الخطبة بعنوان فضل العشر والحج ومقاصده، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 23 ذو القعدة 1445هـ الموافق 31 مايو 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
العشر من ذي الحجة أيام مباركة تجمع المسلمين وتقوي وحدتهم، وهي فرصة لاستثمار الحسنات وتكفير السيئات. الحج فريضة عظيمة تقرب المسلمين إلى الله بالتوبة والإنابة.
الحج له حكم عظيمة ومقاصد جليلة، منها توحيد الله وتعظيمه وتكفير الذنوب ورفع الدرجات. كما أنه سبب للاستزادة من خير الدنيا والآخرة ويجعل المسلمين يتزودون بالأعمال الصالحة.
دعا الله تعالى لصلاح ولاة أمور المسلمين وتمنى أن تكون الولاية فيمن يخاف الله ويتقيه. كما أعرب عن رغبته في صلاح الأمة وعدم وقوعها تحت ولاية غير صالحة.
فضل العشر والحج ومقاصده إن كانت نافلة، فهي طاعة عظيمة يكفر الله عز وجل بها السيئات ويرفع بها درجات. إنها عشر ذي الحجة، هذه العشر المباركات التي أقسم الله عز وجل بها في أحد قولي المفسرين من تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أنها عشر ذي الحجة، أو العشر الأخيرة من رمضان، وكلاهما موضع عظيم من مواضع الخيرات، وموسم كبير من مواسم استثمار الحسنات وتكفير السيئات. فإن من عظيم حكم فريضة الحج أنه سبب لتوحيد الله جل وعلا وتعظيمه، فمفتتحها بالتلبية التي هي توحيد، وفي ثنايا أعمالها ذكر لله عز وجل لا يخلو من التوحيد، وفي تفاصيل أركانها ونسكها أصناف من الطاعات والقربات بين طواف وسعي وصلاة وذكر ورمي ووقوف ونزول وصعود، وهكذا نسك يقرب وصدقات تنفق، كل هذا لله سبحانه وتعالى، فتتحقق أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، بتعظيمه وذكره سبحانه وتعالى. ومن حكمه وعظيم مقاصده ما يكون من اجتماع المسلمين في ذلك الموضع العظيم في أيام معلومات وأيام معدودات، يأتلف بعضهم مع بعض، ويؤاخي بعضهم بعضًا، فتكون بينهم من القوة والعز والمحبة والالتئام ما يكون سببًا في قوة أهل الإسلام. قد تركوا كل معاني الترفيه والزينة، فلا مخيط ولا طيب ولا غيره من معاني الترفيه، كأنهم يحشرون إلى الله، أو أنهم يكفنون وهم مقبلون على الله بثوبين أبيضين كما يكفن الميت بثوبين أبيضين، فيتذكر المسلم حين ذاك ضعفه وتقصيره ونقصه وعظيم افتقاره إلى ربه وخالقه، فعند ذلك تؤثر هذه المناظر في قلب المؤمن أن يكون مقبلًا على الله بالتوبة، منسكبًا بين يديه بالإنابة، داعيًا له سبحانه وتعالى بمعاني الدعاء والعبادة. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة لعام خمسة وأربعين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرصها الله. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا». أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى الكريم الرحيم الحكيم أكرمنا بمواسم خيرات وأزمنة فاضلات تكون سببًا لتكفير السيئات ورفع الدرجات والاستكثار من الحسنات، فضلٌ من الرب الرحيم الكريم الحكيم العليم الذي علم ضعف خلقه وعجزهم وتقصيرهم ونقصهم. فما من موسم يذهب إلا ويتبع موسم آخر من مواسم الخيرات والاجتهاد في الطاعات واستثمار الأوقات بتكفير السيئات ورفع الدرجات. وها نحن في هذه الأيام في موسم عظيم آخر من مواسم الخيرات، أقسم الله عز وجل بها في كتابه، وذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، إنها عشر ذي الحجة. هذه العشر المباركات التي أقسم الله عز وجل بها في أحد قولي المفسرين بتفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أنها عشر ذي الحجة، أو عشر العشر الأخيرة من رمضان، وكلاهما موضع عظيم من مواضع الخيرات، وموسم كبير من مواسم استثمار الحسنات وتكفير السيئات. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري وغيره: «ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه ولم يرجع من ذلك بشيء». ومن عظيم فضل الله سبحانه وتعالى أنه جعل أعمالًا صالحة في هذه المواسم، مواسم الخيرات ومواضع الاجتهاد في الطاعات. وكما جعل رمضان موسمًا عظيمًا والعشر الأواخر منه كذلك، جعل سبحانه وتعالى في عشر ذي الحجة، ومن ذلك أنه سبحانه وتعالى فرض فريضة وركنًا من أركان الإسلام، وهو حج بيت الله الحرام في هذه العشر. إن دل ذلك على شيء، دل على عظيم منزلتها ورفيع قدرها. انظر إلى هذه الطاعات وهذه القربات، أين يكون مواضعها وأين يكون أماكن الاجتهاد فيها وتحصيل درجاتها؟ فكما جعل فريضة الصيام في رمضان، جعل فريضة الحج في عشر ذي الحجة، لأجل أن يكون المسلم قد عظم له الأجر في هذه العشر، فرضها ونفلها. فمن لم يؤد فريضة الحج، أدى هذه الفريضة في موسم تضاعف به الحسنات وتكفر فيه السيئات وترفع فيه الدرجات. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وفي رواية: «وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا». أيها المسلمون، عباد الله، إن هذه الأوقات أوقات الاجتهاد في الطاعات والتنافس في القربات. فمن تيسر له الحج، فهنيئًا له هذه الفريضة، وهنيئًا له هذه الطاعة. إن كانت فريضة، فقد أدى ركنًا من أركان الإسلام العظام. أو كانت نافلة، فهي طاعة عظيمة يكفر الله عز وجل بها السيئات ويرفع بها الدرجات. فبصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وبالحديث الآخر عنه كذلك بصحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». انظروا إلى هذه الفضائل العظيمة وهذه الحسنات الكبيرة والآثار الجسيمة التي تؤثرها هذه الطاعة وهذه القربة في هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث ابن مسعود ونحوه عن عدد من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». فالذنوب تكفر والدرجات في الحسنات ترفع بمثل هذه الطاعة وأمثالها ونظائرها. ولله حكمة بليغة في فرض هذه الفريضة، فهي فريضة عظيمة جعل الله عز وجل لها من الحكم والآثار والمنافع العاجلة والآجلة والحاضرة والباقية ما لا يخفى على كل عاقل. فإن من عظيم حكم فريضة الحج أنه سبب لتوحيد الله جل وعلا وتعظيمه، فمفتتحها بالتلبية التي هي توحيد، وفي ثنايا أعمالها ذكر لله عز وجل لا يخلو من التوحيد، وفي تفاصيل أركانها ونسكها أصناف من الطاعات والقربات بين طواف وسعي وصلاة وذكر ورمي ووقوف ونزول وصعود، وهكذا نسك يقرب وصدقات تنفق، كل هذا لله سبحانه وتعالى، فتتحقق أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، بتعظيمه وذكره سبحانه وتعالى. فحين يقول الملبون: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»، تظهر معاني التوحيد وصفاء العقيدة. وحين يتذكر المسلم ما كان عليه المشركون من تلبيتهم الشركية بقولهم: «لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك»، يعظم معنى الولاء والبراء في عقيدة التوحيد وفريضة الحج. وكيف أن هذه الشريعة العظيمة جاءت لتوجه الناس جميعًا في جميع أعمالهم القلبية والقولية والعملية أن تكون خالصة لله جل وعلا وحده، أن تلتفت القلوب والأنظار وتتوجه الأقوال والأعمال لربها وخالقها سبحانه وتعالى لا شريك له. وهكذا من عظيم مقاصدها ورفيع كذلك حكمها أنها تذكر بسنة الأنبياء والمرسلين وتربى الناس على الاقتداء بهم أجمعين عليهم أفضل الصلاة والتسليم. فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه ويأمر المسلمين عمومًا بالحج وأن يقتدوا بسنة إبراهيم. بل ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة في سورة البقرة والحج وغيرها يذكرنا بحج إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتأسيسه لهذا البيت مع ولده إسماعيل على التوحيد والعقيدة وعلى الطاعة الخالصة لله سبحانه وتعالى. وفي صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر بأصحابه وهم محرمون وهم يلبون بوادي