حكم وأسرار الصيام

الخطبة بعنوان حكم وأسرار الصيام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 27 شعبان 1445هـ الموافق 8 مارس 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة فرض الصيام وتأثيره على تقوى الله

فرض الله الصيام لتحقيق تقوى الله في قلوب العباد، وتقوى الله تعني صلاح الإنسان في ظاهره وباطنه. الصيام يساعد على تحقيق التقوى من خلال إزالة فضلات الطعام والشراب والشهوات.

فوائد الصيام وأحكامه في الإسلام

الصيام يربي النفس على التقوى والانضباط، ويعين على إصلاح القلب والروح، ويحث على التكافل الاجتماعي والتقرب إلى الله تعالى. كما يمنح الصائمين أجرًا عظيمًا دون تحديد مقدار.

تحذير من إضاعة ثواب الصيام والمعاصي في رمضان

يجب على المسلم أن يحافظ على ثواب صيامه ويبتعد عن المعاصي، وعلى أولياء الأمور مسؤولية كبيرة في تربية أبنائهم ومراقبتهم خاصة في شهر رمضان. يجب على المسلمين أن يتسامحوا ويصلحوا بينهم.

التفريغ النصي الكامل

فرض الله عز وجل صيام شهر رمضان لحكمة عظيمة وغاية بليغة، بل له من الأحكام والحكم والأسرار والغايات والأغراض والثمار الشيء الكثير. فالله العظيم الكريم الرحيم الذي خلق الخلق علم ما يصلحهم، سبحانه وتعالى، وهو القائل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ومن حكم الصيام أنه سبب لإصلاح هذا الإنسان، بتعوده على أنواع الطاعات والقربات. فقد جعل الله عز وجل في هذا الشهر المبارك من أصناف الطاعات والقربات ما هو سبب للحسنات ورفعة الدرجات. فإذا اجتهد الصائم فيها عود نفسه على فعل هذه الطاعات، فتهون عليه بينما كان بينه وبينها عقبة. وجعل للصائمين كذلك أثر في إصلاح أقوالهم وأفعالهم. وكما يعتنون في الإمساك عن الطعام والشراب، فإنهم يعلمون أن السر الأعظم هو تقوى الله وحفظ الجوارح بصيامها عن كل ما يغضب الله. فاحذر أيها المسلم أن تجعل هذا الشهر تمريرا للخصومات واستشفاءا لإغاظة أهل العداوات، بل ينبغي أن تجعله شهر رحمة وشهر تسامح وسبب لتحصيل الحسنات بالتوبة والاجتهاد في الطاعات والقربات. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسألون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فرض الله عز وجل صيام شهر رمضان لحكمة عظيمة وغاية بليغة، بل له من الأحكام والحكم والأسرار والغايات والأغراض والثمار الشيء الكثير. فالله العظيم الكريم الرحيم الذي خلق الخلق علم ما يصلحهم، سبحانه وتعالى، وهو القائل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فالذي علم الخلق سبحانه علم ما يصلحهم جل وعلا، فشرع لهم من شرائع دينه وأمرهم من أوامر حكمته ما يكون به صلاح هذا الإنسان في عاجل أمره وآجله، في ظاهره وباطنه، لروحه وجسده. ومن ذلك أن فرض ربنا سبحانه وتعالى الحكيم الرحيم الصيام، وهو غني عن جوعنا وعطشنا وتعبنا ونصبنا، ولكنه سبحانه وتعالى علم أن للصيام من الغايات العظيمة والمقاصد والأهداف البليغة ما يكون لها الأثر الحسن لهذا الإنسان في ظاهره وباطنه، وعاجل أمره وآجله. ومن أعظم هذه الحكم ما ذكر في هذه الآية العظيمة، وهو تقوى الله سبحانه وتعالى. تقوى الله الذي بها يكون صلاح هذا الإنسان في حاله ومآله، تقوى الله الذي يكون به إصلاح هذا الإنسان في ظاهره وباطنه، وعاجل أمره وآجله. هي وصية الله عز وجل للأولين والآخرين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. تقوى الله التي لعظم أمرها وكبير منزلتها كان يكرر النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بها