الصحيح المسند من دلائل النبوة  103

الصحيح المسند من دلائل النبوة 103

الدرس الثالث بعد المائة:من(باب عقوية من عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسخر بالله ...أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة والبيهقي في دلائل النبوة وفي الأسماء والصفات).

عقوبة المعاندين وسخرية الجاهلية

يروي قصة رجل من الجاهلية سخر بالله ورسوله فأرسل الله عليه صاعقة، ونزلت آية ﴿وَيُرْسِلُ الصَوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. هذا الحديث من دلائل نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم.

دلائل النبوة ودعوة المشركين

يبرز دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم من خلال عقوبة من عانده، ويشدد على أهمية دعوة المشركين بالحجج والبراهين مع الصبر. الدعوة إلى الله لها مقاصد متعددة منها هداية المدعو أو غيره.

صفات الداعي وغيرة الله على دينه

يتناول صفات الداعي إلى الله وحامل العلم، ويبرز أهمية الحلم بالسفهاء والصبر على الإساءة. كما يشير إلى سنة الله في الصراع بين الحق والباطل وغيرة الله على دينه.

موقف أهل السنة من الأسماء والصفات

أهل السنة يتبعون النصوص الشرعية في باب الأسماء والصفات، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه وينفون عنه ما نفاه عن نفسه دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، بكتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: «عقوبة من عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسخر بالله». قال البزار رحمه الله تعالى: «من كشف الأستار»، يعني كما في «كشف الأستار في زوائد البزار»، وهذا كما قلنا قبل أن يطبع «مسند البزار»، قال: حدثنا عبدة بن عبد الله، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ديلم بن غزوان، قال: حدثنا ثابت عن أنس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله تبارك وتعالى، فقال: «إيش ربك الذي تدعوني إليه؟ من حديد هو؟ من نحاس هو؟ من فضة هو؟ من ذهب هو؟» فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم الثانية، فقال مثل ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسله الثالثة، فقال مثل ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل الله تبارك وتعالى عليه صاعقة فأحرقته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى قد أرسل على صاحبك صاعقة فأحرقته»، فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُرْسِلُ الصَوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال البزار رحمه الله: «ديلم بصري صالح». وقال الهيثمي في «المجمع»: «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وديلم بن غزوان وهو ثقة». والحديث أخرج ابن أبي عاصم بكتاب «السنة»، والبيهقي في «دلائل النبوة»، وفي «الأسماء والصفات». أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث التي تدل على شيء من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الباب، خاصة في عقوبة من عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسخر بالله، أي أن الله عاجله بعقوبة كان فيها دليل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام رسول الله حقًا وصدقًا؛ فإنه قد أيد بآيات كثيرة وعلامات عديدة. ومن تلك الآيات والعلامات التي تدل أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا وصدقًا عقوبة من عانده أو سخر بالله عز وجل. ووجه الدلالة في هذا الحديث ظاهرة؛ فهذا الرجل الكافر المشرك الذي كما ذكر أنه كان من عظماء الجاهلية عاند وكابر وسخر، فأنزل الله عز وجل عليه صاعقة فأحرقته. وهذا كما هو ظاهر مع غيره من الأدلة الأخرى يؤكد هذا الذي أشار إليه الشيخ، وقبله أهل العلم كالبيهقي في «دلائل النبوة» وغيره؛ فهو من علاماته ودلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فمثل ذلك لا يفعله الناس، وكون مثل هذا يأتي له نظائر وتتعدد له الحوادث يؤكد أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى، من