الأزرق، فقال: «أي واد هذا؟» قالوا: وادي الأزرق. قال: «كأني بموسى يلبي، فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك». وهكذا جاء في صحيح مسلم أنه مر ببطن واد آخر، فسألهم عنه، فقال: «كأني بيونس بن متى وهو يلبي لربه». وأحاديث كثيرة يذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه والمسلمين بحال الأنبياء والمرسلين مع هذه العبادة العظيمة وهذه القربة الكبيرة. فيكون في ذلك ترسيخ ثابت من ثوابت هذا الدين باتباع الناس للأنبياء والمرسلين، وأنهم جميعًا كانوا على عقيدة واحدة وعلى دين واحد، وأنهم جميعًا عبيد لله رب العالمين، يمتثلون أمره ويتتبعون مواضع طاعته. فإذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على عظيم قدرهم وشريف منزلتهم وكبير رفعتهم، يفتقرون إلى الله جل وعلا بالعبادة والدعاء والخضوع والعبادة، فمن دونهم من باب أولى. ومن حكمه وعظيم مقاصده ما يكون من اجتماع المسلمين في ذلك الموضع العظيم في أيام معلومات وأيام معدودات، يأتلف بعضهم مع بعض، ويؤاخي بعضهم بعضًا، فتكون بينهم من الأخوة والوئام والمحبة والالتئام ما يكون سببًا في قوة أهل الإسلام. ومن حكمه أن يقتدى بعضهم ببعض بأنواع الطاعات والقربات والاجتهاد في هذه الأيام المباركات. فيجد المسلم نفسه ضعيفًا ناقصًا مقصرًا حين يرى غيره، وقد ابتهل إلى الرب العظيم بالدعاء، وتسيل عبرات الدموع بين وجنتيه وهو يبتهل إلى ربه. وذاك الآخر ساجد بين يديه، والثالث طائف يطوف يدعو ويبتهل، وآخر كذلك يسعى ويبتهل. كل هذه المناظر والمواقف والرؤى تحفر في قلب المؤمن آثارًا عظيمة يرجع بها، وقد أثرت في إيمانه وفي قربه من ربه وخالقه. ومن عظيم حكم الحج ومقاصده أنه سبب لحصول المنافع الدينية والدنيوية. فأما المنافع الدينية، باجتماع أسباب المغفرة والرضوان، وأسباب فعل الطاعات والاستزادة من الحسنات وغيرها، المتمثلة بمناسك هذه العبادة ومواضع القرب من الله جل وعلا فيها قولية أو فعلية، قلبية أو عملية، كل ذلك له أثره العظيم في إصلاح هذا الإنسان الذي لا يسلم من التقصير والتفريط. ومن عظيم حكمه ومقاصده أنه سبب آخر كذلك لإصلاح حال الإنسان. فالطاعات والقربات تطهر التطهير الحسي والمعنوي لهذا الإنسان. فالوضوء تسكب معه الخطيئات مع كل قطرة، والصلوات تسكب معه الذنوب والخطيئات مع كل سجود وركعة. وهكذا الدعاء والابتهال والطواف والسعي وغير ذلك من أعمال هذه الفريضة العظيمة. ومن عظيم حكمها ومقاصدها أنها تحصل بها كذلك المقاصد الدنيوية التي يكون بها قوة أهل الإسلام واجتماعهم وتشاورهم في وقت عبادتهم، وحصول التبادل العلمي والتجاري وغير ذلك من المنافع الأخرى التي لا تحصل بمثل اجتماع الناس في ذلك الموسم العظيم. فيجتمع الناس من مشارق الأرض ومغاربها، عربها وعجمها، أبيضها وأسودها وأصفرها، ليس لأحد ميزة عن الآخر إلا بتقوى الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهكذا كذلك من عظيم حكمها أنها تذكر بمراحل هذا الإنسان وسيره إلى ربه الرحيم الرحمن، وهو يسير في هذه الدنيا في مراحل. وهكذا كذلك في مناسك الحج في مراحل، يبتدئها بطواف القدوم ويختتمها بطواف الوداع، وبكل مرحلة له فيها حالة تذكره بإيابه ورجوعه إلى الله. ومن ذلك أنهم يأتون محرمين قد تركوا كل معاني الترفه والزينة، فلا مخيط ولا طيب ولا غيره من معاني الترفيه، كأنهم يحشرون إلى الله، أو أنهم يكفنون وهم مقبلون على الله بثوبين أبيضين كما يكفن الميت بثوبين أبيضين. فيتذكر المسلم حين ذاك ضعفه وتقصيره ونقصه وعظيم افتقاره إلى ربه وخالقه، فعند ذلك تؤثر هذه المناظر في قلب المؤمن أن يكون مقبلًا على الله بالتوبة، منسكبًا بين يديه بالإنابة، داعيًا له سبحانه وتعالى بمعاني الدعاء والعبادة، قولية أو فعلية، بقلبه أو بلسانه، يقبل على الله سبحانه وتعالى وهو يعلم أنه راحل من هذه الدنيا لا محالة. بما يرى هؤلاء الجمع الغفير وهم كلهم كان قبلهم أمثالهم، وأمثالهم أمثالهم، كم حج إلى بيت الله الحرام من عباد الله؟ أين هم اليوم؟ الآن هم في قبورهم مرتهنون بأعمالهم. وكذلك من وفقه الله للحج، كم سيكون في هذه الدنيا معمرًا؟ وكم سيبقى مع الله مقصرًا إن لم يتب وينيب ويرجع إليه سبحانه وتعالى؟ فعند ذلك تنسكب العبرات وتكون التوبة والإنابة إلى رب الأرض والسماوات بصدق لما يرى بعينه وما يسمع بأذنه وما يحقق بمعاني العبادة بقوله وفعله. ومن عظيم حكمها وعظيم محاسن حكمها أنها كذلك سبب للاستزادة من خير الدنيا والآخرة. أما خير الآخرة بهذه الطاعة والقربة وما فيها، وأما خير الدنيا بما يتزود به من الحكم بمخالطة الناس، والعبر والعظات والتشاور، وهكذا التجارة التي أحلها الله، أو كذلك الزاد الذي يتزود به: زاد الدين وزاد الدنيا. وهذا قليل من كثير من حكم الله سبحانه وتعالى في هذه العبادة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يوفقنا لحج بيته الحرام، وأن يجعلنا من المقبولين عنده سبحانه وتعالى. «اللهم آمين، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين». أما بعد، عباد الله، وإن من عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يجعل من لم يوفق لحج بيت الله الحرام محرومًا من الطاعات أو القربات، بل جعل له في هذه العشر كذلك موضع اجتهاد، وكذا أعمالًا صالحة يتزود بها. فهذه العشر كما تقدم، الأعمال الصالحة فيها كلها محبوبة إلى الله، يحبها ويحب المنافسة فيها كما صح بحديث النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم. ومن ذلك صيام يوم عرفة لمن لم يكن حاجًا، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكفر سنتين: السنة الماضية والباقية. وهذا من عظيم أجرها وكبير فضلها، جعله الله عز وجل خاصة لمن لم يوفقه الله سبحانه وتعالى للحج. وهكذا كذلك من تيسر له أن يضحي، فليضح، فهي سنة مؤكدة، فعليه أن يضحي ويتقرب إلى الله عز وجل بالأضحية، وهذا النسك العظيم الذي هو كذلك من سنة الأنبياء والمرسلين. وغير ذلك من أنواع الطاعات والقربات، سواء بالصدقة أو صيام ما تيسر، أو كذلك فعل أنواع الخير والبر الأخرى الكثيرة. فيكون بذلك قد اجتهد في هذه العشر وشارك بأبواب الأجر مع من ذهب ووفقه الله عز وجل لحج بيت الله الحرام. ثم يجتمع المسلمون جميعًا بالفرح بعد انتهاء هذا الموسم، فرح عظيم بطاعة من طاعات الله، وموسم عظيم من مواسم الخيرات والقربات. وهكذا أعياد الإسلام، أعياد أهل الإسلام، إنما هي بالطاعات والقربات والرحمات وأسباب تحصيل الحسنات وتكفير السيئات. فجعل عيد الفطر بعد موسم عظيم في رمضان، وجعل عيد الأضحى بعد موسم عظيم في موسم الحج. ولهذا كذلك لما كان الحج يجتمع فيه أهل الإسلام من مشارق الأرض ومغاربها في بيت الله الحرام، كان عيد أهل الإسلام فيه لأهل الأرض جميعًا يومًا واحدًا، لا يفترقون فيه، لا ينظرون فيه إلى منازل القمر ولا الشمس، ولكن هو اليوم الذي يكون فيه فرح الحجيج، فهو فرح للمسلمين جميعًا. ولما كان رمضان يختلف دخوله وخروجه باختلاف المنازل والزمان والمكان، فإن عيده لأهل كل محلة وبلدة ومنزلة بحسبها، وهو عيد آخر، ولكنه دون العيد الأكبر. فعيد الحج هو العيد الأكبر والأعظم، وهو الذي يكون فيه ما قد سمعنا من الحكم العظيمة والعبر والمقاصد الجليلة. كل هذا يدلنا على عظم هذا الموسم ورفيع منزلته في هذا الدين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لحج بيت الله الحرام، وأن يجعلنا وإياكم ممن يغتنم هذه العشر بالطاعات والقربات، وأن يجعلنا هداة مهتدين. «اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في فلسطين وسائر بلاد الإسلام، اللهم أصلح أمتنا، ولا تؤمر أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين، والحمد لله رب العالمين».