التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام  12

التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 12

الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث احتجام النبي صلى الله عليه وسلم

يتناول الشيخ شرح حديث احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، ويستعرض آراء العلماء حول صحة الحديث. يبين أن لفظة "وهو صائم" ثابتة وصحيحة رغم بعض الروايات المختلفة.

تحليل رواية احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم

يناقش المقطع رواية احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم، ويبين أن هذه الرواية ثبتت في الصحيحين. الإمام البخاري رواها بعدة ألفاظ، والخلاف في المسألة لا يعني ضعف الرواية.

ضوابط التعامل مع الأدلة المتعارضة وتحذير من التأويلات الضعيفة

يتناول المقطع تحذير شيخ الإسلام من التأويلات الضعيفة ومضارها، ويشرح كيفية التعامل مع الأدلة المتعارضة في أصول الفقه. يبين أهمية اتباع الدليل وعدم الانسياق وراء العواطف أو آراء العلماء المخالفة للدليل.

حكم التعامل مع شركة دي إكس إن الماليزية وتأثيراتها

شركة دي إكس إن الماليزية تتعامل بالبيع الهرمي المحرم الذي يتضمن التغرير والجهالة. التعامل معها يعتبر تغريرًا للمجتمع لارتفاع أسعار سلعها مقارنة بجودتها، وقد صدرت فتاوى بتحريمه.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني عشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمدُهُ ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو الدرس الثاني عشر من دروسنا في القراءة في كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية، حقيقة الصيام، مع ما يتيسر الوقوف عليه من تعليقات شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله رحمة واسعة. وكان آخر ما مر معنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، من كلامه عن الحجامة، وما زلنا فيه. قال رحمه الله تعالى: «قال والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وهو صائم محرم، يريد بذلك صحيح البخاري، قالوا: أحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله: وهو صائم، وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم». نعم، جاءت روايات ذكر الإحرام فقط، وقد روى الإمام مسلم هذه الرواية، ورواها البخاري كذلك، ولهذا بعضهم قالوا: إن هذه الرواية أصح. ولكن كما سيأتي معنا إن شاء الله: أن ذكر لفظ الصيام كذلك صحيح. وقوله رحمه الله: «وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة» سيأتي معنا ذكر بعض هؤلاء، فممن نقل عنه الطعن في هذه الزيادة ابن المديني، ويحيى بن سعيد القطان. وأكد الإمام أحمد رحمه الله، وبعضهم إذا تأملنا في قولهم نجد أنه طعن في رواية بعينها، ولا يعني ذلك طعنًا بهذا اللفظ، كما سيأتي معنا إن شاء الله، فيما نقل عن شعبة رحمه الله. قال رحمه الله: «قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم»؛ يعني حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجمه وهو صائم محرم. هذا النقل صحيح، ولكن لا يعني كونه نقل أن الحكم لم يسمع هذا الحديث -حديث مقسم في الحجامة للصائم- أن هذا ليس بصحيح. أولًا: لأنه قد يظن أنه لم يسمع، وهو سمع، ويعلم صواب ذلك وخطأه من طرق أخرى. وقد يكون أخطأ في هذا ووقع كما قيل: أنه لم يسمع هذا، لكن لا يعني أنه لم يثبت هذا اللفظ إذا ثبت من طرق أخرى. والأمر كذلك؛ لأن الإمام البخاري رحمه الله لم يتفرد برواية هذه اللفظة من حديث الحكم عن مقسم، وإنما كذلك رواها من طرق أخرى. فقد جاءت متابعة من حديث يزيد بن أبي زياد عن مقسم، رواها البخاري كذلك في صحيحه، وهكذا أبو داود، ابن ماجه