الدرس في شرح الدروس المهمة 21، الدرس الثاني من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرس يتناول شرح معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله كالركن الأول من أركان الإسلام. هذه الشهادة تتضمن نفي جميع ما يعبد من دون الله وإثبات العبادة لله وحده.
المقطع يشرح أن شهادة أن لا إله إلا الله تنفي الألوهية عما سوى الله وتثبتها لله وحده، بينما شهادة أن محمدًا رسول الله تثبت رسالته وتوجب تصديقه وطاعته. هذه الشهادة تتم بها كلمة التوحيد وتثبت رسالة النبي وعبوديته لله.
النص يؤكد وجوب الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويحذر من الغلو في مدحه. النبي نهى عن الغلو في مدحه وأمر بأن يعرف بقدره كعبد لله ورسوله كما جاء في حديثه عن طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نحن اليوم في الدرس الثاني من دروس كتاب شيخنا الوالد العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، "الدروس المهمة لعامة الأمة". وكان الدرس الأول عبارة عن مجموعة من الدروس بحسب السور التي مرت معنا. وقد نبه الشيخ رحمه الله أن منهج هذا الدرس، أي الدرس الأول السابق، يكون وقفات مع قصار السور من سورة الفاتحة إلى سورة الزلزلة، أو من سورة الزلزلة إلى الناس مع الفاتحة، تلقينًا وتصحيحًا للقراءة وتحفيظًا وشرحًا لما يجب فهمه. فأخذنا ما تيسر، ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد فيما سيأتي، والعون من الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "الدرس الثاني: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بشرح معانيها مع بيان شروط لا إله إلا الله". ومعناها: "لا إله" نافيا جميع ما يعبد من دون الله، "وإلا الله" مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له. قوله: "الدرس الثاني: شهادة أن لا إله إلا الله"، يعني: ينبغي أن يؤخذ ما يتعلق بمعنى هذه الكلمة العظيمة، وهي كلمة التوحيد: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وأول ما ينبغي أن يعلم أن الشيخ رحمه الله ابتدأ بعد معرفة معاني قصار السور مما يحتاجه المسلم، بما ينبغي معرفته حول هذه الكلمة العظيمة، وهي كلمة التوحيد. فهي الركن الأول من أركان الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر في الصحيحين: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". والحديث في الصحيحين. هذا يدلك على أن من أول ما يجب أن يعرفه المسلم هو ما يتعلق بالركن الأول من أركان الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وهي لعظم شأنها سبب لعصمة الدم والمال، كما قال عليه الصلاة والسلام كذلك، فيما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله تعالى". وهذا بعد عرض الإسلام. فقد صح أيضًا من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقاتل قومًا حتى يعرض عليهم الإسلام، ثم يخيرهم بين الإسلام أو الجزية. فإن أبوا قاتلهم عليه الصلاة والسلام كما أمره ربه سبحانه وتعالى في آيات كثيرة، كقوله جل وعلا: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿ويكون الدين كله لله﴾. وهذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد، لها معنى عظيم، لهذا كانت الركن الأول من أركان الإسلام. فمعنى "لا إله إلا الله" أي: لا معبود بحق إلا الله. فالإله هو المعبود. فمعنى: لا معبود بحق إلا الله. إذ كل ما عبد من دون الله عز وجل عبد بباطل. وقولنا: لا معبود بحق إلا الله، هذا يتضمن أنه جل وعلا هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو المدبر وحده، وهو المحيي والمميت والنافع والضار وحده سبحانه وتعالى. ولأنه كذلك فلا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى. فلا معبود بحق إلا الله. وهذا هو التفسير الواجب لهذه الكلمة. ويخطئ بعض الناس حين يفسرون هذه الكلمة "لا إله إلا الله" أي: لا خالق إلا الله، أو "لا إله إلا الله" أي: لا رازق إلا الله. وهذا خطأ وتقصير في المعنى. