شرح أصول السنة للرازيين 11

شرح أصول السنة للرازيين 11

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 11، الدرس الحادي عشر:من( والصراط حق والميزان حق له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيمان بالصراط والميزان

يتناول المقطع الأول عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالصراط والميزان، ويستشهد بآيات القرآن وأقوال العلماء. يُظهر المقطع أهمية هذه العقيدة في يوم القيامة.

تفاصيل الموازين يوم القيامة

يشرح المقطع الثاني مفهوم الموازين وكيف توزن الأعمال والأجساد، ويبين أن ثقل الموازين يعود إلى الإيمان واليقين، ويستدل بالأحاديث والآيات على ذلك.

مرور الناس على الصراط وتفاوت أعمالهم

يتناول المقطع الثالث تفاوت الأعمال الصالحة في وزنها يوم القيامة ومرور الناس على الصراط، ويبين أن سرعة المرور تتوقف على سير الناس على شرع الله في الدنيا.

اختتام المبحث في الصراط والميزان

يشير المقطع الأخير إلى اكتفاء المؤلف بما ذكر ويعتبره إشارات لأهم المسائل، ويختتم المبحث بالإشارة إلى أن الله تعالى أعلم.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الصراط حق، والميزان حق، له كفتان توزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها، حق. كذلك ممن قاله علماء الأمصار من هذه العقيدة التي هي عقيدة أهل الإسلام، أهل السنة والجماعة، وما كان عليه سلف الأمة، وما تتابع عليه علماء الأمة، وما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة: أن الصراط حق، والميزان حق، له كفتان توزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها، حق. وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة، كما سيأتي إن شاء الله، لشار إلى بعضها. وهكذا كذلك تناقل هذه الجمل علماء الإسلام، وذكروها في كتب العقائد، صغيرها وكبيرها. وقل كتاب من كتب العقائد إلا وذكر معنى هذه المسائل التي قد ذكرها هؤلاء الأئمة. ومن ذلك ما ذكره ابن شاهين رحمه الله في شرح مذاهب أهل السنة، وذكر معنى ذلك، فقال: الصراط حق، وأشهد أن الميزان حق. وهكذا ما ذكره القيرواني رحمه الله في عقيدته، وقالوا: إن الصراط حق، يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم. ثم ذكر بعد ذلك: قالوا: الميزان حق، إلى آخر كلامه فيما ذكر من مسائل الاعتقاد. وهكذا ذكر الأشعري رحمه الله في كتابه الإبانة: أن الميزان حق، والصراط حق، ثم ذكر مسائل في الاعتقاد. وذكر ابن أبي زمنين رحمه الله تعالى في أصول السنة بإسناده عن زهير بن عباد أنه قال: كل من أدركت من المشايخ: مالك، وسفيان، وفضيل، وعيسى بن يونس، وابن المبارك، ووكيع بن الجراح، كانوا يقولون: الميزان حق. قال: وقال ابن وضاح: سألت ابن معين فقال: حق. يعني ما نقل زهير بن عباد. وهكذا كذلك ذكر نحو ذلك القرطبي في كتابه التذكرة، وغيرهم من العلماء ممن صنف في الاعتقاد، ذكروا نحو ذلك. ومن أدلة ذلك من كتاب الله عز وجل، وهي كثيرة، قوله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وهذا يدل أن موازين توضع للناس يوم القيامة. ولا ينافي ذلك كونه ميزان توزن به أعمال العباد، كما جاء في بعض الأدلة، كحديث عبد الله بن عمر في قصة صاحب البطاقة، وطيش تلك الصحف، حين يخرج له بالبطاقة التي فيها كلمة التوحيد. والحديث عند الترمذي، والحاكم، وابن ماجة، وأحمد، بإسناد صحيح أو حسن، وصححه كثير من أهل العلم، وقد ذكره العلامة الألباني في الصحيحة في المجلد الأول. فالموازين، باعتبار موزونات الناس، جمع. بل باعتبار الرجل الواحد، له موزونات كثيرة، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. فموازينه، أي موزوناته من أعمال صالحة أو غير ذلك. ومنه تلك السجلات التي وضعت لصاحب البطاقة. والله جل وعلا على كل شيء