بإسناده عن ابن عباس. فعلم بهذا أن هذه اللفظة لم ينفرد بها الحكم في حديث مقسم، وإنما توبع عليها. وإذا تتبعنا أسانيد هذه اللفظة وجدنا أنها ثبتت من أوجه كثيرة، فهي جاءت من رواية عكرمة عن ابن عباس، وجاءت عن غيره بأسانيد كثيرة في البخاري، فضلًا عن خارج صحيح البخاري. وبهذا يعلم أن هذه اللفظة -لفظة ثابتة صحيحة-، وكتب الإمام البخاري رحمه الله، وهو من عرفنا في اعتنائه بالصحيح، ودقته في معرفة ألفاظ وروايات الحديث، أنه انتقى أصح الصحيح. وهذه اللفظة على الصحيح هي من أصح الصحيح. قال رحمه الله: «قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم»؛ يعني حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وهو صائم المحرم. قال مهنة: سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وهو صائم المحرم، فقال: ليس بصحيح، وقد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري كذلك. هذا الإنكار من يحيى بن سعيد الأنصاري إنكار لهذا اللفظ، أو إنكار لرواية فيه. والصحيح أنه إنكار لرواية فيه، وليس إنكارًا لهذا اللفظ مطلقًا؛ لأن هذا اللفظ ثبت من طريق أو جه أخرى. قال رحمه الله: «قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- يرد هذا الحديث، فضعفه، وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر، فكان بعد يحدث من كتب غلامه، وكان هذا من تلك». وقال مهنة: سألت أحمد عن حديث قبيصة عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس إلى آخره، فقال: هو خطأ من قبل قبيصة. وقد تقدم معنا أن قبيصة لم ينفرد بهذا اللفظ، بل توبع، وجاءت روايات كثيرة بإثبات هذا اللفظ. قال: وسألت يحيى عن قبيصة، فقال: رجل صدق، والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله. قال مهنة: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وهو محرم صائم، فقال: ليس فيه صائم، إنما هو محرم، ذكره سفيه سفيان عن عمر بن دينار عن طاووس عن ابن عباس، قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه، وهو محرم. وهذا الذي ذكره رحمه الله صحيح ثابت، لكن كذلك ثبت ذكر لفظ الصيام -لفظ الصيام- من طريق طاووس كذلك. فليس ما أشار إليه رحمه الله من أن رواية عمر بن دينار عن طاووس عن ابن عباس هي بلفظ الإحرام دون لفظ الصيام؛ لأنه على الصحيح ثبت لفظ الصيام عن عدد ممن يرويه عن ابن عباس، وعن عدد ممن يرويه عن من يرويه عن ابن عباس، وعن عدد ممن يرويه من من يرويه من من يرويه عن ابن عباس. فكل طبقة رواه جماعة بما يؤيد ويؤكد صحة هذه الرواية. ومن أراد البسط في هذا يرجع إلى شروح الحديث المطولة، وبحوث بعض الأئمة في ذلك، بل جمع الأسانيد التي رويت في هذا الحديث، مثل تحفة الأشراف للمزي رحمه الله، وهكذا كذلك ما أشار به ابن عبد البر في الاستذكار، وغيره من أهل العلم. فالصحيح أن هذه اللفظة ثابتة؛ فقد ثبتت عن عدد من التابعين يروونه عن ابن عباس، وهكذا كذلك عن جماعة يروونه عن جماعة عن ابن عباس. فصحت بذلك هذه الرواية، ولا مانع أن تكون الرواية رويت بهذا اللفظ، وهذا اللفظ، ولا تعارض فيكون ابن عباس نشط، وهذا معروف في علم مصطلح الحديث: أن الراوي قد ينشط فيروي الحديث كاملًا، وقد يفتر فيروي بعض الحديث. فإذا كان الكلام والسياق على مسائل الحج والإحرام فيذكر ما يناسب المقام، فيقول: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم. وقد ذكروا أن ابن عباس صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع؛ لأنه لم ينقل عنه أنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم إلا في حجة الوداع. فأفاد هذا ثلاثة فوائد: الفائدة الأولى التاريخ: أن هذا الحديث هو آخر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة فيما يتعلق بالإحرام، وما يتعلق بالصيام. وثانيًا: فيه إثبات هذا الحكم، وهو أن المحرم يجوز له كما سيأتي معنا إن شاء الله أن يحتجم إذا احتاج إلى ذلك، وأنه لا يلزمه شيء؛ لأن الحجامة شيء يسير، ولا ينافي ذلك ما جاء في القرآن والسنة في مسألة الحلق؛ لأن الحلق للرأس كاملًا ليس مثل الحجامة. حديث كعب من عجرة في الصحيحين ليس مثل الحجامة. والأمر الثالث: فيه على الصحيح إثبات مسألة الصيام، وأن الحجامة لا تضر الصائم على الصحيح لحديث ابن عباس هذا. فإذا جاء لفظ الإحرام ولم يذكر لفظ الصيام، فيكون في سياق كلام ابن عباس رضي الله عنه على مسائل الإحرام، فيقول: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم. وإذا ناسب أن يكون الكلام على الحجامة معه فيما يتعلق بالصيام أتم الحديث، فقال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم صائم. ولهذا جاءت الروايات الثلاث: جاءت رواية: احتجم وهو محرم، وجاءت رواية: احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم، وجاءت رواية: احتجم وهو صائم محرم، كلها رويت. فرواية: وهو صائم دون ذكر الإحرام، رواها الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وغيره كذلك رووا بمثل ما روى الإمام البخاري. كذلك لفظ الإحرام في الصحيحين: احتجم وهو محرم ثبت في الصحيحين في البخاري ومسلم، وفي غيرهما. وهكذا كذلك لفظ: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صائم، واحتجم وهو محرم، وهذه الرواية كذلك عند الإمام البخاري في صحيحه. وبهذا نعرف العلم الكثير الذي حفظه لنا علماؤنا وأمتنا في كتب الحديث. انظروا حين احتجنا رجعنا إلى الأسانيد، ورجعنا إلى الألفاظ، فوجدنا أن علماءنا وأمتنا اعتنوا بحفظ الألفاظ والأسانيد بما لا يدع مجالًا للشك في الحرف واللفظ، فضلًا عن الحديث: أنه ثبت أو لم يثبت. فالبخاري -كما لا يخفى علينا- فيه من الأحاديث المكررة بالجملة، لكنها ليست مكررة بالتفصيل؛ لأننا إذا فصلنا وجدنا أنه لم يكرر رحمه الله الحديث إلا وفيه إما فائدة إسنادية، وإما فائدة متنية. وهذا من هذا القبيل، فهذا الحديث كرره الإمام البخاري رحمه الله في عدة مواضع صحيحة، لكنه في كل موضع يختلف عن الموضع الآخر، تارة فيه فائدة إسنادية، وتارة فيه فائدة متنية. ولذلك أخطأ من ظن أن البخاري رحمه الله انفرد، وللأسف رأيت هذا لبعض الباحثين المعاصرين يقول: انفرد البخاري رحمه الله دون مسلم، ولا إما بذكر لفظ الصيام، وهذا ليس بصحيح، هذا خطأ فاحش؛ لأن البخاري لم ينفرد بهذا. ثم البخاري لم ينفرد بذكر الصيام دون غيره؛ لأن البخاري روى هذا الحديث بعدة ألفاظ، رواه بلفظ الإحرام فقط، وبلفظ الصيام فقط، وبلفظ الإحرام والصيام مقترنين، وبلفظ الإحرام والصيام وبينهما فاصل، وهو: صائم محرم، هذا لفظ، واللفظ الآخر: وهو صائم، وهو محرم، تأكيد؛ لأن ضمير الفصل -كما لا يخفى علينا- من فوائده التأكيد: تأكيد أن هذا اللفظ -هذا الخبر- لهذا المبتدأ، وأن هذا اللفظ ليس فيه خطأ. فالخلاصة: الصحيح أن هذه الرواية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكون بعض الإئمة أنكرها، فهو على أحد أمرين: إما أنه أنكر بعض ألفاظها، كما مر معنا في رواية الحكم عن مقسم؛ فإنه لو ثبت هذا لا يعني عدم ثبوت غيره. وأمر آخر: أنه قد لأجل مثل هذا الخطأ يظن بعض الأئمة أن الحديث لم يثبت، كما نقل عن إمام أحمد رحمه الله، ولكن غيره علم ما لم يعلم، فثبت عنده الحديث. ولهذا صار هذا من أفراد الإمام أحمد عن الأئمة، ومن أفراد الحنابلة عن الجمهور في هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: «قال مهنة: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، ومحرم صائم، فقال: ليس فيه صائم، إنما هو محرم، ذكره