هذه المسائل دعوة المشركين؛ فمن الدعوة إلى الله دعوة الكفار والمشركين. فهذا بعض ما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضي الله عنهم. وهكذا ينبغي أن يفعل في هذا الزمان؛ فإن الدعوة لا تنحصر بدعوة المسلمين، بل دعوة المسلمين ودعوة الكافرين، دعوة الموحدين ودعوة المشركين. وهذه الدعوة تكون بالحجج والبراهين قبل أن تكون بالسيف والسنان. وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسلًا إلى أنحاء الأرض من الكفار، وهذا كذلك من ذاك الكثير الذي جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك الصبر في الدعوة إلى الله وتكرار دعوة المدعو وعدم اليأس؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل من يدعو هذا الرجل ثلاث مرات، مع أنه لم يرد برد طيب، وإنما رده كان فيه شيء من السخرية والعناد والمكابرة. فكذلك ينبغي أن لا ييأس طالب العلم والداعي إلى الله من الدعوة إلى الله، يستمر ويصبر؛ فربما وافق وقتًا تنفتح فيه القلوب، فيكون في ذلك هداية من يدعوه. وما أكثر مثل ذلك؛ يدعو الإنسان مرة فلا يجد قبول، والثانية والثالثة، فربما بعد فترة يجد القبول؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. كما أن الدعوة إلى الله ليس المقصود منها فقط هو استجابة المدعوين، بل له مقاصد أخرى؛ إن استجاب هذا المدعو فهذا حسن، وإن لم يستجب هذا المدعو فإنه ربما ينفع غيره ممن معه؛ فرب إنسان تبلغه الدعوة فيكون ذلك سببًا في هدايته، وهذا كثير. وهكذا كذلك فيه التعبد لله بهذه العبادة وهي الدعوة إلى الله؛ فهو من أحسن العبادات والقربات. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾، أي: لا أحسن من هذا القول والفعل؛ فهو من أحسن الأعمال الصالحة. وكيف لا وقد علمنا من أدلة أخرى أن الدعوة إلى الله باب آخر من أبواب الجهاد في سبيل الله. وهكذا كذلك في هذه المسائل ما ينبغي أن يتخلق به الداعي إلى الله وحامل العلم من الحلم بالسفهاء؛ فهذا الكافر المشرك عاند وكابر واستهزأ وسخر، ومع ذلك لم يجبه من يدعوه بشيء صبر. وهو يقول: «إيش ربك الذي تدعون إليه؟» وإيش يعني سؤال: ما هو؟ وهي كلمة عربية لها أصل عربي فصيح، وهي مشهورة عند الكثير من العامة إلى يومنا هذا. ولهذا قال بعض أهل اللغة: إن الكثير مما يجري في ألسنة العامة له أصول عند العرب، لكنها نادرة قليلة، مثل كلمة «إيش»، فيظن بعض الناس أنها عامية، وهي لها أصل عند العرب؛ فهي لهجة من لهجات العرب. لكن كما تعرفون أفصح لهجات العرب هي لهجة أهل الحجاز، أهل قريش، وهو به نزل القرآن، وهو ما يسمى بالعربية الفصيحة؛ لأن أهل مكة كانوا أم القرى، يأتي إليهم العرب من كل مكان، فيأخذون لغات الناس وينتقون أحسنها. وفيه من المسائل كذلك سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق والباطل؛ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعذب أعداءه بقول «كن فيكون»، ولكن لله حكمة بأن تكون دعوة، وأن يكون إعراض، وأن يكون أدلة قولية وفعلية، ولكن العاقبة للمتقين. وفيه كذلك نصرة الله عز وجل لأوليائه وغيرته على دينه وأتباع هذا الدين؛ فإن الله يغار، وغيرة الله أن تؤتى محارمه، ومن محارمه المكابرة والسخرية بأهل الحق. والله جل وعلا يمهل ولا يهمل؛ فإذا لا ييأس الإنسان من نصر الله، ولا يستعجل ذلك؛ لأن لله حكمة في ذلك. وهكذا كذلك فيه عقوبة من سخر بدين الله عز وجل؛ فإنه من أعظم الذنوب، ولهذا أرسل الله عز وجل عليه صاعقة. ومنه المجادل بالباطل: ﴿وَيُرْسِلُ الصَوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. وفيه كذلك إثبات هذه الصفة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته؛ ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فأهل السنة والجماعة يدورون مع النصوص حيث دارت، ومن ذلك في باب الأسماء والصفات لا يتعدون القرآن والحديث؛ فيثبتون لله ما أثبت لنفسه في كتابه وصحيح سنة رسوله، وهكذا ينفون عنه ما نفاه عن نفسه في كتابه وصحيح سنة رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.