الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 51، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من فتنة الدنيا والمال ويبين أهمية التصدق والإنفاق في سبيل الله. يُشير إلى أن المستكثرين يهلكون إلا من يتصدق ويقول 'لا حول ولا قوة إلا بالله'.
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من فتنة الدنيا ويبين أنها سبب هلاك الأمم السابقة، ويُنبه إلى أهمية تقوى الله وذكر الله للنجاة من الفتن. ذكر الله عز وجل يُعد حصنًا ضد الشيطان.
يشرح المقطع حقيقة العبادة والتوحيد وضرورة إخلاص العبادة لله وحده، ويبين أهمية التوحيد وترك الشرك. يشير إلى أهمية مجالسة أهل العلم والعلم النافع في إصلاح العبادة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله على نبينا محمد وآله وسلم، أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الحادي والخمسون. قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن كميل بن زياد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل لبعض أهل المدينة، فقال: «يا أبا هريرة، هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا» ثلاث مرات، حثى بكفه عن يمينه وعن يساره وبين يديه، وقليل ما هم. ثم مشى ساعة، فقال: «يا أبا هريرة، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟» فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه». ثم مشى ساعة، فقال: «يا أبا هريرة، هل تدري ما حق الناس على الله وما حق الله على الناس؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فإذا فعلوا ذلك فحق عليه أن لا يعذبهم». قال شيخنا: غفر الله له، وصححه الشيخان الوادعي في الصحيح المسند، المجلد الأول، صفحة ثلاثمائة واثنين وستين، والألباني في صحيح الترغيب، رقم ثلاثة آلاف ومائتين وواحد وستين، والصحيحة، المجلد الرابع، صفحة ثلاثمائة وخمسة وستين إلى ثلاثمائة وستة وستين. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك حديث عظيم، وقد اجتمع على ثلاث فقرات. أما الفقرة الأولى، ففيه خساسة الدنيا وعظيم فتنتها، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخبر أن المستكثر فيها يهلك، وأن القليل من الناس من لا يهلك ممن يستكثر من الدنيا. فقال: «هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا» ثلاثا، ثم قال بيديه -يعني حين يقول هكذا وهكذا بيديه- عن يمينه وعن شماله وبين يديه. ومعنى أنه يتصدق وينفق، لا يحفظ لنفسه ولا يجمع لدنياه، بل يجمع لما ينتفع به في آخرته. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وقليل ما هم»، يعني قليل الذين يفعلون هذا في المال. ففيه -كما قلنا- التحذير من فتنة الدنيا، وفتنة المال خاصة، فإن فتنة المال هي الفتنة التي خشيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أصحابه. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم». فالدنيا كان يخشاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أصحابه، فكيف بمن بعده؟ فنحن أحق بأن نتق الله عز وجل في هذه الدنيا، وأن نخاف على أنفسنا منها. فليس بشيء يهلك الناس بمثل فتنتهم في الدنيا. ربما تجد بعض الصالحين الذين يسابقون في أبواب الخير والبر، يدخل عليهم الفساد والخراب من باب فتنة الدنيا. يظن أنه إذ أنه أحسن في أبواب كثيرة من أبواب الخير، مع وجود فتنة الدنيا في قلبه وقوله وفعله، أنه سلم. وليس الأمر كذلك، فإن السلامة تكون بامتثال المأمور وترك المحظور، ليست السلامة بامتثال المأمور مع فعل المحظور. فمن جمع بين فعل المأمور وفعل المحظور هلك؛ لأنه فعل ما يضر بنفسه مع ما ينفعه، فيغلب الضر على النفع. وهكذا ينبغي للمسلم أن يحذر من فتنة الدنيا. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحذر من فتنة الدنيا، وفتنة المال، وفتنة النساء. «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الفقرة الثانية، فهي في ذكر الله جل وعلا. فذكر الله حصن حصين يتحصن به المسلم من شياطين الجن والإنس. شياطين الجن الذين لا يملكون من القوى ما يستطيعون على الإنسان بمثل ما إذا استحصن بذكر الله عز وجل. وهو كذلك دخر عظيم للإنسان يدخره لنفسه يوم القيامة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟» فالجنة لها كنوز، ومن كنوزها هذا الذكر. ومعنى أن هناك كنوزا أخرى: أن هناك كنوزا أخرى من الأذكار الأخرى التي علمها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه. وبذكر الله عز وجل كذلك يكون عدم الغفلة والاستمرار على الطاعة. فإن ذكر اللسان يستوجب ذكر القلب. فإذا صار الإنسان يلازم ذكر اللسان -ذكر الله عز وجل بلسانه- دفعه ذلك واستلزم منه أن يذكر الله عز وجل في قلبه. وإذا ذكر الله عز وجل في قلبه استلزم منه الإحسان في قوله وفعله. وهذا هو المطلوب. ولهذا حتى الشرع على ذكر الله عز وجل كثيرا في أشد المواضع وفي أعظم المواضع. وباب ذكر الله عز وجل باب عظيم، لكن المقصود من هذا الانتباه إلى هذا المعنى. ثم ذكر هذا الذكر خاصة أنه كنز من كنوز الجنة؛ لأنه فيه تمام التعلق بالله جل وعلا والاكتفاء به عن ما سواه. وهذا هو حقيقة العبادة: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه». من اعتقد ذلك اعتقادا جازما كان هو المحقق للعبادة على الوجه الكامل الصحيح. وهو الذي كذلك إذا عمل بمقتضى هذا الذكر هو الذي يستقيم على شرع الله -الاستقامة الصحيحة- بفعل المأمور وترك المحظور، والمسابقة في التقرب إلى الله جل وعلا. وهو الذي يتجه إلى الله، لا يتجه إلى غيره. إذا اعتقد أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وحده، وأنه لا ملجأ ولا منجا للعبد من الله إلا إليه، فإنه لا يعرف بذلك شيئا يتوجه إليه إلا الله عز وجل. وهذا هو حقيقة العبادة وإخلاصها لله سبحانه. ولهذا كانت «لا حول ولا قوة إلا بالله» كنزا من كنوز الجنة. وهكذا كذلك الفقرة الثالثة، وفيه الحق الذي فرضه الله عز وجل على العباد، وفرضه على نفسه. وليس مكره لله عز وجل أحد، ولكنه من عدله وفضله سبحانه. فحقه سبحانه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وفيه أهمية العبادة والتوحيد، وأن التوحيد يستلزم ترك الشرك: «يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». فلو عبدوه وأشركوا معه غيره ما نفعت العبادة. فلابد من النفي والإثبات، ولابد من التخلية والتحلية، ولابد من التوحيد وترك الشرك. فإذا وجد التوحيد ولم يترك الشرك ما صار توحيدا ولا صارت عبادة، ولم ينتفع صاحبها بالعبادة. وهذه حقيقة لم يفقهها كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ممن ما عرف حقيقة العبادة والتوحيد التي أمر الله عز وجل بها العباد، وهو مدار الدين كله. وكل الدين على هذه الكلمة، وعلى هذا الحق: العبادات والمعاملات، العقائد وكذلك الأعمال كلها تقوم على هذه الكلمة. وهكذا كذلك حق الله عز وجل أن لا يعذبهم إذا فعلوا ذلك. وهذا الحق -كما قلنا- لم يلزمه به أحد، بل ألزم الله عز وجل نفسه به عدلا منه وفضلا، ولا مكره له سبحانه وتعالى. وهذا الحديث -كما ترون- حديث جامع شامل، وفيه كذلك أهمية مخالطة ومجالسة أهل العلم. فانظر كيف استفاد أبو هريرة رضي الله عنه هذه المعاني العظيمة بهذه المجالسة في هذه الساعات. وهكذا كذلك مجالسة أهل العلم، ووجود أهل العلم في المجتمع. وانظر إلى هذا العلم كيف نقل إلى هذا الزمان بماذا؟ بما كان من نقل أهله له، ينقله جيل عن جيل، وكتاب عن كتاب، وعالم إلى أن وصل إلى هذا الزمان. وفيه -كما سبق وتكرر- أنه ليس شيء يصلح العبادة والبلاد بمثل العلم النافع. فإن العلم النافع من أعظم ما يصلح الله عز وجل به العبادة والبلاد. وبهذا نكون قد انتهينا من أحاديث التوحيد، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها. إنه ولي ذلك وقادر عليه. الحمد لله رب العالمين.