في آيات التقوى في كل خطبة يخطبها عليه الصلاة والسلام. والتقوى عباد الله لو كان يشترى بالمال لاشتراه الناس من غابر الزمان، ولكنه أمر عظيم لا يتوصل إليه الإنسان إلا بجهد جهيد يتعِب جسده ويجاهد قلبه وشهواته ونفسه الأمارة بالسوء. فعند ذلك يصل إلى بعض التقوى، وإذا أراد أن يصل إلى أعلى درجاتها وأكبر منازلها فهو يحتاج إلى جهاد أعظم وأكبر. ويتضمن الوصول إليها أمرين اثنين، أولهما التخلية، وثانيهما التحلية. أن يخلِّي الروح والجسد عن كل ما يصرفها عن تقوى الله عز وجل. فما مثل تقوى الله إلا كماء صاف عذب لا يمكن أن يبقى في صفائه وعذوبته إلا أن تنقِّيه من شوائبه، وأن تصفيه مما يكدِّره. وكلما اجتهدت في تصفيته ظهر ذاك الماء الصاف النقي، وكلما نقَّيته من كدره كان ذاك العذب الزلال. وهكذا كذلك الناس في تقوى الله سبحانه وتعالى، بحسب جدهم واجتهادهم في هذين الأمرين العظيمين. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى: «لما كان القلب أعظم ما يصلح هذا الإنسان، وكان بصلاحه صلاحه، جعل الله عز وجل أسبابا لصلاحه، ومن ذلك أن جعل الصيام الذي يكون به إزالة فضلات الطعام والشراب والشهوات، فتكون سببا في تحقق التقوى لهذا القلب». ولذلك جاء في تفسير حقيقة الصيام قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري ومسلم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فشهر رمضان وفريضة الصيام شهر الجد والاجتهاد والمجاهدة في تصفية الروح والجسد من أخلاطها وشوائبها. فإذا كان كثرة الطعام والشراب سببًا لتراكم الفضلات، فيكون بذلك ثقل الجسد وثقل القلب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى ها هنا» يشير بإصبعه إلى قلبه ثلاث مرات. فإن محل التقوى هو القلب، وإما يعين على إصلاح القلب إصلاحه بإخراج وإبعاد تلك الفضلات. ففضلات الطعام والشراب والشهوة من المشغلات ومن الصوارف للوصول إلى أعلى درجات التقوى. وأعظم من ذلك ما يكون من التوسع في المباحات أو الوقوع في بعض المحرمات. ولهذا كان من حكمة الله عز وجل أن أمر بأصناف من الطاعات والقربات في هذا الشهر المبارك، وجعله محلا للجد والاجتهاد والتنافس في الطاعات والقربات للوصول إلى أعلى الدرجات. حتى يعمر وقته بأنواع الخير، فيحلي هذا القلب والجسد بما يكون به صلاحه وكماله وتمامه. ويعينه على ذلك ما يكون من خفته ببعده عن الملهيات والشهوات والمحرمات، بل ومعظم المباحات مما يكون سببا في تراكم الفضلات. فكما أن الجسد يصح والبدن كذلك يسلم بعدم كثرة الطعام والشراب والشهوة، فكذلك الروح والقلب يصح. أهل البدانة محل الأمراض ومكتنز الأسقام. وهكذا كذلك القلب والروح، كلما نقيت من الفضلات كان ذلك أعونا لها. ولهذا جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب لمن لم يستطع الزواج أمره بالصيام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». فإن من حكم الصيام كذلك أنه كما أنه سبب للتقوى، فهو سبب للإتقاء. فالصيام جنة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو وقاية، أي يقي به المسلم نفسه من طروق الشر والسيئات. فإذا صام الصائم جلب لنفسه التقوى، وانكسرت نفسه، وضعفت جوارحه على أن تتجبر أو تتكبر، فيحصل له من الانكسار والتواضع ما يقربه من ربه سبحانه وتعالى وطاعته. وهكذا من حكم الصيام أن ذلك الانكسار مع ما يكون من فقد الطعام والشراب سبب لتذكر حال الفقراء والضعفاء والمساكين. ومن حكم الصيام أنه سبب لإصلاح هذا الإنسان بتعوده على أنواع الطاعات والقربات. فقد