التحذير من التفرق

المحاضرة بعنوان التحذير من التفرق، والتي كانت بمركز المستراح بمأرب يوم الاثنين 24 ربيع الآخر 1443هـ الموافق 29 نوفمبر 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نعمة الإسلام والتوفيق لسنة النبي

يُشيد المتحدث بنعمة الإسلام والتوفيق لسنة النبي، ويُبين عظيم فضل الله على المسلمين السنيين. يُقارن بين حال المسلمين وحال غيرهم من الناس الذين ضلوا في أنواع العقائد والضلالات.

أهمية التراحم والتآلف بين المسلمين وقوة أهل الحق

يُشدد على أهمية الاجتماع والائتلاف بين المسلمين، ويُوضح أن التراحم والتآلف أمر ضروري لتحقيق قوة أهل الحق. يُنبه إلى خطورة اللسان والظلم في التعامل مع الآخرين.

الأخلاق الحميدة في الدعوة إلى الله

يجب على الدعاة إلى الله أن يتحلوا بالأخلاق الحميدة مثل التواضع والصبر وحسن الخلق، ويتجنبوا التصرفات التي تنفر الناس من الدين. يُقدم النصيحة بالطرق اللطيفة والجميلة لهداية الناس إلى دين الله.

ختام بالدعاء والثناء على الله

يتضمن الدعاء بصلاح الأحوال وختم الأعمال بالخير، والثناء على الله، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه. يُظهر امتنانًا لله وشكرًا له ويُختتم بالدعاء لمن سمع أو قرأ الكلام بالخير.

التفريغ النصي الكامل

وعليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: ونحمد سبحانه وتعالى حمدًا كريمًا طيبًا ومباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونثني عليه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك أعظم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا أداء مثل هذه البراءة العظيمة في مثل هذا الوقت، وهذه نعمة من نعم الله عز وجل الكثيرة، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أيها الأحبة، إن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بهذا الدين العظيم، دين الإسلام، الذي أخرجنا الله عز وجل به من أنواع الظلمات والضلالات إلى نور الإيمان والسنة والهداية والاستقامة، التي بها أكرم الله عز وجل هذا الإنسان بعد أن كان الإنسان بظلم الهوى والنفس والشهوة وطيش العقول المنحرفة، وألواع الظلمات الجهل والجهالات. أكرم الله عز وجل هذا الإنسان بهذا الدين العظيم. ولو تأملنا يا معاشر طلبة العلم حال أهل هذا الدين قبل أن يمن الله عز وجل عليهم بهذا الدين، لعلمت عظيم فضل الله سبحانه وتعالى على من وفقه الله لهذا الدين. بل لو تأملنا حال الناس اليوم في مشارق الأرض ومغاربها، فيمن حرم نور الإسلام والإيمان وحرم نور السنة وهدي النبي عليه الصلاة والسلام، لعلمت عظيم فضل الله سبحانه وتعالى عليه. تأملوا في مشارق الأرض ومغاربها كيف يعبد الناس غير الله؛ من الناس من يعبد الأحجار، ومن الناس من يعبد الأوثان والأصنام، ومن الناس من سلم عقله إلى مخلوق ضعيف لا يملك نفعًا ولا ضرًا. هذا يعبد شجرة، وهذا يعبد حجرة، وذاك يعبد قبرًا، وذاك يعبد معظم مخلوق مثله لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا أن يملك لغيره. انظر إلى أنواع العقائد التي ضل فيها الناس، وأنت منى الله عز وجل عليك بعقيدة أهل الإسلام، عقيدة التوحيد، عقيدة عبادة الله عز وجل وحده. انظر كيف تعلقت قلوب المخلوقين بغير الله سبحانه وتعالى، وأنت تعلق قلبك بالله العظيم وحده لا شريك له. إمامًا الله عز وجل عليك من أمر نعمة الإسلام والإيمان والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. بل وتأمل يا أيها المسلم ما عليه من ينتسب إلى هذا الإسلام في أنواع الضلالات والجهالات التي يتخبطون فيها، أنواع البدع والخرافات التي ابتلوا بها، وهم حرموا نور السنة. انظروا إلى الرافضة بفرقهم الكثيرة، وانظروا إلى المتصوفة بفرقهم الكثيرة الباطنية، أنواع وأصناف أهل البدع والضلالات. حتى من ينتسب إلى السنة وجهل حقيقة السنة، وظل في جوانب أخرى كثيرة. الخوارج بأنواع فرقهم، تعرف عظيمة نعمة الله عز وجل عليك يا أيها السني بما من الله عز وجل عليك من نور الإيمان والإسلام وسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وحين نعرف قدر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر وغيره، فيما رواه أحمد وأبو عاصم في السنة، بسند صحيح، وصححه شيخنا مقبل رحمه الله، والصحيح المسند، «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وجاء في رواية معناها صحيح، اختلف في صحة هذه الزيادة: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، «الطائفة المنصورة والفرقة الناجية واحدة من ثلاث وسبعين فرقة». هذا في الفرق التي تنتسب إلى الإسلام. وأما الفرق التي خارج دائرة الإسلام فهي لا تعد ولا تحصى، فرق كثيرة وعديدة. والله عز وجل اصطفاك يا أيها المسلم السني من بين هؤلاء الناس جميعًا، أن تكون بفضل من الله لا بحولك ولا بقوتك، أن توفق لهذه الفرقة وهذه الطائفة، أن تكون من الفرقة المنصورة، من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. ونتأمل حديث أبي هريرة في البخاري وغيره، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل يوم القيامة لآدم: أخرج بعث النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». سبحان الله، ما ينجو من كل ألف إلا واحد، حتى عظم ذلك على الصحابة، فقالوا: أين ذلك الواحد يا رسول الله؟ أين ذلك الواحد يا رسول الله؟ أي الذي ينجو من الألف. فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى ويأجوج ومأجوج. وبه نعرف كذلك عظيمة منة الله عليك يا أيها المسلم السني، أن اصطفاك الله عز وجل بهذا الاصطفاء الخاص. وهكذا تأمل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فالفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم فئة قليلة في أمة كثيرة، حرم الهداية، حرم التوفيق. والله عز وجل اصطفى هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، أن تكون من خالص هذه الأمة التي توفق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا علمت ذلك، علمت أن إذا وفقك الله لهذا الخير فاستمسك به، وعظ عظيم نعمة الله عز وجل عليك. ومع ذلك فإننا لا نأمن من غوائل الشيطان أن يحرمنا هذا الخير من أبواب أخرى. ولذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نتبع الشيطان فيما يريد. ومن أعظم ما يريد شياطين الجن والإنس من أهل الحق أن يفرق صفهم، ويشتت جمعهم، ويبث بينهم العداوة والبغضاء التي بها يتسل الله أعداءهم عليهم. انظروا إلى تاريخ هذه الأمة كيف تسلط عليها الأعداء، ما تسلط عليها الأعداء بشيء بمثل ما يكون من تفرقهم وتمزقهم واختلافهم. فاللذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الخلاف والفرقة، وكان يحث عليه الصلاة والسلام على الاجتماع. حتى أنه عليه الصلاة والسلام كان يحث على ذلك حسًا ومعنى، يجمع أصحابه في البساط اليسير الصغير لأجل أن يربيهم على الاجتماع بالقلوب والأجساد. بل ديننا يأمرنا بذلك. انظروا كيف جمعنا الله عز وجل كما بدأ الكلمة بهذه الصلاة، نجتمع في الفرائض خمس مرات لتجتمع أجسادنا وقلوبنا على هذا الدين وعلى شعائره وعلى عباداته، فيزيل الشيطان ما يكون في القلوب من الوحشة، ومن غوائل الصدر، وما ينزغ به الشيطان. تأمل إذا لم يكن بين المسلمين مثل هذا الاجتماع، هل يكون بينهم من الألفة والمحبة مثل ما إذا كانوا يجتمعون في اليوم خمس مرات على فريضة من فرائض الله؟ وهذا من أعظم أسباب الاجتماع التي يأمر بها ديننا. ونجتمع في الأسبوع يومًا اجتماعًا أكبر وأعظم، يجتمع فيه ليس أهل الحي الصغير بل أهل الأحياء الكثيرة المتجاورة. وكل هذا لأجل تأسيس وتحقيق معنى الاجتماع الذي أمرنا الله عز وجل به. ونجتمع اجتماعًا أعظم منه في السنة مرتين، لأجل أن يجتمع أهل الإسلام، فيكون بينهم من المحبة والألفة والتواد والتراحم والتآلف والتقارب ما يكون به قوتهم وألفتهم وتناصحهم، وأنواع من العبادات. فيجتمع أهل الإسلام جميعًا في كل الأرض في صيام رمضان. أليس هذا يوثق المحبة والألفة والاجتماع؟ لما ترى الأبيض والأسود والعربي والأعجمي والطويل والقصير والأصفر والأخضر، والكل يصوم معك في هذا الشهر، كيف يكون في قلبك من الألفة لهؤلاء الصائمين؟ وهكذا جمعنا الله عز وجل في فريضة عظيمة من فرائض الإسلام، وأحد أركانه العظام، وهي فريضة الحج. فيجتمع الناس من كل مكان لعبادة الله عز وجل وتوحيده وأداء فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه العظام. وهذا موضع آخر من مواضع الاجتماع والائتلاف. ولذلك أيها الأحبة، نحن بحاجة أن نراعي مثل هذه المعاني العظيمة التي يدعو فيها ديننا إلى أمر الاجتماع والائتلاف، التي يكون بها قوة أهل الحق. ولا ننسى أن الإنسان مهما كمل فإنه ناقص، كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد عليها راحلة». الرجل إذا أراد المسافر وعنده مئة من الإبل، وأراد واحدًا منها كاملًا في الصفات ليسافر، فإنه لا يجد هذه طيعة لكنها أكولة، وهذه صبارة بالأكل لكنها ضعيفة، وأخرى لا تتحمل العطش في الوقت الطويل، وأخرى فيها قوة وتحمل ولكنها عنيفة في الخلق، تتمرد عليك. وهكذا وهكذا الناس كإبل مئة لا تكاد تجد عليها راحلة. يعني ما من أحد إلا ويصعب أن تجد فيه صفات الكمال كاملة. وما هو الحل؟ هل الحل ألا يسافر صاحب السفر ويترك الإبل المئة لأنه لم يجد فيها راحلة واحدة فيها الصفات الكاملة؟ الجواب: لا. يأخذ الأقرب ويسدد ويتغاضى. وهذا هو المقصود. نحن نتآلف ونجتمع على الحق والهدى، ونغض الطرف فيما أمرنا الله عز وجل بغض الطرف فيه، مع التناصح الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به، ومع التراحم الذي دعانا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. «مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». أهل هذا الدين، أهل الحق، الفرقة الناجية والطائفة المنصورة كالجسد الواحد. فمنهم من هو عينك، ومنهم من هو قلبك، ومنهم من هو رأسك، ومنهم من هو يدك، ومنهم من هو قدمك. وكل واحد من أفراد هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة عضو من أعضاء هذا الجسد. فإذا عطب أحد أعضاء هذا الجسد، ما هو الحل؟ تصيب الجسد المرض، فيمرض بعض أعضاء الجسد المرض، فيصاب الجسد بأكمله بالمرض كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا اشتكى منه العضو، ماذا؟ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. إذن الحل هو العلاج، أن نعالج هذا العضو. ليس الحل أن نبتر هذا العضو. اليوم قاعدة بعض الناس -إلا من رحم الله- إذا وجد عيبًا من بعض إخوانه بتر وقطع. وهل هذا حل؟ هل هذا هو الحل الصحيح؟ ليس هذا هو الحل الصحيح. بل الواجب أن تحرص على علاجه، هذا العضو تحرص وتحرص وتحرص. فإذا كان مفسدة بقاء هذا العضو أعظم من إزالته، عند ذلك تقطعه وأنت حزين غاية الحزن على قطعه. في أحد يريد أن يقص من أصابعه بمجرد مرضها؟ الجواب: لا. لكن إذا صار هذا العضو سببًا في الإضرار بسائر الجسد، وهنا نراعي المصالح والمفاسد. قطع هذا العضو لسلامة باقي الجسد، جسد هو الذي تبتضيه القواعد الشرعية والضوابط المرعية فيما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وكلام العلماء والأئمة. وهذا يدخل فيه الهجر الشرعي المنضبط بالضوابط الشرعية. وبه نعرف أن من الخلاف ما يسع فيه الخلاف. ومع ذلك نراعي المصالح والمفاسد. حتى ما لا يسع فيه الخلاف، وهو من خلاف التضاد، فإننا نراعي فيه ماذا؟ المصالح والمفاسد. لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين وهم معه في المدينة، لماذا؟ مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المصالح والمفاسد. فينبغي أن نراعي مثل هذه المعاني العظيمة التي أمر بها ديننا. فكيف إذا كان أكثر الخلاف الذي يقع بينك وبين إخوانك هو من الخلاف الذي يسع فيه الخلاف؟ وسع علمانا ومشائخنا. فينبغي أن يسعنا. اختلف علماؤنا ومشائخنا فيما هو أعظم من هذا. ومع ذلك لن نجد منهم من التهاجر والتباغض والتباعد والتناحر والاستحلال للأعراض ما نجده عند بعض طلبة العلم في هذا الزمان. وهذا حرام لا يجوز، الظلم ظلمات يوم القيامة. الله عز وجل يقول: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. الهمز واللمز سيحاسبنا الله سبحانه وتعالى عليه. الهمز واللمز، فكيف بالطعن؟ كيف بالغيبة؟ كيف بالنميمة؟ كيف بالتحريج وتفريغ الصف؟ النبي صلى الله عليه وسلم غضب من بعض أصحابه حين تأذى بعض المصلين من طول صلاة بعضهم، صلى كما لا يصلون. علم بعض الصحابة بسورة البقرة، فشق ذلك على بعض المصلين، فجاء من يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك. لأجل أن نتألف الناس. أنت يا أيها السني تاجر مع الله سبحانه وتعالى، أنت تاجر مع الله. المطلوب منك أن تدخل الناس في دين الله، المطلوب منك أن تدخل الناس في حياض السنة. تبين لهم نور الإسلام والإيمان والسنة، تعلقهم بضعفك. وكنت تاجرًا من تجار الدنيا، ما دمت تبحث عن الربح ورأس مال بغيره، هل ستتعامل بهذا الجفاء الذي تتعامل به مع الكثير من المسلمين؟ لا والله. تجد بعض هؤلاء في تجارته يلين مع المسلم ومع الكافر ومع الكل. وكيف بالتجارة مع الله؟ أليس نحن مأمورون أن نجعل الناس إلى دين الله؟ وأن ندخل الناس في دين الله؟ كيف سندخلهم في دين الله؟ بالجفاء؟ بالغربة؟ بأن نتناحر فيما بيننا فيما لا يجوز التناحر في مثله؟ فينبغي أن نجد نظرًا في كثير من الأمور. كم قد استطالت ألسنتنا -إلا من رحم الله- بعضنا في بعض. والنبي صلى الله عليه وسلم أمسك بلسان نفسه عليه الصلاة والسلام، ويحذر من خطر اللسان. ولا يخفى على شريف علمكم الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة في خطر اللسان. وكما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «يا ابن آدم، لسانك أسكرك، إن أمسكته حرسك، وإن أطلقته افترسك». اجعل لسانك في الحق، في الهدى، ولا تسلطه على إخوانك، وتجعله فيما لا يجوز أن يجعل فيه. فالله الله معاشر طلبة العلم، أن نحيي فيما بيننا الأخلاق الكريمة والمواقف النبيلة والتراحم والتآلف الذي أمرنا الله عز وجل به. وأن نكون تجارًا مع الله في دعوة الناس إلى هذا الدين العظيم، دين الإسلام. أن نكون دعاة إلى الله وتجارًا مع الله في إدخال الناس في هذا الإيمان. أن نكون تجارًا مع الله في التعريف بالسنة والتحبيب إليها، بأقوالنا وبأفعالنا وبأخلاقنا. أن نكون دعاة إلى الله بحق وصدق، بمواقفنا الكريمة، وكذلك أقوالنا السديدة العادلة. نحن مأمورون بالعدل حتى مع العدل. «لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى». دين يأمر بالعدل، دين يأمر بالإحسان. «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربة وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون». أين نحن من هذه المعاني العظيمة؟ يجب علينا أن نعيد النظر في الكثير مما نفعل وما نقول. هل هذا هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم؟ هل هذا ما كان عليه علماؤنا وصدقاؤنا وإخواننا رحمهم الله؟ يأتي الرجل إلى أبي ذئب -وهو عالم المدينة بزمانه- ويشتم عليه بالكلمة حين رآه دخل ولم يصل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما تستحي تأتي إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تصلي؟ فقام بالصلاة ثم جلس إلى الناس واجتمع على الناس. فاستحى الرجل أنه قال هذه الكلمة الغليظة مع هذا الشيخ، فجاء يعتذر. فقال: «لم تأمرنا إلا بخير فأطعناك». اليوم بعض طلبة العلم لو أحد قال له بشيء، وحتى ليس بالمسألة التي يسع فيها الخلاف، الكثير -إلا من رحم الله- يترفع عن قبول الحب، ويستعظم أن يأتي أحد لينصحه. مع أن الواجب أن نكون غاية في الوئام لغيرنا، خصوصًا العوام ومن هو أدنى منك في العلم. ليس العلم الذي أعطاك الله يجعلك تترفع على من هو دونك، بل العكس ينبغي أن تلين الجانب له. أنت بمثابة الأب، وهو بمثابة ماذا؟ الابن. فالعلم يرفعك رفعة فيها من التكليف أعظم ما فيها من التشريف. وهكذا هو العلم يتوارثه الناس، ويأخذونه نسبًا كما يأخذون النسب في أسمائهم. فأنت حين تأخذ العلم من شيخك، وشيخك أخذه من شيخه، ويتتابع هذا، نسب آخر لك. وهذا النسب يقتضي ماذا؟ من التكليف ما هو أعظم من التشريف. ومن يفتخر بعلمه بسبب أن شيخه فلان، وشيخ فلان، والشيخ فلان، أنا شيخي فلان وشيخه فلان، العالم الفلاني. هذا مثل الذي يفتخر بنسبه، وهو من أعظم ماذا؟ الذنوب. أن تتفاخر بنسبك على عباد الله، على حساب دين الله سبحانه وتعالى. بل الواجب أنك يزيدك هذا تواضعًا ورحمة ولينًا للجانب مع إخوانك. هذا هو العمل بالعلم، وهذا هو كرامة العلم. كرامة العلم أن يزيدك العلم تواضعًا، وأن تكون أدنى حقيقة حين يأتي من هو أدنى منك، حتى لو أخطأ عليك، هو مثل الطفل الصغير. الآن أخطأ عليك ولدك، لطمك بين عينيك، كيف أخلاق الآباء تختلف؟ صح أو لا؟ بعض الآباء ما تستحيل ضرب أبوك أحد، كف لما يرد إلى الجدار. وأب آخر يحتضنه ويقبله، ثم يبدأ ينصحه. أي التصرفين هو الذي أمر به ديننا، تدعو إليه أخلاقنا؟ فضلًا عن الفطر الصحيحة. الأول والثاني، الثاني. وهكذا في الأمور الدعوية والعلمية. من الناس من يخطئ عليك، فترشقه بكلمة تجعله يكره السنة وأهلها. وآخر يقبل ويحتضن ويقرب، فإذا به ما أحب السنة وأهلها، وعظم من يدعو إليها. نحن نريد أن نكون من الصنف الأول أو أن نكون من الصنف الثاني؟ نحن ينبغي أن نبدل أموالنا وأنفسنا وأعراضنا في نصرة دين الله، وفي الدعوة إلى دين الله، وفي تحبيب الناس إلى دين الله. تحبب الناس إلى دين الله سبحانه وتعالى. أذكر في أحد المواقف كنا مع بعض مشايخنا في الحج، فجئنا ووجدنا أحدًا من أهل البلاد المجاورة، تصرف تصرفًا قبيحًا، فيه شيء من الاعتداء على بعض المسلمين في الحج. فقال الشيخ: «أنصح هذا الرجل». فجاء، فقال له: «يا أخي، بارك الله فيك، كذا وكذا وكذا». فماذا فعل ذاك الرجل؟ تنخم وبصق في وجهه. إيش سيكون تصرفك إذا فعل بك أحد مثل هذا؟ والله أدمعني الشيخ لما رأيته. تصرف التصرف الذي ما توقعت. أبعد ذلك مسحها، قال: «هذه لي، وأنا أحتمل أكثر من هذا». لكن كلامي حق، أو بعضه. هل تقبل مني النصيحة التي أعطيتك إياها؟ والله إن الرجل جلس على ركبتيه، ما توقع هذا التصرف. الجواب من هذا الشيخ: «يعني بعض المواطف يا أيها الإخوة، بالصبر وبحسن الخلق، والله تقلب الإنسان أكثر من مئة وثمانين درجة، يكون عدوًا لدودًا، ويبغض ما لقى الرجل». قال: «والله إني أبغض المطاوعة وأكرههم، ولي في قلبي ظل عليهم». قال: «لكن والله لما صرفك هذا، قال: كسرت قلبي». قال: «والله إنك كسرت قلبي». قال: «ليه كل الناس يكونون يا شيخ مثلك؟» يعني في الصبر وحسن الخلق وسعة الصدر. في أحد المواقف كذلك وقع لبعض إخواننا، أن رجلًا صلى بالناس إمامًا بثوب قصير، يعني حق الرياضة، الشرطة الرياضة. فإذا به بعد الصلاة عنده قصات، هذه اللي من هنا ومن هنا. أراد بعض الإخوة أن ينصح، فما استطاع. صلى وخرج عليهم. في صلاة العشاء جاء وصلى مع الناس بنفس اللبس. فقام بعض الإخوة جزاه الله خيرًا، وأخذه جانبًا، وقال له: «غفر الله لك، أذكرك بخير، وقال: ما جاء بك إلى هنا إلا كذا وكذا، ويا حبذا أنك صليت بغير هذا». فقال: «هو حرام، صلاة باطلة». بدأ يريد ماذا؟ الصدام. فعلًا من تصرفه أنه ماذا؟ عنده اندفاع وشدة وتحامل على ما يسمونه المطاوعة. فجاء إليه الأخ زاده الله خيرًا، بأسلوب آخر. قال له: «لو جاءك ضيف وضيوف، هل تقابلهم بهذا الزي؟» قال: «نحن لا نتكلم على بطلان الصلاة، قد يكون بعض العلماء قالوا ببطلانها، وبعض العلماء لم يقولوا بذلك». لكن «هل ترضى أن تقابل ضيوفك بهذا اللباس؟» فقال: «كيف ترضى لنفسك أن تقابل الله سبحانه وتعالى بمثل هذا اللباس؟». المهم كلمة بكلمة، خلق كريم، وكلمات لطيفة. فإذا به قال: «أنا أفعل هذا عمدًا، من شدة تحامله على من يسميهم المطاوعة». فالشاهد بعض التصرفات، وبعض الأخلاق، وبعض المواقف، والله تكون سببًا في هداية الناس إلى دين الله عز وجل. فالله الله أن نحرس على الكلمات اللطيفة والجميلة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. إذا كان عندك حسن وأحسن، فاختر ماذا؟ الأحسن. وفي حديث عائشة الصحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق بشيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بنور شرعه، وأن يهدينا بنور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر. وأن يختم لنا وإياكم بكل خير، وأن يجعلنا وإياكم من أحسن الناس اتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا.