرائض من عبادة غيره إلى عبادته، وأن نعبده سبحانه وتعالى بما يرضاه، شرع لنا من الشرائع وجعل لنا من الدين ما نكون به في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة في أحسن تقويم. جعل لنا سبحانه كتابًا نهتدي به، ووحيًا يأخذ بنا إلى الدين القويم والصراط المستقيم. من ذلك عباد الله أن الله سبحانه وتعالى جعل لهذا الدين أركانًا وجعل له مراتب، فأول مراتب هذا الدين الإسلام الذي يقوم على مباني عظام، مباني هذا الدين دين الإسلام الذي لا يقبل الله من الناس دينًا سواه، كما قال سبحانه: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. وهكذا جعل لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذا الدين من المباني العظام ما يقوم به ديننا وتصلح به عبادتنا لربنا. هذا الدين العظيم دين الإسلام الذي يحوي من الأوامر الربانية والآداب النبوية ما هي كفيلة في إصلاح هذا الإنسان في نفسه وأهله ومجتمعه، في ظاهره وباطنه، في عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه وسلوكه. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. فهذا الدين العظيم يتناول جوانب الحياة كلها، لأنه دين كفيل بإصلاح هذا الإنسان، أنزله الله عز وجل الذي خلق الخلق، فهو يعلم ما يصلحهم سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾. جعل لنا من مباني هذا الدين كلمة التوحيد التي بها نعبده سبحانه وحده ونترك عبادة من سواه، تعقد قلوبنا على هذه الكلمة توحيده سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، بأن نفرده سبحانه وتعالى في معاني ربوبيته وأفعاله سبحانه وتعالى التي اختص بها، وأن نفرده سبحانه بمعاني ألوهيته بأن نفرده سبحانه بأفعال خلقه، نفرده بمعاني ربوبيته من أفعاله كالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك مما هو من خصائص فعله سبحانه وتعالى. وهكذا نفرده بأفعال عباده وخلقه بأن لا نعبد إلا إياه ولا نسجد إلا له ولا نسأل ولا ندعو إلا هو سبحانه ولا نستغيث إلا به ولا نرجو إلا هو سبحانه، هكذا سائر العبادات. نسألها ربنا العظيم الكريم الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير، الذي إذا شاء شيئًا قال له: كن فيكون. هذا الرب العظيم الذي كل من في السماوات والأرض له مربوب، ندعوه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، الذي لا يشابهه فيها أحد من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ندعوه فنسأله ونرجوه ويعطينا، ولا أحد يرغب سواه، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. هذه عباد الله هي العبادة، أن تتعبد لله عز وجل وحده، تعلم أنه الخالق والرازق والمدبر وحده، فتصرف عبادتك له وحده، قلبك وجوارحك تلتفت إلى ربك وخالقك وحده سبحانه وتعالى، لا تشرك معه غيره ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو صالحًا من الصالحين، لعلمك أن كل من سواه مربوب له سبحانه مفتقر إليه ضعيف ناقص يحتاج إلى الله سبحانه وتعالى الخالق الرازق المدبر سبحانه وتعالى. وهكذا من مباني هذا الدين العظام أن تعبدنا سبحانه بعبادات هو غني عنها سبحانه وتعالى، ولكنه تعبدنا بها لأجل أن تصلح قلوبنا وتصلح جوارحنا وتستقيم حياتنا. فالذي خلق الخلق سبحانه يعلم ما يصلحهم، ولذلك شرع لهم من الفرائض والواجبات والأوامر والمستحبات ما هي كفيلة بإصلاح هذا الإنسان في ظاهره وباطنه وفي أقواله وأفعاله، وهو الحكيم الخبير سبحانه وتعالى. فرض علينا الصلوات الخمس فريضة منه سبحانه لأجل أن تصلح أجزادنا، فتكون بيننا وبينه سبحانه وتعالى صلة مستمرة نحقق فيها معاني العبودية، ونسأله سبحانه وتعالى ونتقرب إليه، فيكون قربنا منه سببًا لرحمته وإعانته ونصرته وتأييده وتوفيقه، يكون قربنا منه سببًا لإصلاح قلوبنا واستقامة جوارحنا. وكذلك إقامة ألسنتنا على الوجه الذي يحبه ربنا سبحانه وتعالى. وإلا فالله سبحانه غني عن تعبنا ونصبنا، كما قال سبحانه في هذه الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، هذه حكمة من حكم كثيرة جعلها الله عز وجل في هذه الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه وخالقه. ولولا هذه الصلة لصار العبد ليس بعبد. ولذلك كانت الصلاة أول مباني هذا الدين العظام، وأول ما يسأل عنه الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا، وإذا أقيم ليوم الحساب، فإن أول ما يحاسب عليه الناس الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله. وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وهكذا أيضًا جاء عند أبي داود وغيره بإسناد حسن من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا». وهكذا في حديث جبريل المشهور المعلوم في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه في قصة جبريل وتعليمه المسلمين دينهم بسؤاله عن مراتب هذا الدين. وكان من ذلك أن قال: «أخبرني عن الإسلام»، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». وفي الصحيحين من حديث ابن عباس، ومعناه من حديث معاذ رضي الله عنه أنه لما أرسله إلى اليمن قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإنهم أجابوك إلى ذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، ثم ذكر الزكاة وسائر شرائع الدين». أيها المسلمون عباد الله، هذا قليل من كثير من عظيم منزلتي الصلاة في هذا الدين. وهكذا أيضًا فرض الله عز وجل الزكاة قرينة الصلاة، لم تذكر الصلاة إلا وقرنت بالزكاة، كما قال الله سبحانه: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، وكما جاء في الحديث المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فرض هذه الزكاة قهرًا لقلوبنا وأموالنا، وتزكية لنفوسنا، وإعانة لإخواننا من الفقراء والمساكين، فيكون من التكافل المجتمعي ما يكون به إخراج المال من الأغنياء ليدخل على الفقراء، حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء كما هو حال الكافرين والفاجرين، حكمة منه سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾. فالله غني عن أموالنا وغني عن صلاتنا وغني عن سائر تعبنا ونصبنا، ولكنه لحكمة عظيمة شرع لنا هذه الفرائض ليكون بذلك الخير لنا في هذه الدنيا والآخرة. وهكذا أيضًا من مباني هذا الدين العظام صيام رمضان، صيام رمضان الذي هو من الفرائض العظام، وثالث مباني هذا الدين العظام بعد الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ثاني مبانيها من أركان هذا الدين العملية الصيام الذي فرضه الله سبحانه وتعالى كما فرضه على الأمم السابقة، وله من المحاسن العظيمة والآثار النبيلة في إصلاح هذا الإنسان، إصلاح ظاهره وإصلاح باطنه، إصلاح أحواله وأقواله، بما يكون من جلب التقوى إلى قلبه، وانكسار الجوارح في ظاهره، فيكون بذلك إعانة لهذا الإنسان أن يكون لبنة صالحة في المجتمع، يعين على الخير والبر ويبتعد عن ما سواه من الشر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فإن من أعظم محاسن هذا الدين ومن أعظم معانيه الكريمة وأوامره النبيلة أن أمر بمثل هذه العبادات والطاعات، وصنوف القربات والمبرات التي بها يصلح هذا الإنسان ويصلح مجتمعه. فإن من أعظم حكم الصيام جلب التقوى لهذا الإنسان، فإن الإنسان بالصيام تنكسر شهوته، ويقترب