مجالس رمضانية لعام 1429هـ 1

الدرس في مجالس رمضانية لعام 1429هـ 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فتاوى متنوعة في أحكام العبادات

يتناول المقطع الأول إجابة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي على أسئلة متنوعة تتعلق بأحكام الصلاة والزكاة والعمرة. يجيب الشيخ على أسئلة حول إدراك تكبيرة الإحرام وإزالة الأوراق المؤذية من المساجد.

حكم التوسعة في المسعى الجديد

يناقش المقطع الثاني حكم السعي في المسعى الجديد الذي تم توسيعه لاستيعاب زيادة الزائرين والحجاج. يُبين أن التوسعة جائزة بسبب شدة الزحام مستندة إلى عمومات الأدلة والقياس الصحيح.

التحذير من العمليات الانتحارية والتكفير

يحذر المقطعان الثالث والرابع من العمليات الانتحارية وحرمتها، ويشددان على أهمية الرجوع إلى العلماء الراسخين في مثل هذه الأمور الحساسة. كما يحذران من فكر التكفيريين ودعم الكفار لهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فكما تعودنا في سنين ماضية أن نقعد يسيرًا بعد الجمعة، نتدارس فيه بعض ما نحتاج إليه، بما يُعرض من أسئلة إخواننا، وهو من طلب العلم والتفقه في الدين الذي لا يستغني عنه المسلم. وأحرص على البدء بالأسئلة الخاصة التي تتعلق بأحكام هذا الشهر. يقول السائل: يحدث عمل يسير بين الأذان والإقامة، لمع العلم أنه لا تفوتن تكبيرة الإحرام للصلاة الفريضة، فما الحكم؟ الجواب: احرص على أن تدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، بل إن بعض أهل العلم جعل هذا من الواجب الذي يجب أن يحرص عليه من تجب عليه الجماعة. فإن أول الجماعة أول واجب هو تكبيرة الإحرام، فمن فرط فيها كان آثمًا، بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في الصحيح في حديث أبي هريرة: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أذهب إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم». قال بعض أهل العلم: في هذا دليل على أن إدراك تكبيرة الإحرام في صلاة الجماعة من الواجبات. إذا كان كذلك، فاحرص على أن يكون خروجك من بيتك قبل تكبيرة الإحرام حتى تدركها مع الإمام، وتنال بذلك امتثال أمر ربك «وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ»، وامتثال أمر نبيك عليه الصلاة والسلام في صلاة الجماعة، والفضل الكثير الذي فيها. يقول: نرى في بعض المساجد أوراقًا وأكياسًا تؤذي المصلين، هل نميطها من المسجد أم يكون هذا تكثيرًا لسوادهم؟ الجواب: إن كانت هذه الأوراق والأكياس مما فيها أذية، فتماط بما لا يكون فيه أذية أكبر منها. كما قلت: تؤذي المصلين، إذا كانت تؤذي فأمطها. لكن إذا كان إزالتها أو إبعادها وإخراجها يسبب مفسدة أكبر، فلا تفعل. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بأن لا يؤدي إلى منكر أكبر مما حرصت على إزالته. يقول: في شهر رمضان تقام بعض الدروس لبعض المتحزبين بين الأذان والإقامة، فلا أدخل المسجد وصل للسنة الراتبة، أقرأ القرآن أثناء دروسهم لكي لا يحرم الأجر، أو ماذا أفعل؟ الجواب: نعم، تذهب إذا كان ليس هناك مسجد إلا هذا، فلا تحرم نفسك من الأجر والخير والفضل. فأدخل إلى بيوت الله، واحرص على الاجتهاد في أنواع الطاعات والقربات التي تقربك من ربك سبحانه وتعالى، خصوصًا في هذا الشهر. يقول: رجل أعطى والدته ذهبًا، ثم بعد أن ماتت ادعى أن والدته قد وهبته له، ولكنه لم يأخذه. وقبل تقسيم التركة طالب بهذا الذهب، فهل يعطى له أم يكون للورثة جميعًا؟ الجواب: إذا كان هذا القريب مؤتمن، فيوكل إلى ما قال، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى. وإن كان محل تهمة، فيطلب منه بينة، وإلا فالمال بعد موت الميت هو للورثة. المال بعد موت الميت للورثة، فإن عفى الورثة وأذنوا أخذ، وإن لم يأذنوا لم يجز له أن يأخذ إلا ببينة. والله أعلم. وهذا سائل يقول: إذا مات عزيز عليك، هل يجوز أن تترحم عليه عند تذكره؟ الجواب: نعم، بل هذا من حقوق المسلمين مع بعضهم البعض، ومع الأقارب وذوي الفضل على وجه الخصوص. فإن المسلم قمر بأن يدعو لمن سبقه من أهل الإسلام، فكيف بقريب وحبيب بينك وبينه من المحبة والأخوة والقرابة ما تستدعي تأكيد ذلك؟ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مسلم يدعو للمؤمنين والمؤمنات إلا كتب له بأجرهم». فإذا كان هذا في دعوة عامة، فكيف في دعوة خاصة؟ يقول: لقد سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «وفرق بينهم في المضاجع». السؤال: رجل مستأجر شقة تحتوي على غرفة وحمام ومطبخ، ومن المعلوم أنه يسكن هو وأمه فقط، وليس بمتزوج، فهل يجوز له أن ينام في هذه الغرفة وليس معه إلا هذه الغرفة؟ الجواب: نعم، إذا كان كذلك فنعم. ومع التنبيه أن المقصود بالتفريق بين المضاجع هو فيما هو مضنة التهمة أو مضنة الشر. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يفرق بين مضاجع الأطفال إذا بلغوا سن عشر سنوات، لأنها بداية سن التمييز الذي ربما ينزغ الشيطان فيه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين المضاجع، فالذكور لحالهم، والإناث لحالهم، والذكور فيما بينهم يفرق بينهم، ولا يتساهل في هذا الباب. فإن الشيطان حريص على إفساد الإنسان. يقول: تأخذ الدولة مبلغًا من المال على أنه زكاة الفطر من كل موظف مع عائلته، فهل يجوز تقليل عدد أفراد الأسرة حتى لا يأخذ علينا مالًا أكثر؟ فهل يجوز ذلك؟ ماذا نفعل؟ الجواب: إن كنت تعلم أن من يأخذ المال يضعه في موضعه، فأعطهم الزكاة كاملة. فإن جباية الزكاة من حقوق ولاة الأمور، وهذا هو الواجب أن تؤد الزكاة إليهم. فإن كان فيما علمت واستيقنت أنها لا توضع في موضعها، فخفف الشر بما لا يكون فيه مفسدة وشر أكبر منه، سواء بما قلت وذكرت أو بغيره. فالمهم تحرص على أن تفتصل الزكاة إلى من يستحق. فإن كنت لا تعلم، فأدها إليهم، وأمرهم إلى الله سبحانه وتعالى. وهل تجزئ؟ الجواب: نعم تجزئ. نعم تجزئ. وإن كان شيء، فالإثم عليهم. يقول السائل: ما حكم العمرة لأهل مكة في ظل وجود المسعى الجديد؟ أظن أن تخصيص أهل مكة سبق قلم، وإلا الظاهر من السؤال يقصد العمرة في المسعى الجديد، لأنه لعله بلغه خلاف أهل العلم في أمر المسعى الجديد. وأما أهل مكة، فهم في الحقيقة ليس لهم عمرة. وقد صح عن ابن عباس أنه كان ينصح ويحث أهل مكة على الاكثار من الطواف، ومن أبى منهم إلا أن يعتمر، فليخرج إلى أدنى الحل، يعني يخرج إلى الحل ولا يعتمر، ويأتي بعمرة من داخل الحرم. لأن العمرة هي الزيارة، وأهل مكة هم أهل الحرم، فهم ليسوا شرعًا ولا كذلك عرفًا ولا لغة بزائرين، يعني زائرين لمكة، لأنهم من أهل مكة. لكن قد يكونون ممن يزور البيت بين الحين والآخر، وزيارة البيت تجزئه الطواف. فلهذا حتى ابن عباس حث أهل مكة على الاكثار من الطواف، وأنه يغنيهم عن العمرة. ومن أبى منهم إلا أن يأتي بعمرة، فلا يأتي بها من داخل الحرم، بل يخرج إلى أدنى الحل، مثل عرفات أو التنعيم أو غيرها من مواضع الحل حوالي الحرم. وأما حكم السعي في المسعى الجديد، فالصحيح من أقوال أهل العلم، وهو الذي تدل عليه عمومات الأدلة والقياس الصحيح، وهكذا كذلك واقع الحل، وما يقتضيه هو