الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 25، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل وصف النار وعذابها كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث يحذر الله تعالى من النار ويذكر أنواع عذابها. يُذكر العديد من الآيات القرآنية التي تصف عذاب النار وشدة العقاب للكافرين والمجرمين.
يصف هذا الفصل النار وعذابها الأليم الدائم، ويبين أن الله أعدها للكافرين والمشركين والمنافقين والعصاة، ويذكر بعض الأحاديث النبوية التي تصف عذاب النار وشدة عقابها. كما يذكر عذاب أهل النار وما يلاقونه من معاناة شديدة.
يتضمن هذا الفصل دعاءً للنجاة من النار والفوز بالجنة، ويطلب المغفرة للمؤمنين والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعكس أهمية الدعاء في طلب النجاة من العذاب.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين -رحمه الله تعالى- إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الخامس والعشرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتابه "مجالس شهر رمضان": المجلس الخامس والعشرون في وصف النار، أعاذنا الله منها. الحمد لله الحي القيوم الباقي، وغيره لا يدوم، رفع السماء وزينها بالنجوم، وأمسك الأرض بجبال في التخوم، صور بقدرته هذه الجسوم، ثم ماتها ومحا الرسوم، ثم ينفخ في الصور فإذا الميت يقوم، ففريق إلى دار النعيم، وفريق إلى نار السموم، يفتح أبوابها في وجوههم، لكل باب منهم جزء مقسوم، وتوصد عليهم في عمد ممددة، فيها للهموم والغموم، يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فما منهم مرحوم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من للنجاة يذرم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي فتح الله بدينه الفرس والروم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع بإحسان ما هطلت الغيوم، وسلم تسليمًا. إخواني، لقد حذرنا الله تعالى في كتابه من النار، وأخبرنا عن أنواع عذابها بما تتفطر منه الأكباد وتتفجر منه القلوب، حذرنا منها وأخبرنا عن أنواع عذابها رحمةً بنا لنزداد حذرًا وخوفًا، فاسمعوا ما جاء بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من أنواع عذابها لعلكم تذكرون، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، وقال تعالى مخاطبًا إبليس: ﴿إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسَعِيرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلَيِ الْحَمِيمِ﴾، وقال تعالى في تلك الشجرة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. والآيات في وصف النار وأنواع عذابها الأليم الدائم كثيرة، ذكر الشيخ -رحمه الله- هنا في وصف النار وما فيها وأهلها -أعاذ عالمنا الله وإياكم والسامعين منها- هذه الآيات الكثيرة، ونرى فيها من أنواع صفة النار -أعاذنا الله منها- وكذلك صفة أهلها. فهذه النار أعدها الله سبحانه وتعالى بعدله لمن خرج عن دينه القويم وصراطه المستقيم من الكافرين والمشركين والمنافقين، وهكذا أيضًا أنواع العصاة من الظالمين والمجرمين. وكما نرى أن في هذه الصفات أنواع العذاب، وكل عذاب بحسب عمل العاملين، ولذلك فهي دركات كما أن الجنة درجات، وهي صنوف كما أن الجنة أصناف، فكذلك عدل الله سبحانه وتعالى. وهذا يدلنا على أن هذه الحياة مهما طالت فلها نهاية، هذه النهاية هي بمقتضى فضل الله وعدله ما يكون من أحوال الناس في هذه الدنيا، فأنت إن أحسنت أحسنت لنفسك، وإن أسأت فعليها، ولذلك الله عز وجل يخوف عباده بهذه النار رحمة بهم أن يتوبوا ويرجعوا وينكفوا -ما داموا في دار الإمكان-. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم السامعين. قال -رحمه الله-: أما الأحاديث، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» رواه مسلم. ووصف النار هو تقريبي، وإلا كما مر معنا ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء، والله عز وجل على كل شيء قدير، فنار الآخرة تختلف عن نار الدنيا، فأمرها أعظم، وكذلك شأنها يختلف، ولذلك قد يستغرب بعض الناس بعض صفاتها، ولكن من عرف عظمة الله سبحانه وتعالى لا يستغرب، ويعرف أن الله العظيم على كل شيء قدير، فهذه النار على عظمها الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل لها حملة، حملة يجرونها وزمام تجر بها، وهو على كل شيء قدير. قالوا في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم»، قالوا: يا رسول الله، إنها لكافية، قال: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلها مثل حرها». والمعنى أنها أشد وأعظم، ولهذا قال الصحابة: نار الدنيا كافية، نار الدنيا تذيب الحديد، ومع ذلك فنار الآخرة فضلت عليها بسبعين جزءًا -أعاذنا الله وإياكم السامعين منها-. قالوا عنه -رضي الله عنه-: قال: «كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فسمعنا وجبة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفًا -يعني سبعين سنة- فالآن حين انتهى إلى قعرها» رواه مسلم. والمعنى أن قعر جهنم بعيد جدًا، فهي دركات، فهي دركات عميقة، وبعدها سبعون خريفًا، أي بعد مسيرة هوي الحجر سبعين خريفًا، أي سبعين سنة، وهذا شيء عظيم. قال عتبة بن غزوان -رضي الله عنه- وهو يخطب: «لقد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي بها سبعين عامًا ما يدرك لها قعرًا، والله لتملأن جهنم» -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وإياكم منها-. رواه مسلم، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم» رواه النسائي والترمذي وابن ماجة، وهو كذلك صحيح، وشار إلى تصحيح الحاكم وغيره. والمعنى أن هذه قطرة، فكيف بكل ما في النار من أنواع العذاب؟! قال: وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» رواه مسلم، وللبخاري نحوه. فإذا كان هذا أخف العذاب -والعياذ بالله- وهو من يغلى من قدميه فيغلي رأسه كالمرجل، دماغه يغلي كما يغلي المرجل -يعني الوعاء الذي يغلى به- مثل ما نسميه اليوم البراد ونحوه الذي يغلي الشاي ونحوه، وهذا هو أهون أهل النار -والعياذ بالله- فكيف بغيره؟! قالوا: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك من شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما رأيت بؤسًا ولا مر بي من شدة قط» رواه مسلم. يعني أن أهل النار ينسون كل نعيم مر بهم في الدنيا، وأهل الجنة ينسون كل بؤس مر بهم في الدنيا، وهذا رادع لكل عاقل -فضلًا من وفقه الله لهذا الدين العظيم- أن يصبر نفسه في البعد عن الشهوات والملذات التي تورد إلى نار جهنم، فالدنيا قصيرة وهي دار ممر لا دار مستقر، وأن يصبر كذلك على ما يبتلى به من أقدار الله -شدة في العيش، فقر ومعاناة في الحياة- فيصبر على ذلك، وكل هذا سينسى ويزول إذا أدخله الله سبحانه وتعالى فضله ورحمته وجنته -بغمسة واحدة-، فكيف إذا جعلك يا عبد الله من أهلها؟! وهكذا أيضًا هذه الشهوات والملذات المحرمة ستنساها وسرعان ما تزول وتزال عنها، وعند ذلك تدخل في نار فيها من العذاب ما الله به عليم، غمسة واحدة تنسيك هذه الملذات، فكيف بأن تكون من أهلها -والعياذ بالله-؟! قالوا عنه -رضي الله عنه-: «فهذه زواجر تصبر المسلم والمؤمن على أن يحفظ دينه وأن لا يتجاسر على حدود الله وحرمات الله». قالوا عنه -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، قال: فيقول: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك بظهر آدم ألا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك بي» رواه أحمد، ورواه البخاري ومسلم بنحوه. والمعنى: طلب من الإنسان شيء يسير يوم القيامة إذا أدخل أهل النار، يتمنى من في النار أن يفتدي بكل ما في الأرض لو يستطيع؛ لأجل أن ينجو بنفسه من عذاب جهنم -والعياذ بالله- ولكنه ليس بفاعل، ولن يؤذن له، وقد طلب في الدنيا ما هو أهون من ذلك، استقم على دين الله بإقامة توحيده وطاعته وعدم الشرك به وعدم معصيته، فإن فعلت ذلك نجوت بنفسك من نار جهنم. وروا ابن مردويه عن «يعلى بن منية» -وهو ابن أمية ومنية أمه- قال: «ينشئ الله لأهل النار سحابة، فإذا أشرفت عليهم ناداهم: يا أهل النار، أي شيء تطلبون؟ وما الذي تسألون؟ فيذكرون بها سحائب الدنيا والماء الذي كان ينزل عليهم، فيقولون: نسأل يا رب الشراب، فيمطرهم أغلالًا تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلهب النار ويلهب النار عليهم». وعن أبي موسى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر، ومن مات مدمن خمر سقاه الله من نهر الغوطة»، قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: «نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن» رواه أحمد. وهذا الحديث الذي قبله ضعيف لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعض معناه ثابت في أدلة الكتاب والسنة، فأهل النار أصناف، منهم مدمن الخمر، وقاطع الرحم، والمصدق بالسحر، ولكن أن يكون هذا العذاب الخاص لهم، هذا لم يثبت، وإلا لا شك أن لهم أصنافًا من العذاب بما يستحقون. وهكذا أيضًا الذي قبله، فذكر الأغلال والسلاسل في كتاب الله، وفي حديث كثيرة صحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا أيضًا إمطارهم بالنار معناه ثابت، ولكن بهذا الوصف وبهذه الصيغة لم يصح ولم يثبت. قال: وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن على الله عهدًا لمن شرب المسكرات ليسقيه من طينة الخبال»، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار وعصارة أهل النار». وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يقال لليهود والنصارى: ما تبغون؟ فيقولون: عطشنا ربنا، فأسقنا، فيشار إليهم: ألا تريدون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنهم سراب، يحطم بعضهم بعضًا، فيتساقطون في النار»، قال الحسن: «ما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى انقطعت عناقهم عطشًا، واحترقت أجوافهم جوعًا، ثم انصرف بهم إلى النار، فيسقون من عين آنية قد آن حرها واشتد نضجها». والمعنى أنهم يسقون حين يكونون في أشد الجوع والعطش بما يزيدهم العذاب -والعياذ بالله- من تلك النار وسقيها. قال ابن الجوزي: «وكل هذا بشيء يعلمه الله ويقدره الله، وهو على كل شيء قدير، نار الدنيا القليل منها يكفي في إماتة الإنسان، ولكن نار الآخرة ليس فيها موت، ويبقى العذاب ويستمر، ولهذا يعذبون ويعذبون، وكلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب -كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى-، فشأن الآخرة يختلف عن أمر الدنيا، فليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء، فالنار غير النار، والأجساد غير الأجساد، والجلود غير الجلود، والله عز وجل قادر على أن يجعلها كذلك، ولذلك فإن العذاب وأنواعه وما يكون فيه مختلف عن أمر الدنيا تمامًا -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا وإياكم السامعين-». قال ابن الجوزي -رحمه الله- في وصف النار: دار قد خص أهلها بالبعاد، وحرموا لذة المنى والإسعاد، بدلت وضاءت وجوههم بالسواد، وضربوا بمقامع أقوى من الأطواد، عليها ملائكة غلاظ شداد، لو رأيتهم في الحميم سرحون، وعلى الزمهرير يطرحون، فحزنهم دائم فما يفرحون، مقامهم محتوم فما يبرحون أبد الآباد، عليهم ملائكة غلاظ شداد، يبكون على تضييع أوقات الشباب، وكلما جاد البكاء زاد عليهم ملائكة غلاظ شداد. يا حسرتهم لغضب الخالق، يا محنتهم لعظم البوائق، يا فضيحتهم بين الخلائق على رؤوس الأشهاد، أين كسبهم للحطام؟ أين سعيهم في الآثام؟ كأنه كان أضغاث أحلام، ثم أحرقت تلك الأجسام، وكلما أحرقت تعاد. اللهم نجنا من النار، واعذنا من دار الخزي والبوار، وأسكنا برحمتك دار المتقين الأبرار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم آمين.