الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 15، الدرس الخامس عشر:من( ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان ... ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الفرقة والشذوذ والخلاف والفرقة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على وجوب إقامة فرائض الإسلام مع إمام المسلمين حتى وإن كان فاجرا أو ظالما، مستندا إلى أقوال العلماء والأحاديث النبوية. يستشهد بكلام السلف الصالح مثل ابن عمر وابن مسعود في ذلك.
يؤكد النص على أهمية طاعة ولاة الأمور وعدم الخروج عليهم، لأن مفسدة تعطيل شرائع الدين أشد من مفسدة إقامتها خلفهم، ويحذر من الفرقة والخروج عن الجماعة. يشير إلى أن طاعة ولاة الأمور من طاعة الله ورسوله.
يؤكد المقطع على أهمية طاعة ولاة الأمور وعدم الخروج عليهم حتى وإن كانوا ظالمين، ويشير إلى أن الدعاء لولاة الأمور بالصلاح هو من علامات أهل السنة والجماعة. يبين أن ذلك يؤدي إلى تجنب الفوضى والفرقة في المجتمع.
يروى أن علي بن أبي طالب أشار إلى مبدأ المساواة في تطبيق العدالة عندما تحدث عن علاقته بعمر بن الخطاب، سواء كان أحدهما أميرا على الآخر في سياق مختلف. يشير هذا إلى أهمية تطبيق العدالة بغض النظر عن المناصب.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامان الرازيان، رحمهم الله تعالى، فيما ذكراه أو ذكر في معتقدهما: «ونقيم فرض الجهاد والحج مع إمة المسلمين في كل دهر وزمان». وهكذا كذلك مما نقلاه عن إمة الأمصار، وهو كذلك معناه في الكتاب والسنة، ونقل عن سلف الأمة إقامة فرض الجهاد والحج مع إمة المسلمين في كل دهر وزمان. وناسب ذكر هذه الفقرة بعد ذكر ما سبق ذكره مما فيه الرد على الوعيدية الذين يكفرون أهل الكبائر أو يتوقفون في حكمهم، على قولين مشهورين عند الخوارج والمعتزلة ومن تبعهما. ومن أوائل من يطعن فيهم هؤلاء أئمة الجور من المسلمين ممن ظهر منهم شيء من الفسوق، فربما جعلوا ذلك سببا في تعطيل فرائض الإسلام. فلذلك بيّن العلماء أن جور من جار من أئمة المسلمين لا يمنع من أداء فرائض الإسلام: الجهاد والحج والجمع والأعياد والحفاظ على الحدود وغير ذلك مما نص عليه السلف. كما روي معناه عن الحسن بن أبي الحسن البصري وغيره. فهم جعلوا هذه الفقرة وما بمعناها مما ذكره علماء الإسلام في كتب العقائد الصغار والكبار ردًّا على الوعيدية ومن وافقهم من الرافضة الذين يزعمون أنه لا طاعة إلا مع إمام عدل، ولا فرائض إلا مع إمام كامل، هكذا يزعمون. ويزيد الرافضة على الوعيدية بانتظار الإمام المهدي، مهدي الشيعة والرافضة المنتظر، لا مهدي أهل السنة الذي جاءت به أدلة الكتاب والسنة. ومن معنى ما ذكره أو ما ذكراه هاهنا ما ذكره الإسماعيلي رحمه الله تعالى بمعتقده، قال: «وَجِهَادُ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وهكذا قال: «وَيَرَوْنَ جِهَادَ الْكُفَّارَ مَعَهُمْ وَإِنْ كَانُوا جَوَرَهُ، وَيَرَوْنَ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِالإِصْلَاحِ وَالْعَطْفِ لِلَعَدْلِ». وقال الصَّابوني رحمه الله: «ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسط العدل في الرعية». وبوّب البخاري رحمه الله في الصحيح، قال: «باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر»، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». وذكر حديث عروة البارقي، والذي في آخره: «الأجر والمغنم»، وهو في الصحيحين. وهذا من فهم أئمتنا وعلمائنا في وجوب إقامة فرائض الدين مع إمة المسلمين، ولو كانوا فجاراً، ولو كانوا كذلك أهل جور، أي أهل ظلم. لأن معصيتهم لهم، ودين الله لا يضيع. وليس هذا منحصراً بالجهاد والحج، بل هذا عام يشمل سائر شرائع الإسلام التي تقام مع الإمام: من الجمع والأعياد والمحافظة على الثغور والحدود وغير ذلك مما تقوم به مصالح الناس. ولهذا نص العلماء على هذا، بأن تقام الجمع والأعياد مع الأمراء: أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات. حتى قال القائل منهم: «وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام: براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة». وثبت