الدرس في شرح الدروس المهمة 5، تابع الدرس الأول من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع تفسير آية 'من شر النفاثات في العقد' من سورة الفلق ويبين حقيقة السحر ووجوده بالأدلة الشرعية. يُظهر أن السحر له حقيقة دلت عليها الأدلة من القرآن والسنة.
يناقش حكم السحر في الإسلام ويعرّف بأنواعه، ويُبيّن حكم تعلم السحر والذهاب إلى السحرة. يُشدّد على خطورة التعامل معهم ويصنف السحر إلى نوعين: السحر بالشياطين وسحر التخيل.
يُبيّن أن الحسد من الأخلاق الذميمة والعين حق، ويشرح علاجها بالرقية وغسل العائن. ينبغي للمسلم التعوذ من شر الحاسد والإكثار من قراءة سورة الفلق.
يشرح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي بأدعية قبل نزول سورتَي الفلق والناس، وبعد نزولهما صار يرقي بهما، وأصبحت الرقية بهما هي المتبعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نواصل إن شاء الله في رسالة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، «الدروس المهمة لعامة الأمة». وكان درسنا الأخير في الكلام على تفسير سورة الفلق، وكنا قد أخذنا ثلاث آيات بعد البسملة والتعوذ في هذه السورة. ونواصل إن شاء الله ما يسره الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بتفسير باقي الآيات لهذه السورة. والآية التي بعدها قوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ بعد أن سبق الذي علمناه في الآيات الثلاث السابقات، فيما أمر ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتعوذ، وهكذا هو أمر لسائر الناس. وعلمنا فيما سبق فائدة تخصيص وزيادة الأمر بلفظ «قل»، مع أن كل المأمور مطالب أن يقوله، ولكن هذا من زيادة التأكيد، وسبق الكلام على ذلك. كذلك أمرنا أن نتعوذ من شر النفاتات في العقد، والنفاتات في العقد المراد بها هي الأرواح الشريرة التي تنفث في عقد السحر ما تنفث، وهذا هو القول الصحيح من قول أهل التفسير في تفسير هذه الآية. فإن المقصود هو التعوذ من الأرواح والأنفس الشريرة التي تنفث في عقد السحر، فيشمل ذلك الذكور والإناث من السحرة. وهذا أحسن وأكمل من قول بعض المفسرين أن المقصود بالنفاتات السواحر النساء، وقالوا: لأن ذلك كثير في النساء. والصحيح كما أشار إليه ابن القيم، رحمه الله، في كتابه «بدائع الفوائد» وغيره، أن لفظ النفاتات المراد بها الأرواح الشريرة والأنفس الخبيثة التي تتعامل بالسحر، سواء أكانت هذه الأنفس والأرواح للذكور أو كان من الرجال أو كان للإناث من النساء. والمقصود أن من الشرور التي يتعوذ منها الإنسان، كما مر معنا، ضعيف، ولكنه بالله سبحانه وتعالى قوي، وبما أعطاه الله عز وجل من القوة الشرعية بالأذكار وأنواع التعوذات، والقوة الكونية الأسباب الحسية الأخرى، هو بإذن الله تعالى قوي، وهو بإذن الله تعالى محفوظ ومحمي. فلهذا صارت هذه السورة رقية يرقى بها في مواضع كثيرة، كما مر معنا، فهي تذكر في أذكار الصباح والمساء، وتذكر أدبار الصلوات الخمس، وهكذا في مواضع أخرى، كما سبق الإشارة إليه من قبل. فإذن من الشرور التي يتعوذ منها شرور السحرة ونفثهم، والمراد بالنفث هو النفخ الذي يكون معه شيء من الريقي اليسير، فهو