قدير، قادر جل وعلا أن يجعل هذه الأمور المعنوية من الأعمال الصالحة أو غيرها من السيئة، عبارة عن موزونات توزن على ميزان حقيقي يعلمه الله، ولا نعلمه. وهذا يجب أن نؤمن به، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، ونعلم أن الله عز وجل على كل شيء قدير. وهكذا كذلك، كما أن الأعمال توزن، كذلك الأجساد توزن، كما أخبر ربنا جل وعلا عن الكفار: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. ليس لهم وزن بسبب كفرهم. ومع ذلك، ربما كان ثقل الكافر مثل جبل أحد في نار جهنم، لكن لا يقيم له وزنا يزن به، فيرجح. بخلاف المؤمن، فإن الله عز وجل يقيم له وزنا. وقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «يؤتى بالرجل العظيم يوم القيامة، يعني من الكفار، لا يزن عند الله جناح بعوضة». وفي مسند أحمد وغيره، عن ابن مسعود، في قصة ساقي ابن مسعود، وأنه أثقل من أحد. وهذا بسبب إيمانه ويقينه، رضي الله عنه، أرضاه. وهكذا كذلك، الموزونات تتفاوت، الأعمال والأجساد، بحسب ما يكون في هذه الأعمال من اليقين والصدق. فصاحب البطاقة عنده كلمة توحيد فيها صدق وإخلاص، طاشت بها كل الصحف التي فيها سيئات هذا الرجل. قال: «شيء الإسلام». وليس كل من قال كلمة التوحيد تطيش سيئاته، وإلا لم يدخل النار موحد. ودلت الأدلة على خلاف ذلك: أن الكثير من الموحدين ممن عندهم أصل التوحيد، لكنه لم يكمل، يدخلون النار، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن منهم من لا يدخلون، ومنهم من يدخلون ويخرجون، كما أخبر ربنا جل وعلا، معناه، بكتابه. وهكذا أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بسنته. فالشاهد: الأعمال تتفاوت بحسب عظم قدرها عند الله، وصدق وإخلاص، يقينها عند صاحبها. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، بحديث أبي هريرة في الصحيحين: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله بحمد، سبحان الله العظيم». فهاتان كلمتان خفيفتان على اللسان، وهما في نفس الوقت حبيبتان إلى الرحمن. والشاهد: ثقيلتان في الميزان: «سبحان الله بحمد، سبحان الله العظيم». مع أنه من الذكر، لكنه ثقيل في الميزان. وهكذا كذلك بعض الأعمال الصالحة. وكذلك قوله: «وأن له كفتان»، كذلك توزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها، كما في حديث صاحب البطاقة، وكذلك أحاديث أخرى: «الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواما ويضع آخرين». وغيرها من الأحاديث. وقوله: «الصراط حق»، كذلك مما يؤمن به أهل الإسلام، أهل السنة والجماعة: أن الصراط حق، وهو الجسر المضروب على ظهر جهنم. وما من إنسان إلا وسيمر عليه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. كما قال الله عز وجل. لكن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في أحاديث كثيرة، بعضها بالصحيحين، وبعضها خارجها: أن الناس يمرون عليه بقدر أعمالهم. فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كأجاويد الإبل والخيل، ومنهم من يعد عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يكب في نار جهنم، والعياذ بالله. وهذا بحسب سيرهم على الصراط في الدنيا، فإن الله صراط في الدنيا، وهو شرعه ودينه، صراطه المستقيم. من سار عليه بقوة وحق، وصدق، وكان من المسارعين فيه، كذلك وفقه الله للسير على ذلك الصراط يوم القيامة. على أنه كما جاء في عدد من الأدلة: أدق من الشعر، وأحد من السيف. ومع ذلك يمر الناس عليه بقدر أعمالهم. وسمي صراطا لأنه يسترط كل من يمر فيه، يعني يستوعب كل من يمر فيه. وهذا من عظيم قدرة الله جل وعلا. وقد وردت فيه أشياء كثيرة. وهذا بعض ما ذكر، وهذه إشارات لأهم مسائل ما ذكر في هذا المبحث. وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.