الدرس في كتاب الطهارة 25، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم التقاء الختانين وموضع الختان، ويبين موجبات الغسل في الإسلام. يُوضح أن الغسل يجب عند تغييب الحشفة.
يتناول المقطع موجبات الغسل، وهي التقاء الختانين، الإيلاج مع الإنزال، الحيض والنفاس، والاحتلام مع وجود بلل، مع الاستدلال بالأحاديث والآيات.
يشرح موجبات الغسل الأخرى مثل الاحتلام مع البلل، وموت المسلم، وإسلام الكافر، مع الإشارة إلى استثناءات مثل الشهيد والمحروق.
يذكر أن القصتين تثبتان الحكم الشرعي لموجبات الغسل، ويعدد سبعة أشياء كأسباب للغسل مستنداً إلى كتاب فقهي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: وبالتقاء الختانين كذلك من موجبات الغسل التقاء الختانين، والختانان هما موضع ختن الذكر والأنثى. وموضع ختان الذكر معلوم، وموضع ختان المرأة فموضع ختان الذكر هو الحشفة الزائدة التي تقطع الجلدة التي تكون أسفل الحشفة، فتظهر الحشفة. وختان المرأة كذلك ما يكون من جلدة زائدة تقص. وهكذا يؤخذ إذا زاد شيء من البظر، إذا زاد شيء من البظر، وهو شيء ناتئ يكون في طرف فرج المرأة من أعلى يختن. وعلى هذا فلا إشكال فيما ذكره بعض أهل العلم من أن ختان رجل والمرأة لا يمكن أن يلتقيان، وهذا ليس بصحيح؛ فإنه يلتقي؛ لأن المقصود هو مكان الختن ولو لم يختن؛ لأن بعض النساء ربما ما تحتاج إلى ختن أو ربما ما اختتنت. فإن المراد هو الالتقاء. وبهذا نعلم أن موضع الختان عند المرأة في موضعين، ليس في موضع واحد، في موضعين: موضع الذي هو البظر، وهذا في الغالب يحصر فيه الالتقاء، ويكون الالتقاء الشرعي المراد الذي يوجب الغسل. كما قال العلماء: هو تغييب الحشفة، أي الجلدة الزائدة. بهذا يجب الغسل، فإذا لم تغب فإنه لا يجب الغسل. والمراد من ذكر هذه التفاصيل معرفة الحكم الشرعي. ولأجل هذا ذكر العلماء ذلك. فعندنا الآن في هذا ثلاثة مسائل: المسألة الأولى: ما هو الحد الذي يوجب الغسل في الالتقاء؟ قلنا: الحد الذي يوجب الغسل في الالتقاء هو تغييب الحشفة، هو تغييب الحشفة، ولو لم يحصل إيلاج كامل. والمسألة الثانية: هل من شرطي الالتقاء حصول المراد بالالتقاء الختانين وجود الختان؟ الجواب: لا، ليس من شرطه وجود الختان، ولكن المقصود موضع الختان. وعلمنا أن موضع الختان عند المرأة موضعين. والمسألة الثالثة: هو أن هذا الحديث أفاد مشروعية ختان المرأة، وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم. فقد جاءت أحاديث صريحة منها قول النبي عليه الصلاة والسلام، ونهيه «أن لا تنهك». وإن كان هذا الحديث بعض أهل العلم ضعفه، لكن يغني عن هذا الحديث الحديثان الصحيحان: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». فإنه ذكر الختانين، وهذا يدل على وجود الختان في الذكر وفي الأنثى. فإن قال القائل: هذا من باب التغليب، كما يقول القائل: «القمران» ويريد الشمس والقمر، و«العمران» والمراد به أبو بكر وعمر. ليس هذا من باب التغليب. فالجواب: أنه لا يقال كذلك إلا في اشتراك في الصفات، فلم يقل للشمس والقمر «قمران» إلا وهن اشتركا بأكثر الصفات، ولم يقل لأبي بكر وعمر «العمران» إلا وهن اشتركا بأكثر الصفات. وهكذا لم يقل «الختانان» إلا وهن اشتركا في هذه الصفات. والأصل بقاء الحقيقة اللغوية على ظاهرها، ومن نفاها وادعى غيرها فعليه الدليل. فمن قال: مثلا المراد الشمس والقمر يوجد دليل بتسمية الشمس شمس وتسمية أبي بكر أبي بكر، لكن ما هو الدليل على أن هذا ينفي وجود الختان؟ لا دليل لذلك. وهكذا كذلك أن الصحيح في حال المرأة التفصيل، فمن النساء من تحتاج لختن ولابد؛ لأنه ربما يكون هذا الموضع الذي يحتاج إلى ختن فيه زيادة شنيعة تؤذيها، وكذلك يضرها ويهيجها، ففيه أذية وفيه ضرر وفيه تهيج. فلأجل هذا كانت هذه السنة النبوية في ختان المرأة. فلأجل هذا كله كان الصحيح من أقوال أهل العلم إثبات الختان. ودليل ذلك أشار بالشرح إلى حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي قوله: «إذا جلس بين شعبي الأربع ثم جاهدها فقد وجب الغسل». وهكذا جاء كذلك: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». فمثل هذا يدل على هذا المعنى، ألا وهو أن التقاء الختانين يوجب الغسل. وفي حديث أبي موسى عن عائشة مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا جلس بين شعبي الأربع ومثل الختان الختان فقد وجب الغسل». هذا لحديث أبي موسى بصريح مسلم. وجاء كذلك من حديث عائشة عند الترمذي: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل». فقالت: «عملت وأنا ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فغسلنا». وفي هذا دليل إثبات التقاء الختانين. والفرق بين هذا والذي قبله أنه لو حصل الالتقاء ولو لم يحصل الإنزال فإنه يجب الغسل، لو حصل الالتقاء ولم يحصل الإنزال فإنه يجب الغسل، يجب على الذكر أن يغتسل والأنثى كذلك، الرجل والمرأة. وبالإيلاج كذلك من موجبات الغسل الإيلاج إذا حصل الإنزال ولو بغير جماع، فإنه يكون كذلك الغسل. قالوا: بالحيض كذلك من موجبات الغسل الحيض. ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا طَهُرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فأفاد ذلك أن الحائض لابد أن تتطهر إذا طهرت من حيضها. فمن موجبات الغسل الحيض، فإذا وقع الحيض فطهرت، فإنها لا تصلي إلا ولا يجامعها زوجها إلا باقتسال، لابد لها من الاغتسال. وهكذا النفاس. وجاءت أحاديث كثيرة ومر معنا بعضها في أن الحائض كذلك تغتسل. ومنها جاء بحديث عائشة في الصحيحين بقصة قتيلة بنت أبي حبيش، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لها: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي». فهذا يدل على الأمر بالاغتسال إذا ذهب الحيض. فمن موجبات الغسل الحيض. وهكذا كذلك النفاس، والنفاس حكمه كحكم الحيض حكم النفاس كحكم الحيض بإجماع أهل العلم، فهو مثل الحيض في موجب الغسل. قال رحمه الله: وبالاحتلام مع وجود بلل، وبالاحتلام مع وجود بلل، وهذا موجب خامس من موجبات الغسل. وهو في الحقيقة يدخل في الموجب الأول؛ لأن الاحتلام هو خروج المني. لكن كأن المؤلف رحمه الله يرى في هذه المسألة أن الاحتلام قد يوجد أو يوجد بدون إنزال. والصحيح في هذه المسألة التفصيل: ذلك أن من احتلم واستيقظ فإنه إذا لم يجد البلل الصحيح أنه يغتسل إذا استيقظ بالاحتلام ولم يجد البلل فإنه يغتسل. وإذا شك بالاحتلام فإنه لا يغتسل حتى يرى البلل. والدليل على هذا التفصيل أولا القاعدة الشرعية العامة: اليقين لا يزول بالشك. فإنه إذا ثبت عنده الاحتلام وجب عليه الغسل. وأما عدم وجود أثر هذا الاحتلام فإنه لا مانع أن يذهب، خصوصا إذا كان في بلد حارة؛ فإن الاحتلام أو أثر الاحتلام قد يجف. فإذا جف لن يرى أثره. والناس لا يستوون في الماء الخارج، فمنهم من لمائه الخارج رائحة مميزة لا يمكن أن تضيع، ومن الناس من له ليس رائحة ضعيفة تضيع، خصوصا مع اجتماع رطوبة أخرى من عرق أو غيره، فإنه لا يستطيع أن يميز. والحال كذلك فإذا استيقن بثبوت الاحتلام فإنه يغتسل لعموم الأدلة. وقد أشار المؤلف رحمه الله إلى بعضها بالشرح. وأما الثاني: أنه إذا شك فالعبرة بوجود البلل؛ لما جاء من حديث عائشة وأشار إليه المؤلف رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما؟ فقال: «يغتسل». وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: «لا غسل عليه». فإن قال: هذا الحديث يدل على أن من احتلم لا يغتسل. الجواب: أن هذا الحديث جاء بمحل الشك، جاء بمحل الشك. فإذا جاء بمحل الشك فإنه يكون على أصل اليقين، أي أخذ أصل اليقين وهو أن من استيقن الاحتلام فيبقى على حكم الاستطلاق. مع التنبيه أن هذا الحديث بهذه الرواية فيه ضعف. وقد أشار تلميذ المؤلف رحمه الله تعالى إلى ذلك في سننه؛ فإنه بعد أن ذكر الحديث أشار إلى ذلك بأن أحد رواته محمد بن كثير وعفه أحمد وغيره. وهكذا كذلك قال الإمام إسحاق: لم يسمع من أم سليم. لكن يغني عن هذا ما جاء كذلك وإن كان جاء معناه من حديث أم سلمة: أن أم سلمة سئلت: هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قالت: نعم إذا رأت الماء. نعم إذا رأت الماء؛ لأن المرأة قد تشك في الاحتلام، فإذا شكت فذاك. فإذا لم تشك واستيقنت وشكت في ذهاب البلل بحرارة أو برطوبة ثوب أو بغير ذلك، فما دامت مستيقنة أو ما دام الرجل مستيقنا في وجود الاحتلام فإنه يغتسل. فالخلاصة: نخلص بأن الاحتلام مع وجود البلل عند الشك في الاحتلام يوجب الغسل. وما عدم وجود البلل واستيقان الاحتلام ووجود مظنة خفاء هذا البلل بسبب من الأسباب، فإنه كذلك يغتسل. وأما إذا غلب على ظن الاحتلام ولم يجد البلل، ولا يوجد عنده أبدا ما يشككه في أمر البلل، بل هو يعلم أنه لو كان الاحتلام حقيقيا موجودا لوجد البلل أو لوجد ما يدل على البلل، فعدم وجود البلل شككه بالاحتلام، فعند ذلك لا يغتسل حتى يرى البلل. قال رحمه الله تعالى: بالموت كذلك بالموت يجب الاغتسال. ودليل ذلك أحاديث كثيرة. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى بعض هذه الأحاديث، منها ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمره بغسل ابنته زينب رضي الله عنها وأرضاها. وهكذا كذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن عباس في الصحيحين، وفي قصة الرجل الذي وقصته ناقته، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بغسله. وهذا مما أجمع عليه المسلمون أن الميت إذا مات يجب غسله، إلا إذا صار في غسله مشقة ويتعذر غسله مثل المحروق؛ فبعض من يصاب أو يموت بالحريق لا يستطاع غسله؛ لأن إصابة الماء عليه يفري الجلد. وإذا كان الأمر كذلك فإنه يترك ولا يغسل. فهل يكون له التيمم أو لا يكون؟ إن كان قد استطاعوا ذلك فإنهم يفعلون ذلك. وإذا لم يستطيعوا فكان هذا كذلك مما يشق فإنه يدفن على هيئته، فإنه يدفن على هيئته. وهذا كذلك مما يستثنى في هذا الموضع الشهيد؛ فالشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه في القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. وأما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصلاة على بعض الشهداء الذين قتلوا بأرض القتال، فإنه ثبت صلاة عليهم بعد دفنهم. أما قبل دفنهم فلم يأت حديث صحيح صريح يدل على تغسيلهم أو على الصلاة عليهم. ومسألة التغسيل أوكد من مسألة الصلاة. قال رحمه الله: وبالإسلام، أي من موجبات الغسل الإسلام، أي أن من أسلم فإنه يغتسل. وأشار رحمه الله تعالى في شرحه إلى عدة أحاديث، ومنها ما ذكره رحمه الله في حديث أبي هريرة: أن ثمامة حين أسلم أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذهب به إلى لحاء الغنم وأن يغتسل. وهذه الأحاديث وإن كان ببعضها كلام وارد في هذا، لكن بمجموعها فيها ما هو صحيح يدل على هذا المقصود. وقد أشار رحمه الله الشارح بالشرح إلى هذا المعنى، فأشار إلى قصة ثمامة حين أسلم، وأشار كذلك إلى قصة وادلة بن الأسقع. وكل القصتين وإن كان فيها كلام، لكن بمجموعها إن شاء الله يثبت هذا الحكم. هذه سبعة أشياء ذكرها المؤلف رحمه الله هي من موجبات الغسل. وبهذا نكتفي، ونكمل إن شاء الله ما تبقى.