أقل من التفل، أقل من التفل، ويفعل ذلك السحرة لأنهم يستعينون بالجن بما كان منهم من كفر والعياذ بالله، فيصلون إلى تكوين الشر الذي يحصل به السحر بطرق ووسائل كثيرة. وهنا ينبغي أن نقف وقفة نعرف فيها بعض الأمور فيما يتعلق بالسحر. وهكذا كذلك كما قلنا، ينبغي أن نقف هنا وقفة في ما يتعلق بأمر السحر، فنذكر خمس مسائل مهمة في هذا المبحث لأهميته، ولكثرة الخوض فيه، وكذلك حاجة المسلم لمعرفة شيء ولو مختصر في هذه المسائل المتعلقة بهذا المبحث، خصوصًا وأن بعض من في قلبه مرض قد يستغل ذلك في التشويش على إسلام المسلمين. أول هذه المباحث في هذه الآية دليل واضح كما ترون على إثبات السحر ووجود حقيقته، فإن السحر له وجود وحقيقة دلت عليه الأدلة الشرعية الكثيرة من كتاب الله سبحانه ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا كذلك يؤكده الحس والواقع الذي لمسه الكثير من الناس. وهكذا كذلك إجماع أهل العلم الذي لا يمكن رده، فإذا كان لا يرد قول بعض العقلاء، فكيف بالعلماء الراسخين في العلم على مدى عصور متتابعة، فيهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن بعدهم من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين إلى يومنا هذا. ولم ينكر السحر إلا طوائف ضالة من العقلانيين سموا بالمتكلمين في الزمان الأول، وفيهم بعض الفلاسفة ممن تأثر علمه بعلم أهل الكفر والضلال، وهكذا كذلك بعض العقلانيين في الزمان المعاصر في زماننا هذا المعاصر، فإنهم أنكروا السحر وزعموا أنه عبارة عن تخييل فقط. وأدلة الكتاب والسنة كما قلنا، وكلام أهل العلم يثبت ذلك ويرد هذه المقالة الباطلة. فمن أدلة الكتاب الكثيرة هنا نقتصر على ثلاثة أدلة، قول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. فإن الله عز وجل لا يأمر بالتعوذ من شيء لا وجود له، لو كان السحر مجرد تخييل ولا يضر لما كان حاجة إلى التعوذ منه، ولكن الصحيح أن السحر له حقيقة وله وجود، ولهذا أمرنا ربنا جل وعلا بالتعوذ منه. وهكذا كذلك من أدلته قول الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وفيها أنهم يعلمون الناس ما يفرقون به بين المرء وزوجه، فدل أن السحر له حقيقة وأنه يحصل به التفريق بين المرء وزوجه، وأنه كذلك علم يتعلمه ناس ويعلمونه غيرهم. وهكذا كذلك من الأدلة التي تدل على وجود السحر أن له حقيقة ما أخبر به ربنا سبحانه وتعالى عن قصة سحرة فرعون، فإن المتتبع لذلك يعلم أن للسحر حقيقة، وهذا ليس فقط عند أهل الإسلام، بل حتى عند المنصفين المتجردين من أهل الكتاب، فهم يعلمون ذلك ولا يستطيعون جحوده وإنكاره. ومن أدلة السنة أدلة كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين في قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سحر من قبل اليهود، ولكن السحر لم يؤثر على الوحي، كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وامتحان، حتى جاء جبريل عليه الصلاة والسلام وكشف مكان السحر ورقى النبي صلى الله عليه وسلم، فشفاه الله سبحانه وتعالى، والحديث في الصحيحين. وأما نقولات أهل العلم فهي كثيرة، وأنا أحيلكم إلى كتب التفسير من تفاسير أهل السنة، فهي كثيرة أشارت إلى