من ربه وخالقه بما يكون من تفرغه في شهر الصيام لأصناف الطاعات وأنواع المبرات، فيكون ذلك عونًا له لعبادة ربه وخالقه. ولذلك فإننا نجد في الناس من الإقبال على الطاعات وأصناف القربات في شهر رمضان ما لا يكون في سائر أشهر العام. ومن أسباب ذلك كونه أدى هذه الفريضة فريضة الصيام التي تكسر شهوته وتحجبه عن كذلك ما يكون منافيًا لتقوى الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الإنسان يجد من النشاط ومن الرغبة في فعل الخير في هذا الشهر وفي وقت الصيام ما لا يجده في غيره. وهذا قليل من كثير من محاسن الصيام. كذلك من محاسنه أنه يتأمل أثر الجوع على نفسه، فينظر لحال الفقراء الذين يدوم بهم الجوع، ويؤثر فيهم الضمان، فعند ذلك يدفعه ذلك للصدقة وللإحسان والبر. ولذلك كان كذلك الحث على الصدقة في هذا الشهر أكثر من غيره. ففي الصحيح من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. فشهر رمضان شهر المبرات والمسابقة في الحسنات، جعله الله عز وجل موسما من مواسم الخيرات، وموضعا من مواضع التنافس في الحسنات، لأجل أن يستزيد المسلم من الحسنات وينافس في المبرات، فيكون ذلك سببًا لتكفير سيئاته إن وجدت في سائر العام. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فالصلاة إلى الصلاة من محاسنها أنها تكفر الذنوب والخطايا، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن، بشرط أن تجتنب الكبائر كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهو موسم عظيم من مواسم الخيرات، ومواضع التنافس في المبرات. ولهذا جعل فيه من أصناف العبادات والطاعات، وصنوف القربات ما يكون سببًا في استزادة الحسنات. ففيه الصيام والصدقة، وفيه القيام، وفيه الاعتكاف، وغير ذلك من أنواع قراءة القرآن وذكره سبحانه وتعالى، وغير ذلك من أصناف الطاعات. وجعل الله عز وجل فيه يومًا هو خير من ألف شهر، يوم نزل فيه القرآن، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾. هذه الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي في شهر رمضان، وكما قال سبحانه: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. وهذه الليلة هي ليلة القدر التي جعل الله عز وجل من عظيم فضلها ورفيع درجتها أنها تضاعف فيها الأعمال بأكثر من ألف شهر. قدره بعض العلماء أن هذه المضاعفة تبلغ أكثر من خمس وثمانين سنة يعملها العامل، فما عملت في تلك الليلة من أعمال صالحة، صلاة أو صدقة أو نفقة أو قيام أو قراءة قرآن أو غير ذلك من أنواع الطاعات والقربات، يضاعف لك أضعافًا كثيرة بأكثر من ألف شهر، كما قال سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. وما دراك ما ليلة القدر؟ ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر. هذه الليلة اختبأها ربنا سبحانه وتعالى، وجعلها في هذا الشهر، فطلبها النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح في العشر الأواخر من رمضان. ففي صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأواخر من رمضان يطلب ليلة القدر، فخفف الله عز وجل ورحم هذه الأمة، فجعلها محصورة في العشر الأواخر، فلذلك يشرع في العشر الأواخر من الطاعات والقربات والاجتهاد بصنوف الطاعات ما يرجى معه أن يدرك صاحبها ليلة القدر، فتضاعف له الحسنات، ويكون بذلك قد فاز بهذه الليلة العظيمة التي لطالما طلبها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. أيها المسلمون عباد الله، هكذا المسلم يتنقل بين أنواع الطاعات وصنوف القربات من واجبات ومستحبات، يكون بها قد ارتقى بدينه وإيمانه في درجات الإيمان وسلم الإسلام، حتى يرتفع