عن جماعة منهم الصلاة خلف بعض من اشتهر بفجور، وذلك أن فجوره عليه، والصلاة باقية، والأمر بها واجب. وهكذا كيف إذا انضاف إلى ذلك النصوص الكثيرة التي تأمر بإقامة هذه الفرائض من الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز تعطيلها ولا التخلف عنها. قال الله عز وجل في الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اتَّقَلَّتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. وفي الآية الأخرى في سورة الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي العمل أفضل؟» قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: «ثم ماذا؟» قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: «ثم ماذا؟» قال: «حج مبرور». رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. وفي حديثه من مسعود في الصحيحين: سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أي العمل أحب إلى الله؟» قال: «الصلاة على وقتها»، قيل: «ثم أي؟» قال: «ثم بر الوالدين»، قال: «ثم أي؟» قال: «الجهاد في سبيل الله». الحديث. وليس من شرط الإمام حتى تقام به شرائع الإسلام أن يكون براً تقيا، بل تقام شرائع الإسلام ولو كان الإمام فاجرا ما دام مسلما يقيم الصلاة. وهكذا كذلك هذا في الإمامة الكبرى، وفي الإمامة الصغرى. ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة الصلاة خلف كل بر وفاجر، هذا إذا لم يوجد البر، فإذا وجد البر لا شك الصلاة خلف البر أفضل. لكن إذا لم يوجد لن نترك صلاة الجماعة لكون الإمام هو من الفجار. فالصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، من عقيدة أهل السنة والجماعة، ما دام أنه من المصلين. كما صحت بذلك الأحاديث، وذكره العلماء في كتب العقائد الصغار والكبار، حتى ذكره الطحاوي رحمه الله في معتقده. وصح هذا المعنى عن عدد من السلف أنهم صلوا خلف بعض من ظهر منه شيء من الفجور. فصح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه صلى خلف الحجاج بن يوسف، والحجاج بن يوسف مشهور بظلمه وفجوره. حتى قال من ترجم له: «كان فاسقاً ظالماً»، ومع ذلك ما ترك الصحابة الصلاة خلفه. وهكذا صلى ابن مسعود رضي الله عنه خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر. الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وقد ثبت بصحيح مسلم أنه صلى بهم مرة الصبح، فقال بعد أن فرغ من الصلاة: «أزيدكم؟» قال ابن مسعود: «ما زلنا في زيادة منذ اليوم»، أو نحو ذلك. فالشاهد: كانوا يصلون خلف أئمة: صغاراً كانوا كباراً، أبراراً كانوا أو فجاراً، طاعةً لله ولرسوله، وحفاظاً على اجتماع المسلمين، وإقامةً لشرائع الدين. وهكذا ثبت كذلك عن عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو محصور في بيته، رضي الله عنه أرضاه. فقال له فيما ذكره: «أنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي بنا إمام فتنة»، يعني: أنت الذي تستحق الإمامة، وأنت في هذا المكان، وفي الخارج يصلي بنا رجل صاحب فتنة. فقال: «الصلاة أحسن»، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا ساءوا تجنب إساءتهم. فنهاه أن يترك صلاة الجماعة لأجل أن المصلي إمام فتنة. وهذا من فهم السلف، وهذا الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه أرضاه. وذكر العلماء هنا قاعدة في دفع أعظم الضرر بفعل الأخف. فالشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. فتفويت الجهاد والحج والجمع والجماعات والأعياد: أعظم فساداً من الاقتداء فيها بإمام فاجر. يعني: كوننا نقيم هذه الشرائع من شرائع الدين خلف أئمة، ولو كانوا فجاراً: خير من تعطيلها. ومفسدة تعطيلها أشد من مفسدة الصلاة أو إقامة هذه الشرائع مع هؤلاء الأئمة، ولو كانوا فجاراً. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن ترك الصلاة خلفهم أو إقامة الشرائع معهم لن يدفع من فجورهم، ولن ينهي من ظلمهم؟ بل الواقع أن الأمر يبقى. فإذن صارت المفسدة مرتين: الظلم باقي، والجور باقي، وشرائع الدين عطلت. فلذلك أمر علماء الإسلام قديما وحديثا بطاعة ولاة الأمور والاجتماع معهم في إقامة شرائع الدين، ما داموا مسلمين. فإن هذا المعنى ينبغي أن يتصوره المسلم. فالاقتداء بالإمام ولو كان فاجرا هو مما حتى عليه الشرع. فكيف إذا انضاف أن التخلف عنهم لا يدفع فجورا ولا يجلب خيرا؟ بل يكون معه تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة المزعومة. ومع ذلك يقال: إذا أمكن أداء هذه الشرائع خلف الأبرار فهو أحسن وأفضل وأسلم. وإذا لم يمكن فلا تضيع هذه الشرائع من شرائع الدين. كما أنه يخشى على تارك ذلك أي تارك هذه الشرائع أن يلحقه ترك الجماعة والاجتماع. وقد جاء الوعيد الشديد من أدلة الكتاب والسنة في النهي عن ذلك. فأمر الله عز وجل بالاجتماع في آيات كثيرة، وحذر من الفرقة. قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة، والأحاديث أكثر. ففي الصحيحين عن حذيفة رضي الله تعالى عنه في الحديث المشهور الطويل، قال عليه الصلاة والسلام: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». ولا شك قوله: «جماعة المسلمين وإمامهم» عام يشمل الإمام ولو كان فاجرا ما دام مسلما، إذا وجد وصف الإسلام فيجب لزوم هذه الجماعة وعدم شق العصى والخروج من هذا الاجتماع. قال ابن جريج رحمه الله في شرح هذه الجملة: «والجماعة الذين في طاعتهم اجتمعوا على تأميره». ومعناه أنه يتابعهم في الإمارة. وفي مسند الإمام أحمد وغيره، من حديث أبي ذر بإسناد حسن، قال عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة شبرا خلع ربقة الإسلام من عنقه». ومر معنا في دروس سابقة تفسير هذا الخلع. وفي بعض الروايات جاء: «خالف»، فسر بأنه قد يكون كفراً أكبر، بما يكون من فعله موجبات الكفر. وقد يكون من الكفر الأصغر لفعله ما يفضي إلى الكفر، وما يستحق أن يسمى كفراً. وعلى هذا أو على هذين المعنيين يأتي حال الكثير ممن يخلع الطاعة. وجاء نحو هذا موقوفا عن عدد من الصحابة، منهم علي رضي الله عنه، وحذيفة. وقد روى ذلك ابن بطة في الإبانة بإسناد صحيح عنهما. وهكذا ذكر اللالكائي رحمه الله عددا من هذه الآثار في كتابه: «شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة». وفي الصحيحين عن ابن عباس، قال عليه الصلاة والسلام: «من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية». وتأمل قوله: «فليصبر»، ومن الصبر المحافظة على شرائع الإسلام معهم، وطاعتهم في طاعة الله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فمات: مات ميتة جاهلية». وهكذا كذلك جاء عن معاوية رضي الله عنه مرفوعا: «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية». رواه أحمد، وابن بطة في السنة، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. وذكر الخطابي رحمه الله بشرح هذا المعنى: بأن الميتة الجاهلية ذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين، ويتألفهم على رأي. فكذلك من مات على غير إمام مات ميتة جاهلية. وسبق معنا أنه يفسر بأحد تفسيرين: إما أن يفضي به إلى الكفر بما يكون من فعل هذا المفارق للجماعة من موجبات الكفر. وعلى هذا جاء تكفير طائفة من الخوارج بما كان من فعلهم، أو من فعل بعضهم لموجبات الكفر. قال رحمهم الله تعالى: «ولا نرى الخروج على لئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة». قولهما رحمهم الله: «ولا نرى الخروج على لئمة» كذلك مما نقلاه عن علماء الأمصار، وهو منقول عن سلف الأمة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهو في كتب العقائد الصغار والكبار. هذا المعنى: عدم الخروج على لئمة. فإن أدلة الكتاب والسنة تأمر بالطاعة في طاعة الله. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني»، ما دام الأمير مسلما فيجب طاعته في طاعة الله، كما سيأتي إن شاء الله. وهكذا كذلك نقل أهل الكتب العقائد الصغار والكبار نحو ذلك. ومر معنا ما ذكره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: «ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم، ولا القتال والفتنة، ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام العدل». إلى آخر ما ذكره رحمه الله في اعتقاد أئمة أهل الحديث. وهكذا نحوه ما ذكره أبو عثمان الصابوني رحمه الله في معتقده، قال: «ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف». إلى أن ذكر معنا ما ذكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى. وهكذا يقول الآخر: «وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين: برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله». ويقول الطحاوي رحمه الله: «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزعوا يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة». وهذا كله من معتقد أهل السنة والجماعة، وما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وذلك لأن طاعتهم ليست مجاملة ولا مداهنة، ولكنها دين يدين به أهل الحق: طاعة لله، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، ومحافظة على الاجتماع، وأمن المجتمع. فإن أمن المجتمع يقوم باجتماع المسلمين تحت ولي أمرهم، وذهاب أمنه وحصول الشر فيه: يكون بنزع يد الطاعة، وحصول الفرقة. ولهذا كان من كلام السلف: «أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة». فإنه لابد من السمع والطاعة حتى تصح الإمامة، ولابد من الإمامة حتى تصح الجماعة، ولابد من الجماعة حتى يصح الدين. فبغير الجماعة لا يقوم الدين. وروي عن الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله أنه ذكر ما معناه أنه قال: «والله لا يستقيموا الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا»، يعني: لا يستقيم الدين إلا بالأمراء، وإن جار الأمراء وظلموا. فلابد من طاعتهم وبقائهم؛ لأن بقاءهم يكون به بقاء الدين. ثم قال رحمه الله: «لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون». مع أن طاعتهم والله لغبطة، وإن فرقتهم لكفر. ومعنى أن الشيء الذي يحصل من الخير والإصلاح بوجود ولي أمر المسلمين، واجتماع المسلمين عليه: أعظم مما يحصل منهم من فساد. فهم وإن ظلموا وإن جاروا وإن فسقوا، فجورهم وفسوقهم لأنفسهم. قد يصل بعضه إلى الرعية، وذلك ليس بشيء أمام إذا ضاعت هذه الإمارة. فإن الإمارة إذا ضاعت لا تسأل عن الشر الذي يكون في المجتمع، بحصول الفرقة والفوضى. فالقوي يأكل الضعيف، وعند ذلك لا يبقى للناس دين ولا دنيا. لا يبقى دين بعدم وجود الجماعة، ولا يبقى دنيا بسبب بغي بعضهم على بعض. ولكن بولي الأمر يبقى الأمن، ويستتب، ويقيم الناس شرائع الدين. وكم رأى الناس في ذلك من العبر ما فيه آية وعبرة من أحوال من نزع يدا من طاعة: قديما وحديثا. ولهذا كما ذكر كذلك معناه هاهنا في هذا المعتقد. وسمعنا في كلام الطحاوي وغيره: أن أهل السنة ليس فقط يجتمعون، بل ويدعون بالصلاح لولي الأمر المسلم؛ لأن صلاحه صلاح للعباد والبلاد. ولهذا كان من علامة أهل الباطل والبدعة الدعاء على ولاة الأمور، ومن علامة أهل الحق والسنة الدعاء لولاة الأمور. ولا يدعون لهم مجاملة، ولكن يدعون لهم لعلمهم أن صلاحهم صلاح للعباد والبلاد، والعكس: فسادهم فساد للعباد والبلاد. ولهذا ذكروا هذا المعنى في كتب العقائد. قال البربهاري رحمه الله: «الحسن بن علي، إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان: فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان: فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله». ويقول الهضيل بن عياض رحمه الله: «لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان». لماذا؟ لأن صلاح السلطان صلاح للرعية، وفساد السلطان فساد للرعية. فأيهما خير: أن تدعو له، أو تدعو عليه؟ تدعو له بصلاحه، أن الله يصلحه. وأما ما يطمع به بعض السفهاء من أن يكون زواله ليأتي من هو خير منه، فهذا إنما هو من أوهام الشيطان. لو أنه دعا بالصلاح، وإن لم يكن أن يبدل الله من هو خير منه: كان خيراً له من أن يدعو عليه؛ لأن الدعاء عليه معناه إزالة للإمارة، وبقاء الناس بغير إمارة: سبب لحصول الشر للمجتمع. كما أن الواقع لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. كم من أناس ظنوا أن الأمر خير في يد فلان لا فلان، والواقع خلاف ذلك. وهكذا يقول صاحب طبقات الحنابلة رحمه الله: «أمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، والمسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين». فإذن المطلوب أن الإنسان يدعو بما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، وذلك بالدعاء لهم. وهكذا كذلك ذكر: «ولا نرى الخروج على لئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا». فإن الأمر بالسمع والطاعة كما سمعنا هو في كتاب الله، في قوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فإنه من طاعتهم من طاعة الله، وطاعة رسوله: طاعة ولاة الأمور في طاعة الله، بما لا يكون في معصية الله. فإن أولو الأمر هم العلماء والأمراء. والواجب على الأمراء أن يأخذوا ما عند العلماء ليصلوا بذلك إلى طاعة الله وطاعة رسوله. وهكذا الأحاديث بهذا كثيرة. فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيار وأئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار وأئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم». قال: «قيلوا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟» قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة». رواه مسلم في صحيحه. انظروا إلى هذا الحديث العظيم الصريح الصحيح الذي فيه يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما يكون بعده من حال الأمراء، وأن فيهم يكون هجورا ومعصية. ماذا أمرنا؟ هل أمرنا بنزع الطاعة وإيجاد الفرقة؟ الجواب: لا، بل أمر طاعتهم في طاعة الله. قال: «ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعته». لا يجوز أن تنزع شيء من الطاعة، بل تطيع في طاعة الله. وعن نبي در رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال - إن خليلي - يريد النبي عليه الصلاة والسلام - أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف». رواه مسلم في صحيحه. وهكذا جاء نبي هريرة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك». وتأمل قوله: «وأثر عليك»، يعني: ولو كان ذلك على حساب ما تحب، ولو كان ذلك في استئثار بعض الأمراء شيء من الدنيا عنكم وعليكم. فطاعتهم طاعة لله، ليس مجاملة ولا محابة، طاعة لله؛ لأن بطاعتهم يكون الأمن في المجتمع، وبعدم طاعتهم وبالتحريش عليهم يكون التفرق والشر في المجتمع. وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام آمرا بالطاعة: «ولولج بشيك أن رأسه زبيبة»، يعني: «أطع ولو تسلط كما فسر في أحد التفاسير من لا يستحق الإمارة ممن يتسلط على المسلمين من غيرهم، ما دام استتب الأمن والأمر لهذا الظالم المتسلط، فيطاع في طاعة الله ما دام مسلما». وفسر: «ولو كان غير قريشي ممن يولى، ولو كان حبشيا»؛ لأن الأصل أن الإمام من قريش. ويذكر الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى معنا عظيما في هذا الباب، يقول رحمه الله: «هؤلاء - يعني ويريد الأمراء والملوك - وإن رقصت بهم الهماريج، ووطئ الناس أعقابهم». ومعنى: «مهما كان لهم من الرفع والفخر والشهرة والكثرة». قالا: «فإن ذل المعصية في قلوبهم ما داموا في معصية، وفي عدم طاع وظلم». قالا: «فإن ذل المعصية في قلوبهم، إلا أن الحق ألزمنا طاعتهم، ومنعنا من الخروج عليهم، وأمرنا أن نستدفع بالتوبة والدعاء مضرتهم». فمن أراد به خيرا لزم ذلك، أو: «من أريد به خيرا لزم ذلك، وعمل به، ولم يخالفه». وهذا منه إشارة رحمه الله إلى أن أهل السنة ليس أمرهم بالطاعة معناه تزكية للأمراء الظالمين والفاجرين، لا، ولكن لأن الله هو الذي أمر بذلك، ولأن صلاح الناس يكون بذلك. فلذلك لابد من طاعتهم، والاجتماع على الإسلام معهم، وعدم الخروج عليهم. وأن نستدفع ما يأتي من مضرة منهم بالتوبة والدعاء، وإصلاح الأنفس. فإذا أصلحنا أنفسنا أصلح الله عز وجل ولاة أمورنا. وذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاءه رجل من أهل السوء متنقصا له لما كان أميرا عليه، قال: «وكان عمر رضي الله عنه أميراً على الصحابة قبله». فقال علي رضي الله عنه: «لما كنت أنت وأمثالك من رعيتي كنت أنا أميراً عليك، ولما كان أنا وأمثالي من رعية عمر: كان عمر أميراً علينا». طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.