الدرس في شرح الدروس المهمة 26، تابع الدرس الثالث من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، ويشمل الإيمان بمراتب القدر الأربعة. يجب الإيمان بأن الله يعلم كل شيء جملة وتفصيلًا.
يجب على المسلم الإيمان بالقدر ومراتبه، مع فهم أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله. العبد له اختيار في أفعاله ولا منافاة بين كتابة الأشياء ووقوعها باختيار العباد.
الإيمان بالقدر يورث الطمأنينة والرضا بالله والشجاعة والعزة والقناعة. كما يتعلق القلب بالله وحده ويصبر العبد عند الشدائد.
الله غني عن تشريعاته وفرائضه، لكنها تحمل الخير لعباده في الدنيا والآخرة. في هذه التشريعات مصلحة للناس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق من الكلام على أركان الإيمان، اليوم على الركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر. والإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي دلت أدلة الكتاب والسنة على وجوب الإيمان به، فإنه لا يتم إيمان مؤمن حتى يتم له الإيمان بالقدر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وهكذا الآيات في هذا كثيرة، وهكذا الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإيمان بالقدر. وينبغي أن نعلم أن الإيمان بالقدر لا يتم حتى يؤمن بكل تفاصيل مباحث القدر كما جاء في الكتاب والسنة. ومن ذلك الإيمان بمراتب القدر الأربعة: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. العلم بأن الله جل وعلا بكل شيء عليم، علم كل شيء من أمر خلقه سبحانه وتعالى، علم بالأشياء قبل إيجادها أو وقوعها، وحين توجد وتقع كيف تكون؛ لأنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم. فإن من مقتضى الإيمان أن الله جل وعلا بكل شيء عليم، أن نؤمن لأن الله عز وجل علم بكل شيء جملة وتفصيلًا، أزلًا أي فيما مضى إلى ما لا نهاية، وأبدًا أي فيما يأتي إلى ما لا نهاية، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعال العباد أو ما يتعلق بأوصافهم وذواتهم، وهكذا ما يتعلق بأفعاله جل وعلا؛ فهو بكل شيء عليم. ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض؟ إن ذلك في كتاب، إن ذلك على الله يسير. فالإيمان بالعلم هو أحد مراتب الإيمان بالقدر الذي لا يتم الإيمان بالقدر حتى يتم الإيمان به. وكل مسلم يعلم عموم علم الله عز وجل، ومن هذا العموم الإيمان بالقدر بأن الله عز وجل علم بكل شيء جملة وتفصيلًا، ومن ذلك ما يتعلق بالعباد بذواتهم أو أوصافهم، وهكذا كذلك بأفعالهم وأعمالهم. وقد أنكر هذه المرتبة من مراتب القدر طائفة أو طوائف من أهل الأهواء قديمًا، وكفرهم العلماء؛ لأنهم بهذا جحدوا ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما تواترت أدلة الكتاب والسنة، ويجمع سلف الأمة على إثباته وهو العلم. ولهذا تواترت النقولات عن الأئمة بتكفير هذه الطائفة من القدرية الذين جحدوا العلم؛ لأنهم بهذا -كما قلنا- أنكروا ما هو معلوم من الدين بالضرورة. والواجب الإيمان بعموم علم الله عز وجل، ومن ذلك أنه يعلم في أوصاف وذوات العباد وأفعالهم. ولا منافات بين علم الله عز وجل السابق للشيء قبل وقوعه وبين كون الشيء يقع من العبد باختياره ومشيئته. فإن الله عز وجل من كمال ربوبيته سبحانه وتعالى أنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء. والمخلوق من كمال تعبده لربه يستيقن أنه لا مشيئة له إلا مشيئة تابعة لمشيئة الرب سبحانه وتعالى، وهو في نفس الوقت يفعل باختياره. وضرب بعض العلماء لهذا مثلًا: مشيئة تابعة لمشيئة الرب سبحانه وتعالى. وضرب بعض العلماء في هذا المقام مثلًا يريدون به تقريب الأمر وتوضيحه، ولله المثل الأعلى. قالوا: لو أن أبًا عنده أبناء، وأراد أن يختبر طاعتهم وبرهم، فأخبر أم الأبناء بأننا سنختبر هؤلاء الأبناء بأمر، وأخبر أن فلانًا وفلانًا سيطيع، وفلانًا وفلانًا سيعصي. فلما أمر بما أمر به، وقع بمثل ما أخبر هذا الأب، فعلم من عصى من الأبناء بخبر الأب لأمهم. فذهبوا يتعللون ويعلقون مخالفتهم وعدم طاعتهم بأن الأب قد أخبر قبل ذلك أنهم لن يطيعوا. قال العلماء: فإذا كان كل عاقل ومنصف يعلم أن نتعلل هؤلاء الأبناء بهذه الحجة لا يزيد الأب عليهم إلا سخطًا، فإنهم بهذا يستحقون العقاب مرتين: المرة الأولى لمعصيتهم وعدم برهم وطاعتهم، والمرة الثانية لاستدلالهم وتعلقهم بما لا يصح الاستدلال به والتعلق به. ومثال آخر: لو أن رجلًا عنده عمال في تجارة له، فأراد أن يختبر أمانة عماله بأمر