هذا الأمر. أما المبحث الثاني مما يتعلق أو الأمر الثاني مما يتعلق بهذا المبحث، فهو التنبيه على قضية أنواع السحر. للسحر أنواع كثيرة، ومرده إلى قسمين اثنين على وجه الاختصار: نوع من السحر يكون بواسطة الشياطين، فإن ضعف الإنسان مع تسلط الشيطان يكسب ذلك ضررًا على هذا الإنسان، وهذا مع ثبوت الأدلة هو كذلك أمر معقول. فكما أن الإنسان يتضرر بضرب الحديد، وهكذا كذلك الدواء الضار، فكذلك يتضرر بنفث هذا الساحر مع إعانة الشيطان له، فيكون الأثر بحسبه. ولهذا صار المتعلمون للسحر يعرفون طرقًا يصلون إلى ما يريدون من الضرر بواسطة تلك الاستعانات بالجن الكفار والفجار، فيلحقون الضرر بالإنسان. ونوع ثاني من السحر هو سحر التخيل، هكذا سماه بعض أهل العلم، أو نسميه بما سماه بعضهم أنه سحر الخداع والحيلة، وهو ما يكون بإظهار الشيء على خلاف حقيقته، مثل ما يفعله بعض ما يسمى عندكم بأهل السرك، يظهر نفسه أنه يطعن نفسه بسكينه، وفي الأمر خدعة، وكأن الدم يخرج، وفي الأمر خدعة، أو أنه يقطع رأس صاحبه، وفي الأمر خدعة، أو أنه يأكل الحديد أو الزجاج، وفي الأمر خدعة، وهكذا. وكلا النوعين يسمى سحرًا، لكن الأول هو الذي أجمع العلماء أنه كفر، أي ما كان فيه استعانة بالجن، وهو الذي ذكره الله عز وجل كما سمعنا، لأن الجن لا يخدمون الإنسان إلا بالكفر، فصار المتعامل به كافرًا. والثاني كذلك محرم، ولا يجوز التعامل به لما فيه من أضرار كثيرة، فهو وسيلة لتعلم النوع الأول، وهو كذلك سبب انتشار الشر بين الناس، فربما استعمل ذلك لترويع الآمنين وتخويفهم، أو استعمل ذلك للسرقة والنصب وغير ذلك. وعلى هذا يزول الإشكال فيما تعلق به بعض أولئك العقلانيين من إثبات النوع الثاني وإنكار النوع الأول، فيقال لهم: الأدلة من الشرع، وهكذا كذلك من الحس والواقع، تثبت وجود هذه الأنواع كلها، وأنها جميعًا لها حقيقة. ومما ينبه عليه في هذا المبحث ما سبق ضمنًا ذكره، ويؤكد عليه هاهنا كما قلنا في أول الكلام، لأن بعض الناس قد يبتلى بسماع مهاترات في مثل هذه التفاصيل، فاحتيج التنبيه عليها ولو على وجه الاختصار، حتى يكون المسلم على بينة من أمره. هذا الأمر هو ما يتعلق بحكم السحر، سواء النوع الأول أو النوع الثاني. فالنوع الأول كفر، فصاحبه يكفر، كما أخبر الله عز وجل في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. فالساحر كافر، وتعلم السحر كفر، لا يجوز لمسلم أن يتعلم السحر، وهكذا يتبع ذلك أنه لا يجوز الذهاب للسحرة، لأن الذهاب إليهم إقرار بالكفر. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، كما في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام». قال ابن القيم، رحمه الله، فيما معنى كلامه: أن الكفر هاهنا يكون للمصدق لهم، لأنه إما يؤمن بأنه يعلم الغيب، وهذا من خصائص حق الله عز وجل وحده، أو أنهم يملكون النفع والضر، وهذا كذلك من خصائص الله عز وجل وحده. فلهذا حمل بعض أهل العلم أنه كفر حقيقي على ظاهره. فكيف بمن يأتي إلى الساحر الذي لا يصل إلى السحر والعياذ بالله إلا بالكفر المحقق، بما هو أشد من كفر الكهان والعرافين؟ فالأمر خطير، لا يجوز التساهل فيه، ولا التعامل به، ولا الذهاب إلى أهله، ولا السكوت على من يتعامل به، لأنه من المنكر الذي يجب أن يزال. بل جعله النبي عليه الصلاة والسلام من أكبر الكبائر، لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الكبائر، أخبر عليه الصلاة والسلام أن أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وذكر منها أي من السبع السحر. فالسحر أمره عظيم، وهكذا من السحر النوع الثاني من السحر، وهو سحر التخيل، سحر الخداع والمكر، هذا كذلك لا يجوز التساهل فيه، فهو كبير من الكبائر، بل من أكبر الكبائر، لأن فيه مفاسد كثيرة كما سبق، ويستلزم ذلك عدم التساهل في حضور مجالسه، سواء ما يسمى بالسرك أو غيره، وعدم التساهل في تعلمه أو تعلم الأولاد شيئًا منه، لأنه قد يوصل إلى النوع الأول، ولأنه يعلم الفساد. فبعض من يتعلمه ربما يصير لصًا مع الأيام، يسرق نقود الناس ويسرق أمتعة الناس وغير ذلك. فالخلاصة لا يجوز التساهل مع السحر، سواء النوع الأول أو النوع الثاني، والنوع الأول أشد من الثاني. وهنا تنبيه فيما يتعلق بما ذكره الله عز وجل عن هاروت وماروت، فبعض كتب التفسير ذكرت أنهما ملكان، وليس هذا بصحيح، بل هما من شياطين الإنس، أو على قول بعض أهل العلم من شياطين الجن، علموا بعض الإنس السحر. والأمر الرابع هو ما يتعلق بحكم الساحر في الإسلام، فحكمه في الإسلام القتل، وقد ورد في ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار كثيرة عن الصحابة، وعن من بعدهم من التابعين وأئمة الدين. وهذا مع هذا الحكم الشرعي وكلام أهل العلم، فهو العدل الذي لا يرده العقل الصحيح، لماذا؟ لأن فاعله مفسد عظيم، ولأجل إفساده العظيم كان التخلص منه بالتخلص منه بالكلية، وهو القتل، وهو يقتل إن كان قد فعل الكفر، لأنه وقع في الكفر، كحكم المرتد من الدين، فاقتلوه. وإن كان من النوع الثاني، فهو كذلك دفعًا للشرور الأخرى التي هي وسيلة للنوع الأول. فلذلك اتفقت كلمة الصحابة، ولم يعلم مخالف فيهم في أن الساحر يقتل، وهكذا من بعدهم من التابعين وأئمة الدين، قطعًا لشرهم. ولكن هاهنا تنبيه مهم، وهو أن قتلهم ليس لكل أحد، وإنما لولي الأمر المسلم أو من ينوبه أو من يأذن له ولي الأمر. ننتبه لأن بعض الناس ربما يفتحون باب الفوضى ويستحلون دماء الناس بغير حق، وهذا له فوائد كثيرة، منها أن ولي الأمر يحقق من الذي هو وقع في هذا الحكم حقيقة، ومن الذي اتهم بغير حق، وغير ذلك من الفوائد والمصالح. فلذلك لابد من أن يكون هذا بما سمعنا لولي الأمر أو من ينوبه أو من يأذن له. ثم ولي الأمر يفعل ما يرى فيه المصلحة. والتنبيه أو نقول الأمر الخامس: نحن الآن في الرابع. نعم، أخذنا الآن في الرابع. الأمر الرابع هو ما يتعلق بالتنبيه على مسألة الابتلاء بالسحر، والمسلك الوسط في هذا الباب. ينبغي أن نعلم أن لله حكمة في خلق الشر، كما أن له حكمة في خلق الخير. الشر لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى كما سبق معنا إضافة وصف، ولكنه يضاف إليه سبحانه إضافة خلق، يضاف إليه سبحانه إضافة خلق، كما مر معنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك»، أي لا يضاف إليك وصفًا وفعلًا، تعالى الله عنه سبحانه. ولكنه يضاف إلى الله إضافة خلق، كما قال سبحانه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ولله حكمة في خلق الشر، كما مر معنا في أوائل تفسير هذه السورة، من حكم ذلك الابتلاء به، فتكفر به السيئات وترفع به درجات، وغير ذلك من الحكم. فلذلك ينبغي للإنسان أن يأخذ بالأسباب الشرعية والأسباب الحسية للوقاية من هذه الشرور، ومنها السحر. فمن الأسباب الشرعية التحصن بالأذكار، أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وأذكار الدخول والخروج والأكل والشرب، وهكذا كذلك عند النوم، وغير ذلك. ومنها الطاعات، المحافظة على الطاعات، حصن يتحصن به المسلم. وهكذا يحافظ على الحصون الكونية التي يتحصن بها، وهو الأخذ بالأسباب، فلا يرافق الأشرار، ولا يصاحبهم، ولا يجلس في مجالسهم، وغير ذلك من الأمور الأخرى. وهنا ينبغي أن نعلم أن بعض الناس يغلو في باب السحر، فكلما وجعه رأسه أو شعر بدوار، ربما قال: «أنا في سحر»، أو رأى إنسان مريض، قال: «لعل فيك سحر أو مس»، وهكذا يبالغون في هذا الباب، وهذا ليس بالصحيح. بل ينبغي أن يكون المسلم في هذا الباب معتدلًا، نحن لا ننكر السحر، لكن لا نبالغ فيه، ولا ينبغي لنا أن نصاب بالوسوسة والشكوك، بل ينبغي أن نكون أقوياء من أهل الشجاعة. ولو قدر أن الإنسان ابتلي بالسحر حقيقة، فليجاهد نفسه في علاجها من هذا السحر، بما سمعنا: رقى، وقراءة آيات الرقية، والأذكار الشرعية، والاستعانة في بعض الإخوان الذين يحسنون هذا الباب. ومع ذلك لا ينبغي أن يمنعه من خير، لا يستسلم. أنت يا أخي إذا ابتليت، فهجم عليك عدو فقطع رجلك وقطع يدك، على سبيل المثال، هل تستسلم فتترك الطاعات؟ وهكذا كذلك تبقى حزينًا كئيبًا مهمومًا مغمومًا لا. بل ينبغي أن تشق طريقك بكل شجاعة وعلو همة، تعرف أن الله عز وجل الحكيم ابتلاك بذلك لحكمة، فلابد من الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وتستمر في طريقك في طريق الطاعة والاجتهاد، إن كنت طالب علم تستمر في الاجتهاد بحسب استطاعتك، وهكذا. ومن ابتلي بالسحر إذا كان حقيقة وجد السحر، كذلك لا ينبغي أن يكون عاجزًا فاشلًا في حياته، لا، بل يجتهد ويبذل بقدر المستطاع. وأنا أقول هذا لأن بعض الناس كما قلنا أولًا يبالغ في هذا الباب، فيعيش حياة الأوهام والوساوس والشكوك. وثانيًا أن بعض الناس قد يبتلى حقيقة فيصاب بالإحباط في حياته، وهذا ليس بصحيح، بل ينبغي أن يجتهد في علاج نفسه، ويجتهد في الاستمرار على الخير الذي كان عليه، بل ينبغي أن يزداد من الخير. لأن علاج ذلك هو بالزيادة من الخير، ليس علاجه بالكسل، وبأن يتحطم الإنسان ويكون منهارًا لا، وإنما علاجه بالعكس، العكس من ذلك. وهكذا كذلك أخيرًا مما ينبه عليه في هذا الموضع، أي مبحث السحر، أننا ينبغي أن نعلم أن هذا الباب باب أو مبحث السحر هو من المباحث العلمية الدقيقة، الذي قد تتطرق إليه تفاصيل لا ينبغي لنا أن نخوض فيها بجهل، أو أن نستعجل أو أن نرتجل الأحكام، بل ينبغي أن نرجعها إلى أهلها من أهل العلم الراسخين. وأن نعلم أن ما لم نجد له جوابًا فلأهل العلم فيه جواب. فمثلًا بعض العقلانيين يقولون: قال الله عز وجل عن سحرة فرعون: ﴿وَسِحْرُهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِمْ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، إذن السحر خيال. والعلماء أجابوا عن ذلك، العلماء أجابوا عن ذلك بأن السحر ينقسم لقسمين كما سبق، ولا مانع أن سحرة فرعون استعملوا السحر الأول والسحر الثاني، والتعبير بالتخيل هذا باعتبار أنهم يرون أنهم يرون الشيء وله حقيقة خفية. فمثلًا قد ترى شيئًا ثقيلًا يتحرك من مكانه، فتتخيل أنه تحرك بنفسه، لأنك لا ترى من يجره، ولكن في الحقيقة يوجد من يجره وهو مختفي. فكذلك تصنع الشياطين في إعانة السحرة. فالحاصل أننا في هذا الباب لا ينبغي أن نخوض بجهل، بل ينبغي أن نرجع إلى كلام أهل العلم في موضعه. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ كذلك من الشر الذي ينبغي أن يتعوذ منه. وذكر في هذه السورة العظيمة التعوذ من شر الحاسد إلى حسد، فإن الحسد من الأخلاق الذميمة التي دلت أدلة الكتاب والسنة على ذمه وصاحبه فاعل لكبيرة من الكبائر. ومعنى الحسد هو تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، وهذا التمني قد يكون معه شيء من السعي بسبب قوة إرادة ذلك في القلب، والشر الذي في القلب، فإنه قد يكون معه شيء من الفعل من هذا الحاسد، ومن هذا الفعل العين، ومن هذا الفعل العين. فإن العين حق، وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على وقوعه. ومعنى العين هو أن يكون عند الحاسد غضب شديد مع كراهية لهذا المنظور إليه بسبب حصول نعمة لم يحصل له مثلها، فيؤثر بنظره الخبيث على المنظور إليه، خصوصًا إذا وافق وقت غفلة عند هذا المنظور، فيحصل أثر العين، إما مرض وإما تلف أو غير ذلك. وهذا كما دلت عليه الأدلة الشرعية، فهو كذلك أثبته الطب، ويؤيده ويؤكده الواقع. أما أدلة ثبوته في الشرع فكثيرة، هنا نقتصر على دليلين من الكتاب ومن السنة. فمن أدلة الكتاب هذه الآية كما نص العلماء، وهكذا ذكروا كذلك أدلة أخرى، كقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزَلْقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، فقول الله: ﴿لَيُزَلْقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ استدل به العلماء كما ذكر ابن كثير، رحمه الله، أن الآية فيها دليل على أن العين حق، وأن لها إصابة وتأثير على المنظور إليه. وهكذا مع قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وجاء معناه من حديث ابن عباس: «العين حق». وقصة الصحابي الذي أصيب بالعين، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يغتسل العائن، ويغسل المعيون بذلك الماء، فيزول عنه إن شاء الله أثر العين. وهذا هو علاج العين كما قال العلماء: يغسل المعيون بما يغسل به أو ما يغتسل به أو يتوضأ العائن. وتحته مباحث، لكن هذا أهم ما يذكر في هذا الباب. والحاصل أن هذه السورة سورة عظيمة، ينبغي للمسلم بعد تدبر معناها وتأمل معانيها العظيمة أن يكثر من قراءتها والرقية بها. ولهذا كما سبق كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي بأدعية، فلما نزلت عليه هاتين السورتين، أي «قل أعوذ برب الفلق» و«قل أعوذ برب الناس»، صار النبي عليه الصلاة والسلام يرقي بهما. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.