شرح أصول السنة للرازيين 26

شرح أصول السنة للرازيين 26

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 26، الدرس السادس والعشرون:من( قال أبو محمد:وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع يلغظان في ذلك أشد التغليظ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم هجر أهل البدع وأهميته

يتناول المفهوم والأهمية لهجر أهل البدع استنادًا إلى أقوال الأئمة والاستشهاد بالقرآن والسنة. هجر أهل البدع يحمي المجتمع من الشرور ويردعهم عن بدعهم.

ضوابط هجر أهل البدع ودرء المفاسد

الهجر أصل شرعي لكنه قد يُستثنى في حالات معينة إذا ترتب عليه مفسدة أكبر. ينبغي مراعاة القواعد الشرعية ودرء المفاسد عند التعامل معهم.

التعامل مع أهل البدع وتقبل توبتهم

يناقش كيفية التعامل مع أهل البدع وفق الضوابط الشرعية وقبول توبتهم إذا أظهروها. يُبرز أمثلة من السنة وسيرة السلف في التعامل معهم والتائبين.

الضوابط الشرعية للتوبة والتعامل مع التائبين

يجب نصح من يظهر منه ما ينافي التوبة، وإن لم ينتصح يرد كلامه. التعامل مع التوبة يكون وسطًا بين الإفراط والتفريط.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، ما ذكره الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله فيما نقله عن أبيه، وهكذا قبل ذلك، وما سيأتي إن شاء الله عن أبيه وعن أبي زرعة رحمهم الله تعالى جميعا، مما فيه ذكر بعض صفات أهل البدع، ومن ذلك طعنهم في أهل الأثر ورميهم إياهم بالألقاب. وعلمنا معه بعض الصفات أو العلامات التي هي من أبرز علامات أهل البدع. وعلامات أهل البدع كثيرة، وهكذا ما ذكر مما نقل عن الأئمة فيمن سبق، فكذلك يقال نحوه في كل زمان ومكان فيمن يطعن في علماء أهل الحق وحملة الحديث والأثر والمعتنين به. فإذا كان قد قال أئمة -كما روي عن ابن قتيبة رحمه الله- إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وذكر أقواما، فبيّن رحمه الله أن مثل ذلك علامة على أنه على السنة، وأن من خالف هذا فهذه علامة على أنه مبتدع. فكذلك يقال بعدهم: إن الطعن في أهل العلم من أهل الحديث والأثر ومن تبع السلف بإحسان ممن كانت لهم الإمامة والهداية، هذا ممن يعرف به أنه من أهل البدع. فكذلك يقال في زماننا هذا: الطعن في أئمة وعلماء أهل السنة يعتبر علامة من علامات أهل البدع، سواء الطعن الصريح أو الطعن الخفي، الصريح بتسميتهم والخفي بالهمز واللمز فيهم. فكل ذلك ليس من صنيع أهل السنة، بل هو من صنيع أهل البدع والأهواء. ولهذا ناسب بعد هذا ذكر ما نقله رحمه الله، قال أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله: وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، يغلظان في ذلك أشد التغليظ. وهذا أصل آخر من أصول السنة. وناسب ذكر هذا الأصل بعد ذكر ما سبق ليعلم ما هو الواجب تجاه أهل البدع. فقال: يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، يغلظان في ذلك أشد التغليظ. وهذا ليس مذهب هؤلاء الأئمة فحسب، بل هو مذهب عامة أهل السنة من لدن الصحابة فمن بعدهم. فإنهم كانوا يشددون مع أهل الأهواء، بل أدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وأهل البدع والظلم من أهل الظلم، والركون إليهم بمجالستهم والأنس بهم، فإن ذلك من الركون إلى الظالمين. ومن الركون إليهم الأخذ بطريقتهم، فكل الأمرين منهي عنه. لا يزال المسلم أن يأخذ بطريق ومنهج وتدين الظالمين، سواء بظلم الكفر أو ظلم البدعة أو ظلم المعصية. وهكذا كذلك لا يجوز له -وإن لم يتابعهم- أن يجالسهم؛ لأن مجالستهم سبب لحصول ما يحصل لهم. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن العربي رحمه الله في تفسير هذه الآية: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل. ثم نقل عن ابن خويز منداد: أن من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمنا كان أو كافرا؛ فالمؤمن هو المبتدع والفاجر. ونص على ذلك بعده: أن هذه الآية فيها دليل على هجر أهل البدع. وهكذا كذلك في السنة من هذا المعنى كثير. ومن هذا الكثير قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه». وفي لفظ أبي داود: «مما يبعث به من الشبه أو من الشبهات». واستدل العلماء بهذا الحديث على هجر أهل الأهواء ومجانبتهم، ليس هم فقط، بل كل أهل الباطل من كافر وفاجر؛ لأن مجالسة هؤلاء سبب لدخول شبههم ومبطلهم على صاحب الحق. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أمر وحرص على عدم مجالسة والسماع للدجال، فكذلك كل صاحب باطل لا ينبغي أن يسمع له ويجلس إليه. فإن هجر أهل البدع يكون لمعنيين اثنين: المعنى الأول: سبباً في ردعهم وردهم إلى الحق. والمعنى الثاني: حماية المجتمع من الشر الذي يحملونه حتى لا تنتشر شرورهم في المجتمع. ومن ذلك ما جاء في الصحيح لقصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم جميعاً، فيما وقع في قصة تبوك وحين تخلفوا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم في القصة المعروفة المشهورة بهجرانهم بضعاً وخمسين يوماً. قال النووي رحمه الله بعد أو في ثنايا شرحه: أن هذا الحديث فيه أصل لهجر أهل البدع والأهواء. ووجهه: أنهم هجروا لأجل أن يرتدعوا، فكذلك من باب أولى أهل البدع والأهواء. وليس معناه أنهم كانت عندهم بدعة كما هو ظاهر، لكن معناه: إذا كان هذا في حق المؤمن التقي إذا وقعت منه مخالفة، فمن باب أولى المبتدع. وهذا معنى. والمعنى الآخر يؤخذ من قصة أو التحذير من مجالسة الدجال: هو حماية المجتمع من شر صاحب كل ذي شر. وأما الآثار المروية في ذلك عن الصحابة والتابعين والأئمة فهي كثيرة جدا، بل ألف بعض أهل العلم فصولا وأبوابا وكتبا في هذا المقام، أي في هجر أهل البدع. فقد روي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال لرجل جعل في عضده خيطا من الحمى: لو ميت وهذا عليك لم أصلي عليك. وواه الخلال في السنة. وهكذا روي في قصة عمر المشهورة مع صبيغ، وما أمر به من هجره حتى أنه كتب لأهل البصرة ألا تجالس صبيغا لما قال ما قال، وكان على ما كان. وقصة مروية في مواضع كثيرة من كتب السنة المؤلفة للأمة، منها السنة للخلال. وهكذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال لأيوب بن أبي تميم السختياني: لا تجالس طلق بن حبيب؛ فإنه مرجئ. وروي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال: «من وقر صاحب بدعة فقد عانى على هدم الإسلام». ومعنى أن توقير أهل البدعة إعانة له على التمكين في المجتمع، وهذا يعين على هدم الإسلام بما يكون من تمكنه واغترار الناس به. ولهذا كان أهل العلم يحذرون من أهل الباطل. وكما روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه كان يقول: «لولا أهل المحابر لصعد الزنادقة على المنابر». ومعنى أن أهل المحابر -أي أهل العلم- يبينون الحق من الباطل ويحذرون من أهل الباطل. ولأجل ذلك لم يصعد أهل الزندقة على المنابر. وإذا كان كذلك، فكيف يمكن أن يقال أنهم يعطون الود والمحبة أو يؤخذ عنهم علم أو يكون لهم تمكين؟ وروي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعطى الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن الله يغفر له». وهذا يدلك على توثق هذا الأصل عند الأئمة وما نقلوه عن سلف الأمة. ومعنى كون من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها: لأنها بهذا تنقطع عن المجتمع بزواجها بهذا المبتدع. ولأهل العلم تفاصيل فيما يتعلق بهجر أهل البدع ومسائل، وربما كذلك استثناءات في بعض المواضع، كل هذا بحسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية. فالأصل في هذا الباب هو هجر أهل البدع حماية للمجتمع من شرهم، وكذلك ردعا لهم أن يرجعوا من غيهم وباطلاء لعلهم يتوبون وينيبون إلى الله سبحانه وتعالى. وقد يكون أحيانا المقام لا يقتضي ذلك، إذا كانت هناك مفسدة غالبة متحققة في هجر أهل البدع والأهواء، فإنه عند ذلك لا شك تدرأ المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. مثاله: لو أن أناسا في مجتمع أهل البدع هم المتمكنون فيه، فلهم السلطان ولهم كذلك القوة، فإن إظهار الغلظة والجفاء وكذلك الهجران في مثل ذلك المجتمع ربما يستدعي لتسلط أولئك المبتدعة على أهل الحق، فربما نزع منهم مساجدهم ولم يمكنوهم من دعوتهم ودروسهم، وتلك مفسدة عظيمة يكون على إثرها انطفاء نور السنة من المجتمع. ولا شك أن بقاء ذلك مطلوب ومقصود، وهو أعظم من مسألة هجرهم. فربما يقتضي المقام أحيانا أن يسكت صاحب الحق عن أهل الباطل، ليس ضعفا ولا تهاونا، ولكن عملا بالقواعد الشرعية الصحيحة من إتيان المفسدة الصغرى عند الاضطرار إليها، دفعا للوقوع في المفسدة الكبرى. فليس من الحكمة أن يكون رجل في مجتمع ضعيف فيه أهل الحق والسنة، يدخل في خلافات تكون سببا في حرمان المجتمع من العلم الذي يحمل، فيمنع من التعليم والتدريس والخطابة، وربما تغلق مدرسته ويبعد من مسجده، فيمكن مبتدع من مسجده بدلا من كان من أهل السنة. هذا خطأ، ولا يأمر الشرع في عمومات الأدلة بمثل هذا المعنى. بل على العكس، النبي صلى الله عليه وسلم دعا المشركين في مكة، وهو يدعوهم عليه الصلاة والسلام لم يكن ينابذهم كما نابذهم وهو في المدينة عليه الصلاة والسلام. ولا يعني ذلك أن تترك الحق، لا، قل الحق، لكن لا تدخل في مهاجمة وخصومات مع أهل الباطل من أهل البدع وغيرهم. بين الحق ما دام الأمر في مكة، لك أدعو إلى التوحيد وإلى السنة وإلى بيان العلم للناس وتبيين الشريعة والإسلام الصحيح الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وأكثر المجتمعات إذا صار فيها العلم هكذا لم يعترض عليك، لكن إذا سميت في خطبتك وفي محاضرتك وفي درسك طائفة من أهل البدع بلقب تلك الجماعة والطائفة أو باسم أحد أفرادها، ربما كان ذلك سببا في حرمان الخير الذي كان عندك. فإذا كان كذلك فلا حاجة لتعيين الأسماء، ربما يكفيك في مثل هذا المقام أن تبين الباطل وتحذر منه من دون أن تذكر الأسماء، ما دام أن ذكر الأسماء ربما يكون سببا في انقلاب الخير الذي في يديك وينزع ويتحول في أيدي أهل الباطل. وليس معنى ذلك أن ذكر الأسماء ممنوع مطلقا، لا، إذا اقتضت المصلحة له من دون مفسدة، فإنه قد يحتاج التعيين أحيانا. قد يحتاج التعيين أحيانا؛ فليس كل الناس يفهمون الحق وطريق الباطل وطريق أهل الباطل. فربما أحيانا تقول: احذروا عباد القبور، واحذروا طريقة مثلا كذا وكذا، واحذروا الخوارج، واحذروا، وتبين بالأدلة، وتبين، ومع ذلك تجد أناسا يتابعون أهل الباطل ممن حولك. فإذا قلت وجلست في مجلس خاص: كيف يا فلان تمشي مع هذا وتلتجئ إلى مثل هذا الإنسان وأنت تعرف خطورة الخوارج؟ فيقول: أنا ما ظننت أن هذا من الخوارج، وما ظننت أن هذا من أهل البدع، وما عرفت أن هؤلاء من عباد القبور أو أن هؤلاء من أصحاب الشرك. فلهذا أحيانا قد يحتاج التعيين، لكن كما قلنا وسبقت الإشارة إليه كثيرا في دروس سابقة: إذا لم يترتب على ذلك مفسدة. وأما إذا ترتب على ذلك مفسدة، فلا شك أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وهذا المعنى ينبغي أن يكون في الحسبان كثيرا؛ فإن هذا من الأصول العظيمة التي ينبغي أن تراعى. ولهذه القاعدة أدل كثيرة من الكتاب ومن السنة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. سب الكفار آلهتهم مما يعبدون من دون الله، هذا من التوحيد ومن التحذير من الشرك ومن إقامة دين الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك إذا كان هذا يؤدي إلى مفسدة من سب الله عز وجل وحصول ما مفسدته مساوية أو أعلى من تلك المفسدة الذي أردت إزالتها، فإنه عند ذلك يتقرر ترك ذاك المنكر. ولهذا قال العلماء: من شرط تغيير المنكر ألا يؤدي إلى منكر أعظم منه، ألا يؤدي إلى منكر أعظم منه أو مساو له. حتى إذا كان مساويا له، إذن لا فائدة من تغيير هذا المنكر، لكن أسلك مسلكا آخر بأن تذكر الشيء بدون تسميته. ممكن أن تحذر من الشرك، تحذر من البدعة، تحذر من صفات معينة هي من صفات أهل البدع تنطبق في واقع الناس على تلك الطائفة التي لا تستطيع أن تسميها باسمها. وهذا هو طريقة أهل العلم لمن تتبع ذلك وتأمله ونص عليه في مواضع من كتبهم. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث عائشة: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأعدت البيت على أساس إبراهيم، ولجعلت له بابا يدخل منه الناس ويخرج منه، ولأخفضت بابها إلى الأرض، ولأنفقت كنزها في سبيل الله». الحديث ذكر أربع خصال، أهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعلها، لكن منعه من ذلك حصول الفتنة لقوم منهم حديث عهد بإسلام. واستدل أهل العلم بهذا الحديث على هذه القاعدة العظيمة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، بل ارتكاب أخف المفسدتين دفعا لأشدهما وأعلى المفسدتين شرا مطلب شرعي دلت عليه الأدلة الشرعية الكثيرة، وكانت عليه سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا صلح الحديبية كذلك، لمن رآه يرى في ظاهره الغضابة على أهل الإسلام، ويرى فيه كذلك ربما التنازل عن بعض الحقوق للكفار. إذا أسلم الرجل من المشركين يلزم المسلمين أن يردوه إليهم، وإذا رجع الرجل من المسلمين إلى الكافرين وجب عليهم أن يتركوه ولا يرد إلى المسلمين. سبحان الله، هذا الشيء وحده فقط ظاهره الغضابة على أهل الإسلام وعدم العدل والإنصاف. لكن لما كان المسلمون في ذاك الوقت يحتاجون للصلح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله رضي بهذا الصلح. وهذا على هذه القاعدة: درء المفسدة الكبرى بفعل الصغرى عند الاضطرار إليها. وهذا كما يتعلق بالدعوات، كذلك قد يتعلق بالأفراد. قد يكون بعض الأفراد يعاملون معاملة لا يعامل غيرهم فيها. وهذا يرجع لأهل العلم، فهم ينظرون في مثل هذه القضايا. ويكون سبب ذلك العمل بمقتضى هذه القاعدة الشرعية العظيمة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، أو ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى عند الاضطرار إلى الصغرى. وهذا المعنى ينبغي أن يستحضره طالب العلم والداعي إلى الله؛ فهو يحتاج إليه جدا في حياته الدعوية وسيره العلمي. فكم من مواقف وكذلك عواقب لا يحسن عقباها يكون سببها سوء التصرف وعدم الأخذ بطريقة أهل العلم في معالجة الأمور وفي الوقوف عندها. وهذا الكلام وما كان بمعناه مما ينبه عليه أهل الرسوخ من أهل العلم. ونحن كطلبة علم ينبغي علينا أن نتناصح ونتواصى بمثل هذه النصائح. لا يعني أبدا تمييع قضية الولاء والبراء، ولا يعني كذلك إنقاص هذا الأصل من أصول أهل السنة في هجر أهل البدع محله، بل هو على أصله