ما، فأخبر أن فلانًا سينجح في هذا الاختبار، وفلانًا سيفشل فيه. فوقع بمثل ما أخبر، فذهب الفاشل في اختباره يستدل ويتعلل بكونه قد أخبر قبل ذلك أنه سيفشل في الاختبار. فهذا عند كل عاقل ومنصف يتبين به أن هذا العامل الخائن الفاشل في الاختبار يستحق العقاب مرتين: المرة الأولى لأجل خيانته، والمرة الثانية بكونه تعلل واستدل بما لا يصح التعلل به والاستدلال به. وهكذا ولله المثل الأعلى، لا يجوز لأحد أن يستدل بالقدر على المعاصي بحجة أن الله عز وجل قد علم ما سيكون منه. فيقال: إذا كان بين المخلوقين العلم لا يستلزم الإكراه، بل إن دل على شيء دل في مثال الأب على كمال أبوة هذا الأب، ودل في حق رب المال على كمال خبرته وفراسته في معرفة عماله. فكيف بالله عز وجل، وهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة ولا أصغر ولا أدنى من ذلك؟ فإن من كمال ربوبيته جل وعلا أنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء، ولا ينافي هذا العلم كون أن العبد يفعل ذلك باختياره، كما قال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي الطريقين الواضحين الظاهرين. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. هداهم الله وبين لهم طريق الحق من طريق الباطل، طريق الهدى من طريق الضلال، فهم اختاروا بمحض اختيارهم العمى على الهدى. فخلاصة هذا: أنه لا حجة لأحد على القدر يستدل به على مخالفته ومعصيته، بل الحجة لله سبحانه وتعالى على خلقه. وهكذا كذلك الإيمان بالمرتبة الثانية من مراتب القدر، وهي الكتابة: بأن الله عز وجل أمر بكتابة كل ما يكون من خلقه سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. قد سطر وكتب. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ». وفي السنة من حديث ابن عباس والبراء يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». فالمسلم يجب أن يؤمن بهذه الأدلة من الكتاب والسنة، وغيرها كثير مما فيه أن الله عز وجل أمر بكتابة الأشياء قبل وقوعها. وكذلك نقول هنا: لا منافاة بين كتابة الأشياء قبل وقوعها وبين كونها تقع من العباد باختيارهم. فهي تقع من العباد باختيارهم، وإن كان قد سبق في علم الله أنها تقع، وإن سبق كذلك في علم الله عز وجل أنها تكتب، فتقع بمثل ما قد علمها الله سبحانه، وبمثل ما كتبت أمر الله بكتابتها. وهكذا كذلك من الإيمان بالقدر: الإيمان بمشيئة الله عز وجل النافذة، ومشيئة العبد التابعة لمشيئة الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فمشيئة العباد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك نقول هنا: لا منافاة بين أن للعبد مشيئة، وأن مشيئته تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى؛ لأن العبد دلت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والحس والعقل والفطرة كلها تثبت أن العبد له مشيئة واختيار، وهو يفعل ذلك بمحض إرادته، لا مجبر له على فعله. يعني إثبات المشيئة للعبد لا يقتضي أنه مجبور كما يقول الجبرية، وهم فرقة ضلوا في باب القدر يزعمون أن الإنسان كالريشة في مهب الريح، ليس لها اختيار. وهذا خطأ؛ لأن الإنسان يعرف بحسه أي إحساسه الذي يدرك به الأشياء في الواقع من سمع وبصر وكلام ولمس أن هذا غير صحيح. وبفطرته كذلك يدرك أن هذا غير صحيح. وبعقله يدرك أن هذا غير صحيح. وهكذا أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة كلها تكذب هذه الدعوة. فالإنسان يفرق -على سبيل المثال- بين سقوط الرجل من على السطح بغير إرادته، وسقوطه بإرادته. فرجل أراد أن يصعد على السطح فسقط، وآخر قفز من فوق السطح ورمى نفسه فسقط. كلاهما سقط. نحن بالحس وبالفطرة وبالعقل، فضلًا عن الشرع والإجماع نفرق بين هذين الفعلين. وهكذا الشرع يفرق بينهما. فهذا الذي سقط خطأ، إن مات مات شهيدًا. وَذَاكَ الَّذِي رَمَى نَفْسَهُ، إن مات مات وهو من أهل النار. فكل الأدلة تفرق بين ما يفعله العبد باختياره وبين ما يقع عليه بغير اختياره. وهذا أمر في الحقيقة لا يجادل فيه إلا مكابر. وإلا فأدلة الشرع لا تعارض الحس والواقع والفطرة والعقل أبدًا، بل كلها تتفق اتفاقًا واضحًا جليًا. لكن عند المنصفين، ومع هذا فإن من كمال ربوبية الرب جل وعلا لا يكون في ملكه سبحانه وتعالى إلا ما يريد وما يشاء. وهذا بمحض حكمته وعموم علمه وعدله سبحانه. والقدر سر الله تعالى. قد يدرك العبد ذلك، وقد يخفى عليه شيء. فما أدركه أثبته، وما جهله كل علمه إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه من علم