سفيان عن عمر بن دينار عن طاووس عن ابن عباس، قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه، وهو محرم، وعن طاووس وعطاء مثله عن ابن عباس، وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله». وهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صائمًا. وقد تقدم معنا أن لفظ صائم ثبت كذلك من حديث سعيد بن جبير، ومن حديث طاووس، وجماعة بما يؤكد لنا أن هذا اللفظ ليس فيه من معاني التفرد، فضلًا عن الشذوذ؛ لأنه ثبت عن جماعة ممن روى عن ابن عباس. فلا يصح أن نحكم عليها بالشذوذ أو التفرد والنكارة؛ فهي رواية ثابتة صحيحة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الصحيح. ولهذا اعتمدها الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه. قال رحمه الله: «قلت: القائل شيخ الإسلام من تيمية رحمه الله، قال: وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، ولهذا أعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم، ولم يثبت إلا حجامة المحرم». والصحيح أن الإمام مسلم رحمه الله كونه لم يذكر لفظ الصائم لا يعني ذلك ضعف هذه الرواية. إما لأنه بلغه أن بعض الإئمة تكلم في هذه الرواية، فتوقف، هذا وجه. ووجه آخر: أنه ربما من ناحية فقهية استشكلها، أو كان لا يرى بها، فلم يخرجها، وأخرج ما غلب على ظنه أنه الصواب في هذه المسألة. ولكن كما تقدم معنا في القاعدة: أن العبرة بما يروي الراوي لا بما يرى. فإذا ثبتت هذه الرواية من وجه آخر، فإلى ماذا نقول؟ فالخلاصة: المسألة فيها خلاف كما تقدم، ومن بحثها فيه شيء من التدقيق سيصل إن شاء الله إلى ما سبقت الإشارة إليه: أن هذه الرواية رواية ثابتة صحيحة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «وتأولوا أحاديث الحجامة بتأويلات ضعيفة، كقولهم: كان يغتابان، وقولهم: أفطرى لسبب آخر». سيأتي معنا أن هذا من أضعف التأويلات، ولذلك كان الأولى أن يذكر هذا في آخر التأويلات لا في أولها. أولًا: لأن مبناه ضعيف، حديث ضعيف لا يصح: أن النبي صلى الله عليه وسلم فيه بعض المتروكين. وثانيًا: أنه لم يقل به، ولم يقل به أحد من الأئمة المعتبرين، ويجعله هو العمدة. فأكثر من تأول أحاديث الحجامة تأولها إما بصرف النسخ، كما سيأتي، وإما بغيره من الصوارف الأخرى. وأشار الشيخ رحمه الله تعالى بتعليق شيخنا ابن تيمية رحمه الله على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا. قال شيخ الإسلام: «كقولهم: كان يغتابان، وقولهم: أفطرى لسبب آخر»، فعلق الشيخ رحمه الله تعليقًا خلاصته: أن التأويلات الضعيفة لها مضار، ومن مضارها أنها تنفي ما دل عليه الدليل، وتثبت ما لم يدل عليه الدليل. ومن ذلك: أن تثبت أن تنفي العلة التي ذكرها الشرع، وتثبت علة لم يذكرها الشرع. وهذا الكلام صحيح كقاعدة ينبغي أن ينتبه لها طالب العلم. فلا ينبغي أن يخرج عن ما دل عليه الدليل فيصرفه عن ظاهره إلا بدليل آخر. وأما بغير دليل فلا يصح؛ لأنه يرتكب خطأين اثنين: الخطأ الأول: أنه ينفي ما دل عليه الدليل، الخطأ الثاني: أنه يثبت حكمًا آخر لم يثبته هذا الدليل. ولذلك يقال: لا تعتقد ثم تستدل، ولكن استدل ثم اعتقد. كذلك من أراد أن يخرج علة أو ينفي شيء دل عليه الدليل، فإذا نفى شيئًا دل عليه الدليل -علة معينة- فقد ارتكب خطأين: أولًا: نفى علة ذكرها الشرع، ثم صرف هذا الظاهر لعلة أخرى، فأثبت علة لم يثبتها الشرع. ولكن في مسألة الحجامة هذا الكلام قد لا يصح تطبيقه هنا؛ لماذا؟ لأنه ثبت بالدليل الصحيح الصريح ما يخالفه. إذا كان هناك عندنا أدلة -دليلين أو أكثر- ظاهرها التعارض، فماذا نصنع؟ ذكر العلماء قاعدة: بل هناك قواعد، ومبحث خاص من مباحث علم أصول الفقه اسمه: باب تعارض الأدلة. هناك خطوات كيف يصنع الفقيه؟ إذا وردت أدلة ظاهرها التعارض، أول خطوة: أنه يحاول الجمع؛ فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. ثم ينتقل خطوة خطوة حتى يصل إلى الصواب. وقد أجاد وأفاد الشوكاني رحمه الله في كتابه النافع الماتع: رشاد الفحول، فقد ذكر فيه تفصيلًا لطيفًا مفيدًا فيما يتعلق بتعارض الأدلة. ونحن في كتاب مختصر لا نريد أن نخرج ونطيل البحث لا من الناحية الأصولية، ولا من الناحية الفقهية، ولا من الناحية الحديثية. ولكن هذه إشارات أقصد بها أن ننتبه، وأن نسلك المسلك الصحيح الذي به إن شاء الله نصل إلى الراجح، سواء في هذه المسألة -مسألة الحجامة- أو غيرها من المسائل التي تمر بطالب العلم مما اختلف فيها العلماء. فقد تأخذه العواطف من جهة، أو حقد الأدلة، وكلام الكبار من جهة. والعالم مهما كبر ليس هو أكبر من الدليل، والعالم مهما كذلك كانت له شهرة، ليست شهرته أعظم من الدليل. بل نحن ندور مع الدليل حيث دار، ونقف حيث وقف. الإمام أحمد ليس أحد أكبر منه في زمانه رحمه الله، تمسكًا بالسنة، وردًا عليها للبدعة. ولكن لا يعني ذلك أن كل ما قاله الإمام أحمد رحمه الله هو الصواب، بل نأخذ من كلامه ما وافق الدليل، وبأدب نرد من كلامه ما خالف الدليل. وهذه المسألة ها هنا على الراجح والله أعلم: أن الصواب مع ما ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله، والترمذي، وجماعة من إئمة الحديث الذين أثبتوا هذه اللفظة. ولأنه كما تقدم لم يعملوا قد أشار إلى هذا بشيء من البسط عدد من الإئمة والحفاظ، كابن عبد البر وغيره: حديث الحاجم والمحجوم لم يعملوه على إطلاقه، بل قيدوه. فجعلوا الكلام عليه في جهة المحجوم لا في جهة الحاجم، قالوا: الحاجم إنما يفطر إذا دخل إلى جوفه شيء من الدم. طيب الحديث لم يفرق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فمن أين أتينا بالدليل؟ ما هو الدليل على هذا التفصيل؟ أن نقول: الحاجم لا يفطر إلا إذا دخل إلى جوفه شيء، طيب لماذا لا نقول مثله كذلك في المحجوم؟ من أين أتينا بهذا القيد في حق الحاجم؟ فإن قيل: بعمومات الشريعة، فيقال: كذلك ينبغي أن يقال في المحجوم؛ فالشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين المفترق. ويؤكد هذا ويؤيده أنه قد ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وهو صائم؛ إذن هذا يؤكد أن لفظ الحاجم والمحجوم سواء. هذا إذا قلنا: أن الحديث صح، مع أن حديث الحاجم والمحجوم ليس في الصحيحين لا في البخاري ولا في مسلم. وعلى القول بصحته؛ لأنه روي عن عدد من الصحابة، فإذن نبقى في مسألتين: هل هو أول أو حديث ابن عباس ثانيًا؟ ثانيًا: أيهما الأول حتى نعرف الناسخ من المنسوخ، أو يمكن الجمع بهذا التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وهذا هو الصواب في هذه المسألة: أن نقول: الأصل أن الحجامة تكره للصائم؛ لأنها مظنة الفطر، الحاجم قد يفطر بدخول الدم إلى جوفه، والمحجوم قد يتعبه الحجامة فيضطر للفطر. إذن لذلك الأولى أن لا يحتجم، ولهذا كان بعض الصحابة والتابعين وإئمة يكرهون الحجامة في نهار رمضان، ويؤخرون إلى الليل؛ لأنها مظنة للإفطار. وهذا هو الصحيح، وأما كونه يفطر بمجرد وقوعه فلا؛ لحديث ابن عباس الذي سمعنا. طيب نرجع إلى كلام الشيخ رحمه الله، قال رحمه الله تعالى: «وأجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره: أن هذا منسوخ، فإن هذا القول كان في رمضان، واحتجامه ومحرم كان بعد ذلك». طيب الآن الوقت انتهى نصف ساعة، والكلام على النسخ كذلك سيطول، ولا يكفي لو كان الكلام خمس دقائق حولها أو حول ذلك، لكن هو أكثر من هذا. فنقف إن شاء الله عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، وننظر ما يتيسر من الأسئلة. يقول السائل أولًا: هل يلحق بالحجامة التبرع بالدم؟ الجواب: قال بهذا جماعة من أهل العلم، وعلى القول بأن الحجامة لا تفطر، فكذلك التبرع بالدم لا يفطر. لكن كما تقدم معنا: هو مظنة الفطر؛ لأن المتبرع بالدم كالمحتجم وأكثر، فهو يضعف، وقد يصيبه شيء من الإعياء فيضطر للفطر. فلذلك ينبغي ألا يتساهل الصائم، ويعرض صيامه للفساد بما يكون من إعيائه بهذا التبرع بالدم. طيب السؤال الثاني: يقول السائل فيه: ما حكم نثر الماء المقروء في البيت الذي يظن فيه جن أو نحو ذلك؟ الجواب: هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة والتابعين، ولا عن أحد من الأئمة المعتبرين. يكفي أن يقرأ كما علم النبي صلى الله عليه وسلم بسورة البقرة؛ فإنه لا تستطيعها البطلة، وأذكار الصباح والمساء لأهل البيت، أذكار النوم، أذكار الصلوات، أذكار الدخول والخروج، أذكار الأكل والشرب، وغير ذلك مما جاء في الكتاب أو في السنة، هذا إن شاء الله يكفي المسلم. ولا ينبغي أن نستحدث ونبتدع أشياء، ونستحسن أشياء لم يثبت بها الشرع. ثم لو قدر أن أحدًا أجاز لك ذلك، اسأل نفسك: أنت حينئذ ترمي بهذا الماء المقروء -يعني تظن أنه ينفع- بماذا؟ بالقرآن الذي فيه. طيب إذن أنت ترمي بالقرآن الآن، أنت تهين القرآن، صار هذا الماء المقروء الآن تهينه، ترميه في الجدران، وعلى الأرض، وستدوسه برجلك، وسيدوسه الناس. إذا قلت: لا، هو ليس فيه القرآن، إذن لماذا ترميه في الجدران؟ فلا حاجة لنا لمثل هذا، يكفينا ما كفى سلفنا وأمتنا. طيب هذا سؤال أخير إن شاء الله نقف عنده، يقول السائل فيه: ماذا تعرفون عن شركة دي إكس إن الماليزية؟ وما حكم التعامل معها؟ الجواب: هذه الشركة كثر السؤال عنها، وأجبت عدة مرات بأجوبة مختصرة، والآن كذلك إن شاء الله، ولكن لعل الله يسر إن شاء الله بإجابة مطولة؛ لأن بعض الإخوة أوقفني على بحث مطول ينتصر فيه لهذه الشركة. هذه الشركة تبيع بعض الأدوية والأعشاب، ولكن بالبيع الهرمي المحرم الذي يدخل فيه معنى التغرير والجهالة. وهناك فتاوى عدة لمشايخنا وعلمائنا، بل كذلك للجنة الدائمة للإفتاء بتحريم البيع الهرمي، وهم يتعاملون بهذا النوع من البيع الذي فيه تغرير بالآخرين، فضلًا عما يحتويه هذا البيع. وهذا هو الغالب في البيع الهرمي؛ لأن الذي يدخل فيه يدخل لطلب المكسب لا لطلب البضاعة، هذا هو الغالب. مع ما لا يخفى علينا: أن البيع الهرمي في الغالب السلعة قيمتها أقل مما يدفع لها، هذا هو الغالب. فكيف أيضًا ضاف إلى ذلك أن ما تتعامل به هذه الشركة في بعض البضائع هي ليست وصفًا حقيقيًا يقتضي أن يكون هذا المبلغ سعر هذه البضاعة. ولذلك، ولذلك أنا أطلب من الإخوة إذا كان عندهم شيء من الإنصاف أن ينظروا إلى أثمان بعض السلع التي تبيع هذه الشركة مع شركات أخرى منافسة، ربما هي أجود منها. هذه الشركة شركة ماليزية، ومن خلفها كما ذكر لنا بعض الأفاضل شركة صينية، فجودة ما تبيع ليست جودة عالية. ثم السعر مبالغ فيه، بينما تجد نفس السلعة وبجودة أعلى عند بعض الشركات الغربية -وليس نقول غربية تعظيمًا للغرب- لا، ولكن لأن عندها جودة مشهورة، جودة مشهورة، مثل شركة جي أن سي مثلًا. وتجد مع ذلك جودة وسعر أقل، فهذه ثلاثة أوجه تبين لنا أن التعامل مع هذه الشركة في تغرير للمجتمع، تغرير للمجتمع. لا تنظر أنك تربح بما يعطونك من نسبة إذا أتيت لهم بالزبائن، مع أنهم في الحقيقة يأخذون مالك، أنت تشتري منهم، ومالك يبقى محفوظًا في دائرة مغلقة، تدفع أكثر مما تأخذ، وأنت لا تدري، ولا تدرك هذا الأمر. فالمهم إن شاء الله لعل الله يسر بشيء من البسط في هذا الموضوع، بالرد على ذاك البحث الذي سبقت الإشارة إليه، ووقفني إليه بعض الإخوة. طيب نقف إلى هذا الحد في هذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله الخير.