ومحله وما ينبغي أن يكون معه، ولكن بالضوابط الشرعية، لا إفراط ولا تفريط. وهذا كذلك المعنى ربما تتبعه مسائل كثيرة ودقائق. فأحيل لبعض الأشرطة والكتب المؤلفة لبعض المشايخ المعاصرين، وفيها بعض التنبيهات للآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم في هذا الباب، لا إفراط ولا تفريط. وهذا هو الواجب في مثل هذا المقام. وأما الآثار المنقولة عن أهل العلم فهي كثيرة كما قلنا. ومما نقل عن الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله أنه قال -كما نقل في الدرر السنية في رسائله الشخصية ورسائل أهل القصيم- قال: «وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة». وهذا فيه إشارة إلى ما سبق وزيادة: أن أهل السنة يهجرون أهل البدع ليس تشفيا ولا انتقاما ولا كذلك عنادا وإنما لله سبحانه وتعالى. فإذا تمكن أن يعينهم على التوبة أو حصلت منهم التوبة قبلهم بفرح وبهجة وسرور. فالمؤمن هو الذي يفرح بحصول الخير للناس. إذا كنت ترجو إسلام الكافر وتوبة الفاجر، فكذلك رجوع مثل هذا المبتدع إلى السنة هذا أمر مطلوب. فلذلك ينبغي أن تبدل الأسباب إن تيسرت لك في نصحه وتبيين الحق له، وكذلك إيجاد الوسائل والسبل التي تعين على تصحيح ما قد تلبس به من شبهات. فكون المجتمع يخلو من أمثال هؤلاء هذا خير عظيم، وهذا مما أمر الله عز وجل به من التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. فليس من العدل ولا من الإنصاف ولا من كذلك طريقة أهل العلم ولما كان عليه سلف الأمة: عدم قبول توبة التائبين من أهل البدع أو اشتراط شروط في توبة التائبين من أهل البدع يكون سببا في عدم توبتهم ونفورهم ورجوعهم إلى الباطل وإصرارهم عليه. فهذا ليس بصحيح، بل ينبغي أن تسلك الوسائل التي تعين على توبتهم. ومن ذلك أننا نقبل توبتهم إذا تابوا. وقد يكون في مقامات ومسائل أناس بأعيانهم يحتاج إلى تجديد في التوبة إذا علم منه عدم الصدق أو علم منه التلاعب في التوبة أو نحو ذلك. لكن هذا ليس هو الأصل، وهذا له مقامات وأحوال تعالج بأوصافها الخاصة. أما الأصل هو أن من ظهر منه الباطل ونصح ولم يستجب، فليس لنا إلا الظاهر من البدعة، فيعامل معاملة أهل البدعة. وإن أظهر التوبة ولم يتبين لنا ببينه خلاف هذا الظاهر قبلنا توبته ونكل سريرته إلى الله سبحانه وتعالى. ومر معنا قريبا كتاب أبي بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد: أن ينشره بين الناس في حق أهل الردة، وأن من تاب منهم قبلت توبته وقل في سريرته إلى الله سبحانه وتعالى. فكذلك نحن ينبغي أن نفعل مع أهل البدع: من تاب قبلت توبته ونكل سريرته إلى الله سبحانه وتعالى. قد يقول قائل: دخوله بهذا الوصف يعين على الفساد في أهل الحق. الجواب: قد كان منافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أظهروا الإسلام كذبا ونفاقا، وكلا نبينا عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله، سرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى. وذلك لما فيه -أي عدم قبول هذا الباب- سبب لحصول فتن كثيرة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في معنى ذلك: «لا يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه». فكذلك لا يقول الناس إن أهل السنة ما يعرفون إلا القدح في الناس، وليس عندهم قبول توبة من أحد من أظهر التوبة. لنا له على ظاهرها ونكل سريرته إلى الله سبحانه وتعالى. فإن ظهر منه شيء ينافي تلك التوبة نصح، فإن لم ينتصح وتبين كذبه رد من حيث جاء. لكن الأمر كما سمعنا وسط، لا إفراط ولا تفريط. طيب نكف بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.