إلى أعلى الدرجات. هذا هو دين الله الذي به تزكى النفوس وتطهر القلوب. وهكذا أيضًا من مباني هذا الدين حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا، كما قال الله عز وجل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾. فمن استطاع أن يحج بتمكن صحته ووجود الزاد والراحلة وما كان بمعناها من النفقة، فإنه يجب عليه أن يحج بيت الله الحرام ويتهيأ لذلك. فإذا فتح المجال لذلك وكانت عنده الاستطاعة كحال أيامنا هذه، فليبادر بالتسجيل وليبادر بتهيئة نفسه ليحج بيت الله الحرام، لأنه ركن من أركان هذا الدين العظام، ولا يكتمل هذا الدين إلا بحج بيت الله الحرام إن كان يستطيع ذلك. ومن كان لا يستطيع فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ومن كان واسعًا من المال فليتصدق على إخوانه الذين لا يستطيعون، فإن له بمثل أجرهم، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له بمثل أجر من دعا لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». فأنت إذا عند أخيك على فعل هذه الفريضة كان لك من الأجر. ويجوز على القول الصحيح من أهل العلم إعانة غير المستطيع للحج من زكاة المال، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحج إلى بيت الله الحرام من سبيل الله، أن يجوز أن ينفق عليه من صنف ما هو من سبيل الله الذي هو أحد أصناف الزكاة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما بعد عباد الله، فبينما حجاج بيت الله الحرام يتهيأون لحج بيت الله الحرام بالزاد والراحلة والنفقة والتسجيل وغير ذلك مما أمرهم الله عز وجل بالاستعداد به لحج بيت الله الحرام، تعظيمًا لله رب العالمين وأداءً لفريضة من فرائض هذا الدين العظام، نجد أصنافًا من الناس وفئات من الناس من يضاهي هذه العبادة بإقامة ما يضاهيها من الشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات. فيقيمون أعيادًا وزيارات فيها مضاهاة للحج إلى بيت الله الحرام، وهو ما يسمى بزيارة نبي الله هود، هذه الزيارة المحدثة التي لم يعرفها الصحابة ولا التابعون ولا تابعوهم بإحسان. فبالله عليكم لو كان هذا خيرًا هل كان سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أتقى الناس وهو أحرص الناس على الخير؟ هل كان يخفيه ربنا العظيم الكريم الرحيم عن هذه الأمة، ووحيه سبحانه ينزل على نبيه صلى الله عليه وسلم؟ ولكن أحدثه بعض الدخلاء الذين دخلوا في هذا الدين، فأحدثوا الكثير من البدع والضلالات والخرافات والوثنيات والخزعبلات وغير ذلك من أكل أموال الناس في الباطل، فأحدثوا هذه الزيارة زعمًا منهم أن نبي الله هود قبر في ذلك المكان. وليس هذا بصحيح، فقد نص غير واحد من أهل العلم أنه لا يعلم مكان قبر نبي من الأنبياء حاشا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقط. وأما غير الأنبياء فلا يعلم مكانهم. ثم إن الكثير من هؤلاء يدعون أماكن أخرى يدعون أنها مكان نبي الله هود، فأهل العراق عندهم مكان يجمعون أنه مكان نبي الله هود، وهكذا أهل الشام، وهكذا أيضًا مواضع أخرى، كلهم يدعون أن قبر نبي الله هود عندهم. ثم هب أنه كذلك، فإنه لا يجوز في دين الإسلام أن تعظم هذه القبور فيرحل إليها أو تقام العبادات عندها، فإن هذا من طريقة من ضل من أهل الكتاب من أهل الوثنيات والشركيات. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». قالت عائشة رضي الله عنها: «ولولا ذلك أبرز قبره صلى الله عليه وسلم». أي أن الله عز وجل اختار أن يموت في حجرتها، وقد سمعوا منه عليه الصلاة والسلام أن الأنبياء يدفنون حيث ماتوا، لذلك دفن حيث هو في حجرة عائشة. قالت عائشة: «لأجل أن يحفظه الله فلا يغلو في قبره أحد». بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». فعلم أن من قبور الأنبياء والصالحين ما صارت أوثانًا تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. وهذا وأمثاله ونظائره يقع في قبور كثيرة يزعم أنها قبور أنبياء أو قبور أولياء أو قبور صالحين، يأتي إليها الناس، هذا يطلب الولد، وذاك يطلب المدد، وذاك يطلب العافية، وذاك يطلب الشفاء، وذاك يطلب الرزق، وهذا كله شرك بالله. فإن الذي يجيب المضطر إذا دعاه هو الله سبحانه وتعالى وحده، فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته العظيمة لعبد الله بن عباس: «ولكن القوم لا يفقهون». وانظروا كيف يضاهون الحج إلى بيت الله الحرام، كأنهم يصنعون صنيع أبي لهب حين كان يقف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو إلى الإسلام. وهؤلاء يقفون بين يدي الحجاج يمنعونهم من الحج إلى بيت الله الحرام. ولذلك من مقولاتهم: أن من زار هود كذا وكذا مرة أغناه عن حج بيت الله الحرام، يسقطون عنه حج بيت الله الحرام الذي هو ركن من أركان الإسلام العظام بزيارة هود كما زعموا. فلذلك جعلوا له من المناسك ما هي تنافس وتضاهي مناسك الحج، فتبدأ الزيارة في يوم الثامن من شعبان، يبدأ هؤلاء الزوار بهذه الزيارة من يوم الثامن، ثم يذهبون إلى ما يسمى بموضع الصلاة فيصلون ركعتين كما يصلي الزائر إلى بيت الله الحرام ركعتين عند المقام. وهكذا يطوفون بقبر هنالك كما يطوف الحجاج بكعبة الله وبيت الله. وهكذا يقعدون ثلاثة أيام كما يقعد الحجاج في منى ثلاثة أيام. ثم يوم العاشر يكون عيدهم وذبحهم كما يكون يوم العاشر من ذي الحجة عيد المسلمين الذين يذهبون إلى حج بيت الله الحرام. وهكذا عندهم نهر يزعمون أنه نهر هود، يتزودون منه من الماء ويغتسلون كما يتزود الحاج من ماء زمزم. وغير ذلك من الشركيات والوثنيات التي تقع في تلك البقاع من سؤال غير الله ورجاء غير الله والذبح لغير الله والنذر لغير الله والطواف بغير بيت الله. ومن ذلك الاختلاط المحرم والمعازف والمنكرات وغير ذلك مما يحصل في تلك البقاع، كل هذا مضاهاة لدين الإسلام ومنادة لحج بيت الله الحرام. أيها المسلمون عباد الله، متى يتفقه المسلمون فيعرفوا أن هذه المنكرات هي سبب تخلف المسلمين، وهي سبب ما يصيب المسلمين من مصائب؟ فقد قال الله عز وجل: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. وإن من أعظم الفساد وأكبر الإفساد ما يكون في باب التوحيد وباب الشرك، فما يقع من الشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات هذه والله من أعظم المنكرات التي يجب على جميع المسلمين الراعي والرعية والكبير والصغير أن يتعاونوا في النهي عنها وكف المفسدين عن الإفساد بها. وعدم تأكل المتأكلين بهذه الزيارات وارتزاقهم بمثل هذه الاجتماعات. حقيقة الأمر أن طائفة يتأكلون باسم الدين ويترزقون باسم حب الأولياء والصالحين، وما حقيقة الأمر إلا كما قال القائل: القبقبة للولي والفائدة للقيوم. نسأل الله سبحانه أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في فلسطين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في غزة. اللهم ادفع عنهم كل وباء وكل ما يصيبهم، وارفع عنهم كذلك بغي هؤلاء اليهود ومن شايعهم ومعاونهم. اللهم انصر المسلمين، اللهم انصر المسلمين في كل مكان وفي فلسطين يا رب العالمين. اللهم ادفع عن المسلمين في العراق وليبيا وسائر بلاد المسلمين وبلادنا خاصة يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولا تمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.