جعل الله عز وجل في هذا الشهر المبارك من أصناف الطاعات والقربات ما هي سبب للحسنات ورفعة الدرجات. فإذا اجتهد الصائم فيها عود نفسه على فعل هذه الطاعات، فتهون عليه بينما كان بينه وبينها عقبة. كم من الناس من استصعب واستفقل الصيام في غير شهره، شهر رمضان، بينما إذا جاء رمضان خف عليه الصيام وسهل عليه، ووجد له لذة وفرحة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان». وهكذا من حكمه ما يكون من قرب المؤمنين بعضهم لبعض بوحدتهم في الصيام والإفطار، وفرحتهم بما يكون عند الإفطار في كل يوم وفي نهاية الشهر. ومن حكمه أنه مدعاة وسبب لحصول التكافل الاجتماعي بما يكون من تفقد بعضهم بعضا، واعتناء بعضهم لبعض. فإن ذلك يحصل في كل يوم بما سمعوا من الآيات والأحاديث في فضل إطعام الطعام وإفشاء السلام والتنافس بالصدقات بين الأنام، ما يكون سببا لهم بإذن الله سبحانه وتعالى لحصول ذلكم المعنى والمقصد العظيم. ومن حكم الصيام كذلك وأسراره أنه سبب لحصول الخلوة التي يكون بها تهذيب النفس وإصلاحها. ففي الصيام يخلو العبد بربه سبحانه وتعالى في هذه العبادة، فهي سر هذه العبادة الأكبر، أن العبد يراقب الله سبحانه وتعالى. ولهذا كافأ ربنا العظيم الكريم الصائم بأجر عظيم لم يجعل لهم نظير ولا مثيل، وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي». «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف». ومعناه أنه يكافئ الصائمين بأكثر من ذلك. ومن حكمه كذلك وأسراره أن الله عز وجل جعل للصائمين كذلك أثر في إصلاح أقوالهم وأفعالهم. فكما يعتنون بالإمساك عن الطعام والشراب، فإنهم يعلمون أن السر الأعظم هو تقوى الله وحفظ الجوارح بصيامها عن كل ما يغضب الله، وتأديبها وتهذيبها في الإنصياع لما يحبه الله. ولهذا يتذكر كل صائم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد فليقل إني صائم». يتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في ترك طعامه وشرابه». يتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه التعب والسهر». ونحوها من الأحاديث العظيمة التي تكون حكما حصينا تهذب هذا الإنسان وتذكره، فيكون بذلك قد هذب جوارحه وانضبط لأمر ربه. فيكون من حكم الصيام وأسراره تهذيب هذه النفس وحبسها عن شهواتها وعن طيشها، بما يكون به إقامتها على دين ربها. ومن حكمه كذلك أنه سبب للتوبة إلى الله والإنابة إليه. فإن العبد إذا أقبل بهذه الطاعات وانكسرت نفسه لرب الأرض والسماوات، فإنه عند ذلك يكون أقرب من ربه، ويزداد القرب مع الصيام والقيام والانكباب بالسجود بين يديه في صلاة الليل وغيره. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». وكم كان للساجدين والصائمين في هذا الشهر من التوبة لرب العالمين ما كان سببا لصلاحهم. ولذلك نرى قوافل التائبين تزيد في شهر رمضان، فيكون من المقبلين على بيوت الله وعلى أصناف طاعة الله ما يكون عونا لهم في ثباتهم واستقرارهم. ومن حكم وأسرار الصيام أنه سبب للالتقاء بالصالحين والعيش بعيشهم والتلذذ بطاعتهم. فيجد الصائم حين يسير ويرافق ركب الصائمين والقائمين والقارئين والمسبحين والمطعمين والمتصدقين ما يكون عونا له على أن يجد لذة هذه الطاعات. وألفت أصناف الناس من أهل التنافس في القربات، فيكون عنده من شحذ الهمة ومن الائتساء والاقتداء ما يعينه على أن يكون أحسن مما كان من قبل. وهذا قليل من كثير من حكم وأسرار الصيام التي لأجلها جعل الله عز وجل هذه الفريضة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأمور شرعه، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد أيها المسلمون، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فلنعلم عباد الله أنه ليس من الحكمة في شيء ولا من الصواب أن يخدش المرء صيامه، بل وربما يكون سببا في زوال منافع الصيام وحصول ما يكون منه حرمانه. وذلك من خلال ما يفعله بعض الناس بقتل نهار رمضان بالنوم، وقتل ليله باللهو والعبث. بل وبعضهم ربما طاشت عينه في القنوات، وقلبه في الشهوات، ورجله في الشوارع والتسكع في الطرقات. بل وربما بعضهم أفسد ما كان من حسنات في النهار بأصناف السيئات في الليل، وذلك هو أعظم الحرمان. فإن شهر رمضان شهر مغفرة وتحصيل الحسنات والتنافس في القربات والوصول إلى أعلى الدرجات. فمن حرم هذا فهو المحروم. وقد بلغهم حديث النبي المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام: «من أدركه رمضان فلم يغفر له دعا عليه جبريل أن يبعده الله، وأمن النبي صلى الله عليه وسلم». فإن أعظم المحرومين في هذا الشهر هو من أدرك الشهر بجسده ولم ينتفع بروحه وقلبه، فيكون من أعظم المحرومين. ليس الشأن كل الشأن يا عبد الله أن تمسك عن الطعام والشراب فتجعل أنك من الصائمين، وأنت في حقيقة الأمر من أفجر الفاجرين، ومن أكبر العصاة في هذا الشهر العظيم. بل وربما صرت إبليس بنفسه بما يكون من عظيم شرك وعظيم كذلك فعلك لما يخالف ربك. فاحذر أيها المسلم أن تكون من هؤلاء المحرومين أو يكون أحد أهل بيته من هؤلاء المحرومين. وهنا وقفة مع أولياء الأمور فيما يجب عليهم مع أبنائهم وبناتهم. إنما يراه المسلمون أيها المسلمون من تسكع أولئك المتسكعين في شهر رمضان في الطرقات من الشباب والفتيات هم من أبنائنا وهم من بناتنا. فهل سأل كل واحد نفسه: ذاك ابن من وتلك ابنة من؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته». وذكر المرأة أنها راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. بل يقول ربنا العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. لا يكفي أن تقي نفسك من نار جهنم فتكون من الصائمين والقائمين ومن أهل الصف الأول، ثم يكون ابنك من كبار الشياطين، وتكون ابنتك من أكبر المفسدات في هذا الشهر العظيم، وأنت تزعم أنك تحصل الحسنات، وقد خرقت كيس الحسنات بتفريطك في أمر أبنائك وذريتك، وهم شواطين في الطرقات. فهل سألت نفسك أيهما أعظم عند الله: كفك لشرك وشر أهل بيتك عن السيئات، أو تحصيلك وحرصك لتلك الحسنات؟ فرب سيئة واحدة تقع وأنت لا تلقي لها بالا تهوي بك في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، أو تهوي بك في النار سبعين خريفا كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك فلنحذر بهذا الشهر من استمرار القطيعة والخصومة والكذب والفجور فيما يكون من الخلاف والنزاع. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في صيام النفل يحجب أو يحط عن المتخاصمين كتابة الحسنات، فكيف بشهر الفريضة؟ قال بعض أهل العلم: «فهو أولى وأحرى». فاحذر أيها المسلم أن تجعل هذا الشهر تمريرا للخصومات واستشفاءا لإغاظة أهل العداوات، بل ينبغي أن تجعله شهر رحمة وشهر تسامح وسبب لتحصيل الحسنات بالتوبة والاجتهاد في الطاعات والقربات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلحنا ويصلح بيننا، ويجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في فلسطين والسودان وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا ولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.