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ إلى قوم كلهم ينكرون أن الله هو الخالق والرازق والمدبر. فيوجد الكثير منهم يقرون أن الله هو الخالق والرازق المدبر، كما قال الله عز وجل: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾. ولكن القضية العظيمة التي جاء يدعو إليها عليه الصلاة والسلام هو دعوة جميع الناس لعبادة الله عز وجل وحده وعدم عبادة غيره. وهذا المعنى الذي خالف فيه المشركون والكفار النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه جاء في قوم منهم من يعبد الأحجار، ومنهم من يعبد الأشجار، ومنهم من يعبد الأنبياء. فالأولون كمشركي العرب عبدوا أشجارًا وأحجارًا، ومشركي الفرس عبدوا النار، وهكذا وجد من عبد بعض المخلوقين إما من الأنبياء كاليهود والنصارى، أو بعض الصالحين أو غير ذلك. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدعوهم جميعًا لعبادة الله سبحانه وتعالى وحده. ولهذا قالوا: "أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب". وهكذا كذلك يقال في زماننا هذا: إن "لا إله إلا الله" معناها: لا معبود بحق إلا الله. فلا يكفي أن يقر الإنسان بلسانه وبقلبه أن الله هو الخالق والرازق والمدبر، ثم يعبد غيره سبحانه وتعالى. فإنه لو فعل ذلك فعل عين ما فعل المشركون. بل حتى لو عبد الله وعبد مع الله غيره لم تنفعه عبادته لله سبحانه وتعالى، لأن عبادته لغير الله أبطلت عليه عبادته لله، كما قال الله عز وجل: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. ولا فرق بين من عبد صنمًا أو حجرًا أو نارًا أو نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام، أو العزير عليه الصلاة والسلام، أو كذلك من عبد وليًا من الأولياء أو قبرًا من القبور. فإنه لا فرق في ذلك. وهذا المعنى العظيم يدلك على أهمية هذه الكلمة التي ربما لم يفهمها الكثير من الناس حقيقة فهمها التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. علمنا مما تقدم أن معنى "لا إله إلا الله" كما قال الشيخ رحمه الله: "لا إله" نافيا جميع ما يعبد من دون الله، "وإلا الله" مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له. وهذا هو ما سمعناه وسبق، أي: لا معبود بحق إلا الله. فلا يكفي أن تثبت الألوهية لله، بل لا بد أن يكون معها نفي هذه الألوهية عما سوى الله. ليس نفيًا باللسان فحسب، بل نفيًا باللسان ونفيًا بالقلب ونفيًا كذلك بالجوارح والعمل، تنفي الألوهية عما سوى الله، وأن تعبد الله عز وجل وحده، تثبتها لله عز وجل وحده. وبهذا نعلم أن للشهادة ركنان: الركن الأول: النفي، وهو في قوله سبحانه: "لا إله". والركن الثاني: الإثبات، وهو في قوله جل في علاه: "إلا الله". فـ"إلا الله" إثبات الألوهية لله عز وجل وحده، و"لا إله" نفي للألوهية عما سوى الله، كل ما سوى الله من جميع العالم: حجر أو شجر أو نار أو نجوم أو أنبياء أو ملائكة أو رجال صالحين أو جن أو غير ذلك. ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله هو إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، أنه عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ختم به رسالات الأنبياء، وكمل به جل وعلا دينهم. ولا يقبل الله عز وجل من الناس دينًا إلا ما بعثه به عليه الصلاة والسلام. مع الانتباه أن نظر الشهادة يفيد إثبات هذا المشهود به على وجه اليقين، حتى أن المتلفظ به والمستحضر لمعناه بالقلب والعامل بمقتضاه بالجوارح كأنه يشاهده عيانًا. فهو مأخوذ من المشاهدة. قلنا: الشهادة ننتبه أن معناها هو حصول اليقين بها، حتى أن المتلفظ بها بلسانه أو المعتقد لها بقلبه أو العامل بمقتضاها بجوارحه هو في كل ذلك على يقين كأنه يشاهد هذا اليقين عيانًا. وسيأتي في شروط الشهادة أن من شروطها اليقين. فلا يكفي إقرار باللسان أو بالقلب أو بالجوارح مع عدم يقين. ومن مقتضى الإيمان بشهادة أن محمدًا رسول الله تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وتعظيم أمره ونهيه، وأن لا يقدم قول أحد كائنًا من كان على قوله، كما قال الله عز وجل: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾. مقتضاها الإيمان به بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وأن يعظم أمره ونهيه عليه الصلاة والسلام، ولا يقدم على قوله قول أحد كائنًا من كان. كما قال الله عز وجل: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾. وكما قال كذلك ربنا جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾. فنفى الإيمان عن من لم يرضَ بحكمه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». وهو لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام. بل إن اليهود والنصارى قد بشروا بخبر أنبيائهم ورسلهم عليهم الصلاة والسلام، ومنهم موسى عليه الصلاة والسلام وعيسى عليه الصلاة والسلام، بمبعث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا فمن كان منصفًا من اليهود والنصارى متجردًا للحق لم يجد بدًا إلا أن يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، كما آمن به عليه الصلاة والسلام في زمانه عدد من اليهود والنصارى، منهم عبد الله بن سلام، وكان عالمًا من علماء اليهود رضي الله عنه أرضاه. وهكذا كذلك من النصارى آمن به النجاشي ملك الحبشة وأسلم، وأخفى إسلامه خوفًا من النصارى رحمه الله رضي الله عنه. ومنهم عدي بن حاتم، رئيس قومه في طيء، أحد أكبر قبائل العرب الكبيرة في جهة شمال الجزيرة، كان نصرانيًا وأسلم. بل سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أخبره أهل الكتاب بصفات نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في قصة إسلامه، فوجدها بحذافيرها كما وصف له، لم يختلف من ذلك شيء، مما يدل على صدق ما جاء به عليه الصلاة والسلام. وغير ذلك كثير من شواهد الحق التي أيد بها نبينا عليه الصلاة والسلام، مما في أيدي اليهود والنصارى، ومما أيد به عليه الصلاة والسلام في زمانه، كلها تدل على أنه على أنه خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، ختم الله عز وجل به الرسل والأديان، ولم يقبل دين بعده إلا الذي بعث به عليه الصلاة والسلام. ومثل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع اليهود والنصارى كمثل عيسى مع اليهود، فإن اليهود بشروا بعيسى عليه الصلاة والسلام المسيح، ولكنه لما بعث كفروا به، وزعموا أنه ليس الذي بشر به. والنصارى يعلمون علم اليقين أنه عين الذي بشر به، بشر به موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من أنبياء بني إسرائيل. فكما أن اليهود كفروا بعدم إيمانهم بعيسى عليه الصلاة والسلام، فكذلك يكفر اليهود والنصارى بسبب عدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. مع التنبيه أن عند اليهود والنصارى من أسباب الكفر قبل ذلك ما هو ليس منحصرًا بهذا فقط. ففيهم من حرف كلام الله، ومن كفر بما أنزل الله، فكانوا كفارًا بذلك. ومن ذلك الشرك الذي وقع في اليهود والنصارى، كما أخبرنا الله عز وجل عنهم، وهم فرق، كما قال سبحانه: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾. فعلمنا بهذا أن شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تتم بها كلمة التوحيد. وهكذا كذلك شهادة أن محمدًا رسول الله فيها إثبات الرسالة للنبي عليه الصلاة والسلام مع إثبات العبودية له عليه الصلاة والسلام، فهو رسول الله وخاتم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام جميعًا، وهو كذلك عبد الله، فعبد لا يعبد ورسول لا يعصى. فكما أن من لم يؤمن برسالته يكفر، فكذلك من خرج عن معنى كونه عبدًا لله يكفر، كما أن من لم يؤمن برسالته يكفر، فكذلك من خرج عن إثبات معنى كونه عبدًا لله يكفر، كحال من غلا فيه عليه الصلاة والسلام، فإنه شابه النصارى في عبادتهم للمسيح، فكفروا. فكذلك من ينتسب إلى المسلمين ويغلوا في النبي عليه الصلاة والسلام فيعبدوا من دون الله أو مع الله، فإنه يكفر بالله عز وجل لنقضه لتوحيده. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».