جواز السعي فيه، بل ربما نقول وجوب التزام ما حدد من السعي، يعني لا نخرج عما حدد. المقصود من ذلك أن المسعى كما تعلمون هو على مساحته المعلومة ووضعه المعلوم في السنين الماضية، فاحتاج الحرم مع زيادة الزائرين وكثرة كذلك الحجاج والمعتمرين أن يوسع من جهات الحرم عمومًا، وجهات المسعى على وجه الخصوص، لازدحام الناس فيه. فاضطرت الحكومة في تلك البلاد المباركة وفقها الله لتوسعة المسعى. فهنا وقع الخلاف بين أهل العلم في حكم سعي الساعين في ذلك المسعى الجديد. فإن بعض أهل العلم يرى أن هذا أمر توقيفي تعبدي، لا يجوز تعديه إلا بدليل. فنظر إلى ذلك بحسب ما بلغه من أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سعوا في ذاك الموضع. وهكذا كذلك ما نقل من بعض كلام أهل العلم أن المسعى طوله كذا وكذا، وعرضه كذا وكذا. فأجاب من أجاز من أهل العلم على هذا المعنى بأجوبة: الجواب الأول: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم أنهم حجوا وهم قرابة مئة ألف أو أكثر، ولم يرد في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في شيء صحيح من آثار الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يحدون للمسعى المسعى حدًا من عرضه. مع ضرورة التنبيه إليه، إن كان السعي يبطل لمن خرج عن هذا الحد. تعرفون المسعى القديم ليس بالعريض الذي ممكن أن يستوعب مئة ألف بأكملهم. فلو كان هناك حد شرعي لبينه النبي عليه الصلاة والسلام، كما بيّن الحدود المكانية في الإحرام، والحدود المكانية في كذلك النزول في منى، والنزول في مزدلفة، والنزول في عرفة، ونحو ذلك من الحدود المكانية التي يحتاجها الحاج والمعتمر. فلما لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، دل على أن الأمر متروك مسكوت عنه، فهو عفو. صحيح أن الأفضل والأكمل الحرص على السعي في نفس المكان الذي ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى فيه. لكن إذا احتاج الأمر لكثرة الناس وازدحامهم إلى أن يسعوا في مكان أوسع من المكان الذي هم فيه، فلا شك أن هذا ليس هناك فيه دليل صحيح صريح يمنع من ذلك. والأمر الثاني: أنه نقل عن بعض أهل التاريخ والسير، وهكذا كذلك أهل الخبرة والمعرفة من أهل مكة قديمًا وحديثًا، ومدّوا بعض ذلك في كتب قديمة، أن حد عرض المسعى إلى جبل أبي قبيس. وجبل أبي قبيس هو هذا الجبل الذي تقوم عليه القصور من يمين المسعى. فإذا كان كذلك، فهو أكثر من سبعة أذرع، بل هو يبلغ أذرعًا كثيرة. ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حد حدًا. فإذا قد ذكر مثل ذلك، ولم يحد بحد شرعي، فلا معارض. فإن قيل: نقل بعض أهل التاريخ أن حد المسعى من عرضه سبعة أذرع. فيقال: هذا القول قد عورض بغيره، قد عورض بغيره مما يدل على أن المسعى أوسع من ذلك. وأمر ثالث يقال: قد أجاز العلماء التوسع في الطواف لشدة الزحام، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قارب وهو دني من البيت. ومع ذلك فالناس اليوم مع شدة الزحام يطوفون من حول البيت في الأدوار الثلاثة، وما هو أبعد من مطاف النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، باتفاق أهل العلم. فما هو الذي أجاز لهم التوسع في الطواف، ولم يجز لهم التوسع في السعي؟ فما كان جوابًا عن جواز التوسع في الطواف، فهو كذلك جواب عن جواز التوسع في السعي. وأمر رابع يقال: فيجاب: أجاز كثير من العلماء، ومنهم بعض هؤلاء العلماء الذين خالفوا في هذه المسألة حفظهم الله ورعاهم، أجازوا للحاج أن يخرج عن حدود منى لشدة الزحام إذا تواصلت الصفوف. وذكروا القاعدة الفقهية المشهورة: «يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا». فأجازوا للحاج أن يجلس أيام منى في مزدلفة إذا تواصلت الخيام. مع أن النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة قد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في إلزام الحاج أن يلتزم بقعوده في منى أيام منى. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص إلا لذوي الحاجات والضرورات. قال العلماء: والرخصة تدل على الوجوب. فإن الاستثناء معيار العموم. فترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لذوي الحاجات والضرورات، كالرعاة والسقاة ومن كان بمعنى هؤلاء، يدل على أن غيرهم يجب عليه من يبقوا ويبيتوا ليالي منى في منى. ومع ذلك أجاز العلماء لشدة الزحام السكون في مزدلفة. وقد ورد النص الصريح المؤكد بلزوم منى وعدم تعديه. فما هو الجواب عن هذا التجويز؟ الجواب: أنه الضيق وشدة الزحام، ما أننا لو تأملنا ربما نجد في بعض جبال منى فسحة. ومع ذلك لم يأمر العلماء بطلوع الجبال لأجل أن لا يخرج من منى وينتقل إلى مزدلفة. لأن الضرورات تبيح المحظورات، والمشقة تجلب التيسير. فإذا كان مثل هذا رخص في مثل هذا الموضع، فالزحام الواقع في المسعى أشد مما يقع في منى. فإن الموت محقق في أيام الزحام في المسعى، ما لا يكون مثله ولا قريب منه مما يكون من زحام في أيام منى. فأي الأمرين أولى بالترخيص؟ لا شك أن القياس الصحيح، والنظر، وهكذا كذلك عمومات الأدلة تدل على الترخيص في المسعى. وأمر أخير، وهذه إجابة مجملة، وإلا لعدد من العلماء بحوث وكتابات في هذا الباب يرجع إليها، وهي موجودة في الشبكة، وهكذا عند بعض طلبة العلم. فالشاهد أن هذه إجابة مجملة لأجل أن لا يبقى في نفس أحد حرج في أمر العمرة، وكذلك السعي في هذا المسعى. لأن بعض الناس ربما قال: لا عمرة هذا العام، ولا حج هذا العام، لماذا؟ قالوا: لأنه قد وسع في المسعى، وصار يلزم الساعي أن يسعى في ذهابه وإيابه من أحد هذين المكانين. فأقول: كذلك ومن الجواب في هذه المسألة أنه كذلك صح عن عدد من أهل العلم الترخيص بزيادة المسعى عرضًا إذا اشتد الزحام. وهذا من جهة النظر والواقع والمعقول أولى من التوسعة في جهة العلو. فإنه لو اشتد الزحام بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، بالله عليكم أين كان سيسعى الناس؟ هل كان بإمكانهم أن يبنوا عشرة أدوار، يعني بعضها فوق بعض؟ أفقية لم يكن هذا بإمكانهم، ولا دور واحد. بل إذا اشتد الزحام أقصى ما يمكن ماذا؟ أن يتوسعوا في العرض. فلم يكن هناك جدار يحجز من سعي الساعي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. بل كان المسعى عبارة عن وادي، كان المسعى واديًا مفتوحًا. ويذكر من أتى مكة في 1410 وما قبلها أن المسعى كان مفتوحًا على مواقف سيارات، وسوق بجانب المسعى. فأمر التضييق بالجدر وغير ذلك لا يعني حصر مكان المسعى. فالجدار لا يحصر مساحة المسعى. هذا هو خلاصة ما يذكر في هذا الجواب. والله تعالى أعلم. يقول: ما قولكم فيمن يفتي بجواز قتل النصارى الذين يفسدون في بلاد المسلمين، ويقول: نسأل الله أن يهيئ لهم من يغتالهم؟ هذه فتوى خارجية، ليست بفتوى من فتاوى أهل السنة، ولا من عرف الإسلام بحق. فأهل الإسلام علم من الأدلة الشرعية أنه يجب أن تحفظ الحقوق، ومن هذه الحقوق أن دماء بعض الكفار محفوظة في ظل نظام الإسلام الذي هو من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هؤلاء الكفار الذمي والمعاهد والمستأمن. فإذا أفسد هذا الذمي أو المعاهد أو المستأمن، ففي ظل وجود الولاية المسلمة والحاكم المسلم، فينبغي أن يحال الأمر إليه. فيقال له: هذا الذمي والكافر، أو هذا المعاهد، أو هذا المستأمن الذي دخل إلى بلاد الإسلام أفسد في بلاد الإسلام، فينبغي للدولة المسلمة أن تقوم بما يجب عليها مع هؤلاء المسلمين. إن كان القتل فالقتل، وإن كان غير القتل فغير القتل. ولكن ليس هذا لعامة الناس، وإنما هو لولاة أمر المسلمين. وقد نص العلماء في كتب العقائد الصغار والكبار أن إقامة الحدود هي من خصائص أعمال ولاة الأمور، وليس هو لمن هب ودب. ولو جاز ذلك، وفعل الناس ذلك، ضاع الأمن في البلاد، وكان هذا مدعاة لإجتهاد الحمقى والمغفلين. فصارت بذلك دماء الناس هدرًا، وحصل شر كبير بسبب هذا. ولكن من حكمة الله وعظيم إنعامه على خلقه أن أنزل لهم أحكامًا في شريعته تحقن بها الدماء، وتحفظ بها الحقوق، وتوضع الأحكام في مواضعها التي تقام بها أمر الدنيا والدين. فإذا كان كذلك، فلا يجوز لأحد أن يفتي بمثل هذه الفتوى. بل هذه فتوى من جاهل أو مستعجل أو رجل خارج عن طريق أهل السنة والجماعة، جاهل بحقيقة الإسلام الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام. يقول: هل من نصيحة للمتحمسين للعمليات الانتحارية؟ الجواب: هذه العمليات كما سماها صاحبها هي انتحارية. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من قتل النفس، وبيّن أن من قتل نفسه بشيء فلا يزال يقتل نفسه يوم القيامة به، ويعذب به. من قتل نفسه بسم فهو لا يزال يتحسس السم، ومن قتل نفسه بحديدة فلا يزال يقتل نفسه بحديدة، يعذب به يوم القيامة. ومن قتل نفسه بعبوة متفجرة لا يزال يعذبه ربه سبحانه وتعالى بتلك العبوة المتفجرة، يفجر نفسه ويعذبها كما قتل نفسه في الدنيا بغير حق. وهذا لا يجوز، مع ما في هذا الفعل من المفاسد العظيمة للخاصة والعامة. قد يقول قائل: هؤلاء أرادوا قتل الكفار أو أرادوا كذلك الإصلاح. فيقال: وهل كل ما اشتهاه الإنسان وظن أنه أراده بنية حسنة دل ذلك على أنه عمل حسن؟ الجواب: لا. بل ينبغي أن تعرض الأعمال على الكتاب والسنة، وعلى فهم سلف الأمة، وعلى وفق ما يفتي العلماء الراسخون في العلم. لست أهلًا يا أخي المسلم، ويا أيها الشاب المليء بالعاطفة التي ربما هي عاطفة فارغة عن العلم. لست أهلًا يا أيها الشاب أن تفتي نفسك في مسائل في الطهارة، وفي مسائل في الصيام، وفي مسائل في الطلاق، وغيرها من أحكام الشرع. فأنت تعرف قدر نفسك، وتضطر أن تسأل أهل العلم الراسخين. تسألهم عن الطهارة ودخول الخلاء، تسألهم عن أحكام في الصلاة إذا وقع لك سهو أو وقع خطأ، تسألهم عن أحكام الطلاق، معترفًا بأنك جاهل ومقصر، ولست أهلًا في هذا الباب. فكيف يجوز لك أن تفتي نفسك في دماء، وفي شيء يتعلق بالأمن، وأمور عظيمة مثل هذه؟ وتهمش هؤلاء العلماء الراسخين في العلم، وتترك ما يفتون به من تحريم هذه الأفعال، وأنها أفعال الخوارج، وأنها أفعال محرمة غير جائزة، وأن فيها من المفاسد للعامة والخاصة الشيء الكثير. فينبغي عليك أن تتعقل، وأن تعلم أن من يغذيك بهذه الفتاوى فهو من المفسدين، وممن يريد لك الشر. وإلا فلماذا هذا المفتي الذي يفتي بهذه الفتوى لا يتقرب إلى ربه بفعل هذا لنفسه؟ اسأله: بدلًا من أن تفتي هؤلاء الشباب، لماذا لا تفعل أنت هذا؟ سبحان الله، كيف يرضون لأبناء المسلمين بهذا الشر، مع أنه والله لا يجوز لا له ولا لغيره. لكن لأجل أن تعلموا أنه يوجد في صفوف المسلمين من هؤلاء الذين يستغلون عواطف هؤلاء الشباب فيما يدفعونهم إلى الفساد والإفساد. ثم بعد ذلك يقال: هذه الأعمال في الحقيقة مفاسدها أعظم من مصالحها، وهي محرمة. ومع ذلك فيها مفاسد أكثر وأكثر، يزداد بذلك حرمتها. كم من المسلمين الذين قتلوا؟ وكم من الأموال التي كذلك أضيعت بسبب هذه الأفعال؟ هل هذا شيء يرضى عنه الشرع؟ النبي عليه الصلاة والسلام حذر من القتل عمومًا، والنفس، ونفس المسلم على وجه الخصوص. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المرأة لا يزال في فسحة من دينه ما لم يسفك دمًا حرامًا. هذا الدم الحرام، ولو كان دم كافر، حتى ولو كان كافرًا لا يجوز لك أن تقتله، وهو حرام الدم. وممن هو حرام الدم من الكفار: الذمي الذي يدفع الجزية للمسلمين، ومن هؤلاء المعاهد الذي بينه وبين المسلمين عهد، كحال أكثر الكفار في الدنيا اليوم. فإن بين المسلمين وبين الكفار في هذا الزمان عهود، ينبغي أن لا تنقض، وأن لا كذلك تسقط، ما دام الكفار يقومون بمقتضاها، والمسلمون يقومون بمقتضاها. فيجب الوفاء بالعهود. وهذه من أخلاق أهل الإسلام، ومن عقيدة أهل الإسلام. وهكذا كذلك المستأمن، ولو كان حربيًا، إذا دخل إلى بلاد الإسلام بأمان، ولو بأمان رجل واحد مسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة وهي امرأة من المسلمين: «لقد أجرنا من أجرتي يا أمهان». يعني حفظنا دم الرجل الذي أدخل فيه بأمان. انظر حفظ الإسلام أمان رجل كافر حربي قاتل المسلمين، وقتل من المسلمين من قتل، لأنه دخل بأمان امرأة مسلمة إلى بلاد الإسلام. فكيف بمن يدخل بإذن ولاة أمور المسلمين، وبأمانهم؟ هذا أشد وأولى بالحفظ. فينبغي أن ننتبه لهذا، فليس كل كافر حلال الدم. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن هذه الأفعال في الحقيقة ربما يهيج إليها بعض الكفار، صار بعض الكفار يمد بعض هؤلاء الخوارج أهل دعوة التكفير بأنواع المادي والمعنوي، الحسي وغير الحسي، لإثارة مثل هذا الشغب والفوضى، ومثل هذه الأفعال. والمقصود من ذلك إيجاد الذرائع للتسلط على المسلمين. فيقال: انظروا أنتم ما تستطيعون تحفظون الأمن، إذن يتدخل الكفار، ثم تكون الضربات المتوالية بأفعال هؤلاء المتهورين الذين يهيجون. ولا أدل على مثل هذا المعنى ما نراه من حفظ هذه الدول الكافرة لزعماء هذه الدعوات، دعوات التكفير. انظروا أين رؤوس هؤلاء التكفيريين؟ هم في بريطانيا، هم في بريطانيا. إذا كانت هذه الدول حقيقة هي تريد الانتقام من هؤلاء، فدعاة رؤوس التكفير في بريطانيا. بل لا يخفى عليكم ما جرى في المحاكمات الأخيرة لبعض رؤوس هؤلاء التكفيريين في تلك البلاد. وكان قد ألقي القبض عليه لقيامه ببعض الأعمال في بلاد المسلمين. انظر الإفساد في بلاد المسلمين، ثم يحتمي ببلاد الكفار. فلما حكم عليه بأن يسلم إلى تلك البلاد المسلمة التي أفسد فيها هذا التكفيري، وهذا المفسد الذي قتل أو كان متسببًا في قتل عدد من المسلمين وغير المسلمين في بلاد الإسلام. لما قضت المحكمة بتسليمه، رفعت قضية بأنه لو سلم ربما قتل. فإذا كان كذلك، إذن قررت دولة بريطانيا أن تحفظ هذا التكفير حتى لا يقتل، ويحفظ في بريطانيا. هل هذا من يفعلونه لخدمة الإسلام والمسلمين؟ أو يفعلونه لأجل أن يجعل هؤلاء ذرائع يدخلون بها الشغب والإفساد على بلاد المسلمين؟ كل عاقل يعلم ما هو المقصود من مثل هذه الأفعال. فلنحذر، ولنعلم أن هذه الطرق، وهذا الفكر فكر منحرف، وطرق غير صحيحة. وأنه يجب على المسلمين عامة، والشباب خاصة، أن يرجع إلى العلماء الراسخين في العلم، ويتفقه في أحكام دينهم عمومًا، وفي هذه المسائل الشرعية على وجه الخصوص. أكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.