الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 50، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه الإمام مسلم، ويتناول التحذير من الدعاة إلى جهنم والفرق الضالة. ويشير إلى أهمية التمسك بجماعة المسلمين وإمامهم في أوقات الفتن.
يؤكد على أهمية العلم والعلماء في صلاح المجتمع، ويحذر من ذهاب العلم واتخاذ الجهال رؤوسا. كما يعد دليلا على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.
يشرح أهمية اتباع هدي النبي عليه الصلاة والسلام وخطورة التفرق والتحزب، ويبين أهمية لزوم جماعة المسلمين وإمامهم والثبات على الحق.
يبرز أهمية العلم الذي يُعتبر تركة الأنبياء، ويشير إلى اكتفاء المؤلف بذكر هذه النقطة في سياق الحديث.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن -غفر الله لنا وله وللمؤمنين-: الحديث الخمسون، قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. قلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». بسم الله الرحمن الرحيم، وحمد الله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أورد الإمام البقاعي رحمه الله والإمام مسلم -كما بهذا السند- هذا الحديث، وهو من الأحاديث المهمة في الفتن، ويسمى بحديث الافتراق تارة، وبحديث حذيفة في الفتن تارة أخرى، وهو حديث عظيم. ولهذا اعتنى العلماء بذكره في مصنفاتهم، بل وألفوا له بعض الكتب والرسائل الخاصة لأهميته وعظم شأنه. وهو حديث عظيم، وفيه مسائل كثيرة، لكن نقتصر على خمس مسائل مهمة من مسائل هذا الحديث. أول هذه المسائل: فيه أهمية العلم وفضل العلماء، وأن العلم والعلماء سبب للخير للمجتمع، وأن ذهاب العلم والعلماء سبب لحصول الشر للمجتمع. وكم قد مر معنا مثل هذا المعنى في أحاديث كثيرة، وهذا واحد منها يؤكد هذا المعنى، ويضع في قلب كل مسلم اليقين بأنه لا يصلح الناس إلا العلم النافع، ولا ينفع الناس شيء بمثل وجود العلماء. وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: «إن الله لا يقلد العلم انتزاعاً ينتزع من صدور العلماء، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، ودليل من دلائل صدق رسالته. فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بأمور غيبية عظيمة فوقعت بمثل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن الواحد من الصحابة على ذلك الخير الذي كانوا فيه ما كانوا يظنون أنه يأتي مثل هذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. ولكنه وقع بمثل ما أخبر عليه الصلاة والسلام، وهذا دليل من أدلة لا تعد ولا تحصى تؤكد وتصدق بصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، وأنه مؤيد بوحي الله جل وعلا، فهو لا ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. ومن مسائل هذا الحديث كذلك: أن من أعظم علامات أهل الانحراف عن الخير إلى الشر هو عدم الأخذ والاستنان بسنة النبي عليه الصلاة والسلام والاهتداء بهديه. ولهذا قال في الخير الذي يأتي بعد الشر: «وفيه دخن». وهذا إن دل على شيء دل على أن بداية الانحراف يكون دخن في الخير. فلما سئل: ما هو هذا الدخن؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هدي». وفي هذا تضمن كذلك أن الذي يطلب الخير في غير هدي النبي عليه الصلاة والسلام لا يدركه ولا يثبت عليه ولا يبقى، بل لابد من الانحراف. ولهذا قال بعد ذلك: «هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم». وفيه دليل على أن من أسباب التفرق عدم الاهتداء بهديه عليه الصلاة والسلام، وعدم الاستنان بسنته عليه الصلاة والسلام، وبه يحصل التفرق. ومن مسائل هذا الحديث كذلك: أن التفرق مذموم، وأنه من علامات أهل الشر لا من علامات أهل الخير. فقول من يقول: إن هذه الفرق والأحزاب الموجودة في الساحة دليل الصحوة الإسلامية، هذا خطأ وجهل بالشرع. فأدلة الشرع من الكتاب والسنة تذم التفرق وتذم التحزب، بل هذا دليل من أدلة المرض والداء كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: أهمية لزوم جماعة المسلمين وإمامهم إن كان لهم جماعة وإمام، ولو كان هذا الإمام عنده ما عنده من الخطأ والتقصير. كما مر معنا في الأحاديث، فالإحسان للجميع، والسيئة لهذا الذي وقعت منه. وفيه أخيراً: أهمية الثبات على الحق ولو كان الإنسان وحده. فإن حذيفة رضي الله عنه سأل: فما تأمرني -يعني إذا لم يكن هناك إمام ولا جماعة- ماذا يصنع؟ أمره أن يترك تلك الفرق كلها، لا ينتسب إلى شيء من هذه الفرق لأنها على ضلالة، بل يثبت على الحق. وبه تعرف صحة قول عبد الله بن مسعود: «الجماعة ما كان على الحق وإن كنت وحدك». يعني لو كنت وحدك فالزم بهذا الحق حتى يتوفاك الله عز وجل. وهذا هو أمر الصفاء الذي يكون عليه أهل السنة، فصاحب السنة يأبى أن يترك شيئاً أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يخالف الناس فيما هم فيه من الزيغ والضلال. فليس من دينه مسايرة الواقع، ولا المداهنة في دين الله عز وجل، ولكن من دينه ثبات على الحق ولو كان وحده، وهو يعتز بالحق الذي علمه من دين الله عز وجل. وهذا الحق علمه بماذا؟ علمه بالعلم الذي هو تركة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. هذا أهم ما يذكر من مسائل هذا الحديث، وبه نكتفي والحمد لله.