الصحيح المسند من دلائل النبوة  87

الصحيح المسند من دلائل النبوة 87

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 87، الدرس السابع والثمانيون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا قتيبة حدثنا الليث ... وقد كتبته في إجابته صلى الله عليه وسلم عن أسئلة أهل الكتاب ...إلخ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عصمة النبي في مواجهة محاولات اليهود

يتناول هذا الفصل قصة إهداء اليهود لرسول الله شاة مسمومة وكيف كشف الله له أمر السم، ويبين وجه الدلالة على عصمة النبي. كما يشرح آراء أهل العلم حول هذه القصة وعلاقتها بقصة اليهودية التي وضعت السم في الشاة.

دروس من تعامل النبي مع الأعداء

يُظهر هذا الفصل درسًا من سيرة النبي في التعامل الحكيم مع الأعداء، حيث استخدم أسلوب الاستفهام مع اليهود لكشف نواياهم، ويُبرز رحمة النبي وحلمه في معاملة الأعداء.

طبيعة الإسلام كدين رحمة وحكمة

يشرح هذا الفصل مفهوم الجهاد في الإسلام، موضحًا أنه نوعان: لدفع العدوان ولنشر الدين مع إعطاء الناس حرية الاختيار، ويبرز رحمة الإسلام وعدله في التعامل مع المخالفين.

شروط قبول التوبة في الإسلام

يتناول هذا الفصل شروط قبول التوبة، مشيرًا إلى أن التوبة مقبولة إلا لمن ثبت تلاعبه بها مثل الزنديق، ويوضح أن العلماء نصوا على ذلك بحسب القرائن وأن التوبة الصادقة هي التي تقبل.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن عبد الوادع رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة» قال: وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة، وهو ابن سعيد، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي، قال: عن سعيد بن أبي سعيد، هو المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي من كان ها هنا من اليهود، فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان -يعني نسبكم يرجع إلى من- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت، فقال: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسأوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال لهم: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم، فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ فقالوا: نعم، فقال: ما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك». قال: وقد كتبته في إجابته صلى الله عليه وسلم عن أسئلة أهل الكتاب إلى آخره. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في هذا الفصل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وعلامات صدق رسالته، عصمة الله عز وجل. وجه الشاهد من هذا الحديث ظاهر، وهو أن الله عز وجل عصم نبيه من سم هذه الشاة، فلم يضر النبي عليه الصلاة والسلام شيئا. وقد اختلف أهل العلم: هل هذه قصة أخرى أم هي قصة هي نفس قصة اليهودية التي وضعت السما في الشاة؟ فمن أهل العلم من قال: إنها قصة أخرى، وقصة اليهودية قصة أخرى. وذهب بعض أهل العلم أنها نفس القصة، لكن اختلف موردها، وكذلك تعدد طرقها. وسواء كان هذا أو هذا، فالشاهد هو أن اليهود أرادوا أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السم الذي وضعوه في الشاة، فحفظ الله عز وجل النبي عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى، أولها: هذا الذي أراد لأجله إيراد الشيخ رحمه الله هذا الحديث، وهي ما سمعنا من تأكيد عصمة الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، فهو رسول الله حقا وصدقا. ولذلك كشف الله عز وجل أن الشاة فيها سم، فلم يضره هذا السم -يعني في حال أكله- لو كانت نفس قصة الشاة التي في قصة اليهودية. وإن كان عليه الصلاة والسلام تأثر من أثر السم، ولكنه لم يمت في الحال، بل بقي سنين يتأذى منه حتى كان الوقت الذي أكمل الله عز وجل به الرسالة وأتم به الدين، فعند ذلك أراد الله أن يجمع له بين مرتبة النبوة والشهادة، فمات نبيا رسولا شهيدا عليه الصلاة والسلام من أثر سم اليهودية. فإنه مرض في مرض موته من أثر ذاك السم حتى قال في مرض موته -كما في حديث عائشة في الصحيحين-: «إني أجد انقطاع أبهري من أثر السم الذي أكلت يوم خيبر»، والأبهر هو أكبر وريد في القلب. وهذا يدل أنه مات من أثر السم عليه الصلاة والسلام، لكن ليس في الحال، بل بقي سنين، حفظ الله نبيه عليه الصلاة والسلام وعصم حتى أتم الرسالة وأكمل الله به الدين، ثم جمع الله له بعد إتمام الرسالة وإتمام تبليغ الدين بين مرتبة النبوة والرسالة والشهادة، فمات شهيدا عليه الصلاة والسلام من أثر السم الذي وضعته اليهودية قبل سنوات. وإن كان أصحابه الذين أكلوا من السم ماتوا في الحال، حتى قتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودية بسبب موت أولئك الذين قتلوا بسبب السم. وإن كانت قصة أخرى كما قال بعض أهل العلم، فيكون لم يأكل النبي عليه الصلاة والسلام من الشاة. ومعنى أنهم وضعوا السم مرتين: المرة الأولى لم يأكل النبي عليه الصلاة والسلام من الشاة، والمرة الثانية أكل مع بعض أصحابه، ومع ذلك توقف عن الأكل حين علم أن في هذا اللحم سم، فمات من مات من أصحابه، فقتلت اليهودية بسببه، وعصم الله نبيه كما قلنا حتى أتم الله به الرسالة وأكمل الدين. فعند ذلك جمع له بين فضيلتي ومرتبة النبوة والرسالة مع الشهادة. وفيه من المسائل كذلك خبث اليهود، وتأكيد ما أخبر الله عز وجل عنهم من معاداتهم للأنبياء والمرسلين، وهم الذين أخبر الله عز وجل عنهم أنهم كلما جاءهم رسول كذبوه أو قتلوه. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من حسن السياسة مع الأعداء، وما أوتيه عليه الصلاة والسلام من جوامع الكلم. فإنه استدرج اليهود بهذه الأسئلة حتى قال بعض أهل العلم: في هذا درس عظيم في طريقة الاستجواب والاستفهام. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يبدأ اليهود بالسؤال الذي يريد أن يسألهم عنه، ولكن ابتدأهم بسؤالين: من يزاد بهما كيف يكون حالهم إذا كذبوا، وكيف يكون حالهم إذا صدقوا؟ وهكذا من أراد أن يستفيد من سنة عليه الصلاة والسلام في هذا الباب في الاستفهام والاستخبار عن من هو مظنة الكذب عن شيء قد يكذب فيه، فلا يسأل أول ما يسأل عن السؤال الذي يريد أن يسأل عنه، ولكن يسبقه بأسئلة، فعندها سيتبين له كيف يكون حال هذا المجيب إذا كذب، وكيف يكون حاله إذا صدق. وبه يستطيع أن يصل بعد ذلك إلى السؤال الذي سيسأل عنه، ويميز كيف حالهم إن صدقوا أو كذبوا. فالسؤال الأول والثاني علم النبي صلى الله عليه وسلم جوابه، وهو أراد بهذا أن يصل كيف يكون حالهم في صدقهم وفي كذبهم. والسؤال الثالث أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يتثبت منهم، فوصل إليه بالسؤالين السابقين. وفيه كذلك أثر ذلك على نفسية المسؤول، فإن المسؤول إذا علم أنه قد سئل وكذب وتبين كذبه، وسئل وكذب وتبين كذبه، ثم سئل ثالثا فإنه أقرب أن يصدق ولا يكذب. ولهذا صدق اليهود في السؤال الثالث، قال لهم: «هل جعلتم في هذه الشاة سما؟» فقالوا: نعم، صدقوا، بينما السؤال الأول والثاني كذبوا. وهذا كما قلنا فيه هذا الدرس العظيم في هذا الباب. وفيه من المسائل كذلك: ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من رحمته بالخلق، وحلمه في معاملة الأعداء. فإن من تأمل سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام وجد صدق ما أخبر الله عز وجل عنه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فهو رحمة ليس فقط لأهل الإسلام، بل حتى لغير أهل الإسلام. ولو صدق أعداء هذا الدين وأنصفوا لم يجدوا بدا إلا في التعظيم والإجلال لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وأن يشهدوا شهادة الصدق وحق وعدل أن ما جاء به هو الدين الحق، دين الرحمة والحكمة. فإن من تأمل تاريخ البشرية من أولها إلى آخرها لم يجد في سيرة أحد كسيرة نبينا عليه الصلاة والسلام. ومع هذا نعجب من يأتي فينادي اليوم ويتهم هذا الدين وأهله بأنه دين الإرهاب، وأنه دين العنف، حتى صار بعض الجهل من المسلمين يستحيون بأحكام الدين، وربما جاروا بعض المنافقين وأعداء الدين في إبراز بعض الطعونات في أحكام هذه الشريعة الحكيمة. وربما كذلك دفع بعضهم ممن على شيء من الانحراف في التصور الصحيح لدين الإسلام إلى تحريف الأحكام الشرعية فرارا من تلك التهمة الكاذبة أن هذا الدين دين العنف. فبدأ يحرف بعض النصوص، وربما قال بعضهم: الجهاد منسوخ، كان في أول الإسلام، أما الآن لا يوجد جهاد، وهكذا غير ذلك. والناس في هذا طرفان ووسط، ودين الله بين الغالي والجافي، دين الإسلام دين الرحمة، ودين الحكمة. ومن تأمل سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام ودعوته استيقن أن هذا الدين هو دين الحكمة والرحمة، ومع ذلك فهو دين إحقاق الحق. فرحمة اجتمعت مع حكمة يكون بها إحقاق الحق، ووضع الشيء في موضعه الصحيح. فكون أن هذا الدين جاء ببعض الأحكام التي صار يطعن بها أعداء هذا الدين على أهله مثل الجهاد في سبيل الله، هذا لا يعني أن نغير ونحرف ونكذب على دين الله عز وجل وعلى الله وعلى رسوله. بل ينبغي أن نسأل أهل العلم، وأن نتفقه في أحكام الشريعة حتى نعرف هل هذه الدعاوى صحيحة؟ فإن كانت غير صحيحة فما هو التفسير والتوضيح لمثل هذه الأحكام؟ فأهل العلم لهم أجوبة، فيكفي أن يعلم أن هذا الدين قد جاء بكل معاني الرحمة للخلق، فهو الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. ومن تأمل الأحكام الشرعية في هذا الدين وجدها في غاية الرحمة بالخلق. فهذا الموقف انظروا لو وقع مثله مع أحد من زعماء الأرض ماذا يكون صنيعه مع أولئك؟ يمكن يبيد ليس فقط من فعل هذه الفعلة، بل ربما كل من له صلة بهذا الفعل. انظروا ماذا فعل هتلر باليهود حين خانه بعض اليهود، ماذا فعل بهم؟ فعل بهم أعظم مجزرة عرفتها تاريخ البشرية في اليهود. هل فعل المسلمون مثل ذلك، وهم قد خانوا المسلمين في مواضع: بني قريظة، وبني المصطلق، وأصحاب خيبر، وهكذا محاولتهم قتل النبي عليه الصلاة والسلام؟ كل ذلك ونبينا عليه الصلاة والسلام لا يجري فيهم إلا العدل، ويعاملهم بغاية الحكمة والرحمة عليه الصلاة والسلام. كفار قريش ماذا فعلوا بالنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه يوم أحد؟ قتلوا من قتلوا، ومثلوا بمن مثلوا، فلما فتح الله عز وجل عليه مكة قال لهم: «ماذا تظنون أني صانع بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم يا رسول الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اذهبوا فأنتم الطلقاء، اذهبوا فأنتم الطلقاء». هل يوجد في تاريخ البشرية أن طائفتين يحصل بينهما من العداوة ما حصل، ومن الحروب ما حصل، ثم يتمكن أحدهما من الآخر فيقول: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»؟ ما يوجد مثل هذا أبدا، ولكنه في دين الإسلام. فهذا قليل من كثير مما يدل أن ديننا ليس كما يزعمه الأعداء، بل دين رحمة، ودين حكمة في نفس الوقت. أما الجهاد في سبيل الله فهو جهادان: جهاد لدفع صولة الصائلين ممن يعتدي على المسلمين، وهذا حق ليس فقط لأهل الإسلام، بل ما من أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب إلا وله جيش يحمي شعبه ويحمي أمته من صولة الصائلين واعتداء المعتدين. ويعتبر هذا من الحقوق التي لا يجوز تجريد أمة من الأمم منها، فكيف يتهم المسلمون بأنهم أهل عنف؟ وأما النوع الثاني من الجهاد، وهو الجهاد الذي يكون لتكون كلمة الله العليا بنشر هذا الدين، فهو جهاد مسبوق بخيارات، ومقصوده أن تبقى الحرية الحقيقية بالميزان الشرعي لا بالميزان الكفري عند الإنسان. حتى لا يحول حائل بين الإنسان واختياره، فإن الكثير من الملوك ودول الكفر هم حجر عثرة في اختيار الناس لدين الله عز وجل. ولهذا أمر الله عز وجل بإيصال هذا الدين وتبليغه، فبعد ذلك يخير هذا الكافر بين دفع الجزية ويحميه أهل الإسلام بأحكام الإسلام العادلة، وبين أن يدخل في دين الإسلام، فلا يكون عليه شيء، بل العكس تكون له الكرامة في الدنيا والآخرة. وهذا هو تمام العدل، ليس فيه شيء من الإجحاف، بل هو تمام الرحمة للخلق. وهذا معنى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، وهذا معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾. ف، فالكثير من المسائل تحتاج إلى نظرة شرعية صحيحة، وإلى سؤال لأهل العلم حتى لا تحصل مثل هذه المفاهيم المغلوطة التي يثيرها بعض الناس في هذا الزمان، ربما في وسائل الإعلام المقرؤة أو المسموعة أو المرئية. فصارت بعض الثوابت الشرعية محل نظريات وآراء ومجادبات، ومفاهيم كلها تخرصات بجهل، وكلام بغير علم في دين الله سبحانه وتعالى. طيب نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: كيف يجمع بين الحديث: «وإن كنت نبيا لم يضرك»، وفي حديث عائشة في سبب وفاته أنه أضره؟ لم يضره يعني الآن، فلو كان ليس بنبي -يعني أضره الآن- مع أن هذا ليس كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما كلام اليهودي، هذا كلام اليهودي. وإلا فلله حكمة، فقد يتسلط بعض الكفار على المسلمين، ولا يعني تسلط الكافر على المسلم أن الكافر محق. كم قتل من الشهداء من المسلمين؟ هل معنى هذا أن الكفار على صواب إذ استطاعوا أن يتمكنوا من المسلمين ويقتلوهم؟ الجواب: لا، ليس كذلك، لكن لله حكمة في ذلك. ونبينا عليه الصلاة والسلام لم يضره السم حتى أتم الدين وأكمل الرسالة، فنزل قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فحتى علم الصحابة بنزول هذه الآية أن أجل النبي عليه الصلاة والسلام اقترب، ونزل كذلك قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، حتى بكى أبو بكر رضي الله عنه، ففهم ما لم يفهم الكثير من الصحابة، إذ فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم بقرب أجله. حتى قالت عائشة: «كان النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن نزلت هذه السورة يكثر أن يقول في سجوده وركوعه: أي الاستغفار والتسبيح تفسيرا لهذه الآية، متأولا -أي عاملا- بما فيها». طيب هذا يقول: ذكرتم أن المرأة التي وضعت السما في الشاة أمر بقتلها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء بالحديث الثاني بعد هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «لا تقتلوها»، هذا لعله في أول الأمر، سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. يقول: ما معنى هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَلَا هُمْ مُهْتَدُونَ﴾؟ هل معنى أن الذي يرتد ثم يتوب لم تقبل توبته؟ نعم، لن تقبل توبتهم -يعني ما دام ثبت تلاعبهم بالتوبة- وهذا بحسب القرائن. ولهذا نص العلماء أن الزنديق لا تقبل توبته -يعني من ثبت تلاعبه تلاعبه بالتوبة-. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.