شرح خمسون حديثا في العقيدة 10

شرح خمسون حديثا في العقيدة 10

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نفي العدوى والطيرة في الإسلام

ينفي النبي صلى الله عليه وسلم وجود العدوى والطيرة وغيرها لحماية التوحيد وسد ذريعة الشرك، مؤكداً أن الله هو المتحكم في كل شيء. هذا النفي يأتي لتأكيد التوكل على الله وحده.

تحريم الطيرة والتشاؤم في الإسلام

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطيرة والتشاؤم، مؤكداً أنها أوهام وساوس لا أساس لها، وأمر الناس بعدم التصد عن العمل بسببها. كما نهى عن الاعتقاد بأن الهوام أو الطيور تجلب الشر أو الخير.

التشاؤم والاعتقادات الجاهلية

شرح ابن عباس لحديث النبي عن نفي التشاؤم بالغراب واعتقادات الجاهلية، موضحاً أن هذه الأمور من الشرك وتهديد للتوحيد. النبي نفى هذه الاعتقادات لحماية التوحيد وتحقيق التوكل على الله.

التوكل الصحيح على الله

ينتقد النص اللجوء إلى الأموات لطلب الشفاء أو دفع السوء، معتبراً إياه تناقضًا مع التوكل على الله. يُشدد على أهمية فهم الحديث بشكل صحيح وتطبيقه في الحياة اليومية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين. الحديث العاشر، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا محمد بن الحكم، قال: حدثنا النظر، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر». وزاد مسلم في رواية عنه: «لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء، ولا صفر». وزاد أيضا في رواية عن جابر رضي الله عنه: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا غول». الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، لما فيها كذلك من مسائل عدة فيما يتعلق بالعقيدة. ففيها نفي هذه الأمور المذكورة، وذلك سدا لذريعة الشرك وحماية لحمى التوحيد. فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى»، أي: لا شيء يعدي بأصله، على اعتقاد الجاهلية. وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون أن الأشياء تُعدي بأصلها. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصحح هذا المعنى، فقال: «لا عدوى». وجاء في مسند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن سعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يعدي شيء شيئا، لا يعدي شيء شيئا، لا يعدي شيء شيئا». فقام رجل، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم الإبل وما يصيبها من الجرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أجرب الأول؟». فسكت الرجل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «خلق الله كل نفس، وكتب رزقها ومصابها وأجلها، خلق الله كل نفس، وكتب رزقها ومصابها وأجلها». فبين عليه الصلاة والسلام أنه لا شيء يعدي بذاته وأصله، بل إن الله جل وعلا إذا شاء جعل السبب سببا، وإذا شاء فإنه قادر على أن يمنع الشيء مع وجود السبب. ولا يعني ذلك عدم الأخذ بالأسباب في الامتناع مما يكون سببا للعدوى، فإن ذلك قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «لا يوردن ممرض على مصح». فبين عليه الصلاة والسلام أنه لا يدخل المريض على الصحيح لأجل هذا المعنى. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا طيرة»، أي: ولا تشاؤم بالطيور وغيرها. والطيرة هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم. مثال المسموع: أصوات الكلاب والغراب وغيرها. وهكذا المرئي: التشاؤم من رؤية الكلب أو رؤية الحمار أو رؤية الأعور أو الأعرج في أول الصباح. وهكذا التشاؤم بالمعلوم: أي الأشياء التي لا ترى ولا تسمع، تتشاؤم من بعض الأيام كيوم الأربعاء، أو من بعض الشهور كشهر صفر، أو من بعض السنين كالسنة الكبيسة، وغيرها مما يتشاؤم منه الناس. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا طيرة، لا وجود للطيرة. قال ابن القيم رحمه الله: «والنفي أبلغ من النهي». وكونه نفى بهذا الحديث، يعني أنه لا حقيقة لوجودها، فضلا عن أن ينهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام. فالشيء غير الموجود، كيف يكون له أثر على الناس، وهو ليس موجود؟! ولهذا جاء في مسلم، من حديث معاوية بن الحكم السلمي، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون». قال: «ذلكم شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». أي: لا يمنعكم من العمل. إنما هو شيء يجده الإنسان في نفسه فقط، فهي أوهام وساوس تقع في نفوس الناس، وعقائد فاسدة ورثها الأبناء عن الآباء، ولكنها ليس لها وجود في الواقع. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا هامة»، أي: ولا شيء من الهوام يكون سببا لجلب الشر، كما كان يظن أهل الجاهلية إذا سمعوا صوت البوم أو نباح الكلاب، فإنهم يتشاءمون من ذلك. فإنه لا ينبغي أن يعلق الخير والشر بصوت الهوام والدواب أو الطيور أو غيرها، بل إن الأمر لله عز وجل. لا بصوت الطير يأتي الخير، ولا بصوت غيره يأتي الشر. ولما خرج رجل مع عبد الله بن عباس، أو أراد أن يخرج في سفر، فسمع صوت الغراب، فقال: «خير، خير». فقال له ابن عباس: «أي خير أو شر عند هذا الغراب؟!» يعني: لا وجود لخير ولا وجود لشر عند هذا الغراب، بل الأمر لله عز وجل. وهكذا «ولا صفر»، أي: ولا اعتقاد في صفر. ففسر صفر بأنه الشهر الذي كان يتشاءم منه أهل الجاهلية، حتى قيل: إنه سمي كذلك لأن البيوت كانت تصفر عن أهلها، يعني: تخلو، الناس يخرجون يخافون. وقيل: إن المراد صفر: داء الصفار الذي يصيب كثيرا من الناس، فكانوا يظنون أن من أصيب به فلابد له من الموت. وليس الأمر كذلك، فبين النبي عليه الصلاة والسلام نفي ذلك على ما سبق. وهكذا قوله: «ولا نوء»، أي: ولا اعتقاد بالأنواء على ما كان يعتقد أهل الجاهلية. فكانوا يعتقدون بالأنواء أنها تنفع وتضر بذاتها، وأنها تجلب الخير، وتدفع الشر. والأمر ليس كذلك. ولهذا جاء من حديث أبي مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية»، وذكر منها: «الاستسقاء بالنجوم». وهكذا حديث زيد بن خالد، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبح اليوم مؤمن بي وكافر». أي: أن الله جل وعلا قال: فأما من قال: «مطرنا بنوء كذا وكذا»، فهو كافر بي، مؤمن بالكوكب. والحديث وإنما جعل الله عز وجل النجوم على ما تهتدى بها، وزينة كذلك في السماء، ومواقيت يعرف بها الأشياء. والرابع أو السادس والأخير، قوله: «ولا غول»، أي: ولا اعتقاد بالغيلان. والغول: كان شيئا يتحدث به أهل الجاهلية، يظنون أنه نوع من الجن يتشكل بصورة الوحوش، يضيع الناس في أسفارهم، أو أنه أحيانا يتيههم كذلك في أسفارهم. ولا زال هذا إلى اليوم، يقول بعض الناس: يسمونه المغوي، أي: أنه يخرج على الناس في الليل أو في النهار، فيغويهم، يضيعهم عن الطريق. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا وجود لذلك. إنما هي من الأوهام والوساوس التي تعلق بقلوب الناس. فنفى النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأمور الستة، حماية لحمى التوحيد، وسدا لذريعة الشرك، وليحصل التوكل التام على الله جل وعلا. ولا يحصل التوكل إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته. فإنه لا يصح توكل ممن أشرك بالله جل وعلا. فمن تعلق قلبه بغير الله، ما يمكن أن يقع منه توكل. كيف يمكن إنسان يأتي إلى قبر، ويطلب منه أن يشفي مريضة، ويدفع عنه السوء المكروه، ثم بعد ذلك يدعي أنه متوكل على الله؟! هذا كاذب، لأنه لو كان متوكل على الله، ما التجأ إلى غير الله. فإذن هذا الحديث حديث عظيم، ينبغي الاعتناء به وحفظه، لما فيه من هذه المعالي. فنكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.