الغيب. ولهذا كان السلف يسمونه سر الله. وكذلك المرتبة الرابعة من مراتب القدر: الإيمان بخلق العباد وأعمالهم؛ لأن الله خلق الخلق وخلق أعمالهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وعملكم. والله كذلك الذي قال عن نفسه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. مقتضى هذا العموم أنه يخلق الخلق ويخلق كذلك أعمالهم. وفي مستدرك الحاكم من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ». الله خلق الخلق وخلق أعمالهم كذلك. فالخير والشر الذي يفعله العبد هو مخلوق لله سبحانه وتعالى، يضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة خلق. لا نقول -كمن ضل من القدرية الذين شابهوا المجوس- فزعموا أن الله يخلق الخير، والعبد يخلق الشر. كما لا نقول -كمن ضل- بأن العبد مجبور على فعله، ليس له من فعله شيء، خيره وشره. فالأول ضلال، والثاني ضلال. والصواب الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وتوافقه سائر الأدلة من عقليه وفطرية وحسية: أن العبد يفعل أفعاله وهو مختار لها، وهي مخلوقة لله عز وجل، وهي مخلوقة لله عز وجل خيرها وشرها. والشر يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ولا يضاف إلى الله عز وجل إضافة وصف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه -كما في صحيح مسلم من حديث علي-: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ». يعني لا يضاف إلى الله إضافة وصف أو فعل. فليس من وصف الله ولا من فعله الشر جل وعلا. ولكنه يخلق الخير والشر، على أن خلقه للشر بحسب علم المخلوق. وإلا فلله حكمة في ذلك، كما قال جل وعلا: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. فهذه المراتب الأربعة نؤمن بها كما دلت عليها الأدلة من الكتاب والسنة. وهي في الحقيقة لا تعارض أي أدلة أخرى، بل كل الأدلة تثبتها وتقر بها. فالواجب الإيمان بها. وأخيرًا أن نعلم هنا: أن الإيمان بالقدر له آثار وثمرات وفوائد عظيمة. ومن أعظمها: أننا بذلك نعرف عظمة الرب سبحانه وتعالى بعموم ربوبيته، ونفوذ ذلك على خلقه. فعند ذلك نعتمد على الله جل وعلا مسبب الأسباب ومقدر ومدبر الأمور سبحانه وتعالى. وهذا له أثر عظيم على العبد. ولهذا جاء في حديث ووصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ». بعد قوله: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ». وهكذا من ثمراته وآثاره وفضائله: أنه سبب لحصول الطمأنينة في القلب، وكذلك الراحة في النفس، كما مر معنا في قوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. فمن حكمة الله عز وجل: أن الإيمان بالقدر يدخل على القلب الطمأنينة، وعلى النفس الراحة والسكينة. فلا يكون حزن على ما فات؛ لأنك تعلم أنه بقدر الله. ولا يكون كذلك غرور ولا فرح بما يحصل من الإنسان؛ فإنه يكسر العجب والغرور. ويعلم أن ما أتاه إنما هو من نعمة الله عز وجل. وما حصل له من الخير والنجاح هو من الله عز وجل، فيشكر الله على ما أنعم عليه، فلا يغتر بنفسه. ولهذا تجد الكفار والفجار كثير الغرور بسبب أشياء كثيرة، ومنها عدم الإيمان بالقدر. وهكذا من ثمراته وفوائده: أنه يثمر الرضا بالله عز وجل وعطائه على النفس وعلى الغير. فيقنع بما عطاه الله، ويرضى بما أعطى غيره، فيزول عند ذلك الحسد، ولا يبقى له مكان بسبب إيمانه بالله عز وجل، وإيمانه بالقضاء والقدر. وهكذا كذلك الإيمان بالقدر سبب للشجاعة؛ لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما جاء في وصية النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ». وهكذا كذلك من فوائده: أنه يورث العزة والقناعة والعفة. وتعلق القلب بالله عز وجل وحده، ليس بأحد من المخلوقين، كما في حديث ابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ». وعند ذلك يكون المؤمن كثير الاستعانة بالله عز وجل، وعظيم التوكل على الله جل وعلا. وبذلك تحصل العبودية الكاملة التامة لله سبحانه. وهذه العبودية الكاملة التامة مطلب عظيم من أسباب تحقيقه الإيمان بالقدر. وهكذا أخيرًا، والثمار كثيرة، لكن نختصر على هذا: أن الإيمان بالقدر كذلك يورث الصبر والثبات عند الشدائد، ويورث قوة العزيمة وعدم الشك والتردد. كل هذا من آثار الإيمان بالقدر. وهذا قليل من كثير يدلنا على حكمة الله عز وجل فيما شرع وفرض على عباده وخلقه سبحانه وتعالى، بما هو غني عنه، ولكن فيه الخير للناس في الدنيا قبل الآخرة. وبهذا قدر نستفي. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة.