الدرس في شرح كتاب القواعد الأربع 1، الدرس الأول:من(أسال الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا ... فإن هؤلاء عنوان السعادة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية باب العقيدة ودعوة الرسل إليها، ويبين ضرورة الاعتناء بتعلمها والعمل بها. يشير إلى أهمية رسالة "القواعد الأربعة" في تعليم العقيدة لعامة الناس.
ينبغي لطالبي العلم الاعتناء بالكتب التي تشرح العقيدة والتوحيد، والحرص على الدروس التي تشرحها. تكرار معاني العقيدة يثبتها في نفوس المسلمين.
الدعاء يشمل شكر الله عند العطاء، والصبر عند الابتلاء، والاستغفار عند الذنب. هذه الخصال تعتبر عنوان السعادة للمسلم في الدنيا والآخرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه المسمى «القواعد الأربعة أو أربعة القواعد»: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة. هذه رسالة من رسائل الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، وهي رسالة من رسائل كثيرة من رسائله التي ألفها في العقيدة، ويدعو بها الناس إلى دين الله جل وعلا وتوحيده. وبه ندخل، ونعلم أولًا أهمية الاعتناء بباب العقيدة؛ لأنه من عظيم أمر الله عز وجل. ولهذا اعتنى به العلماء كهذا الإمام، فهو أول ومفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وهكذا قال سبحانه عن عدد من أنبيائه ورسله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وفي الصحيحين، من حديث ابن عباس، ومن معناه من حديث معاذ: «أنه لما أرسله لليمن قال له: ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية للبخاري: «أن يوحد الله». وكل هذا يدل على عظم شأن العقيدة وأهمية الاعتناء بها، وكذلك ضرورة الاعتناء بابتداء أمرها؛ فإنها إذا صلحت صلح سائر عمل العبد، وإذا فسدت فسد سائر عمل العبد. وهي حقيقة ما أراده الله جل وعلا من عباده، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أي ليوحدون كما أثر عن ابن عباس. فإذا علمنا ذلك، انتقلنا إلى مسألة أخرى، وهي أننا إذا علمنا أهمية العقيدة فينبغي علينا أن نعتني بتعلمها، وبالعمل بها، وببث علمها في المجتمع؛ لأن حقيقة القيام بها لا يكون إلا بذلك، بالعلم والعمل والدعوة. ثم بعد ذلك الصبر على ذلك العلم، والصبر على ذاك العمل، والصبر على هذه الدعوة. وقد امتازت هذه الرسالة، كغيرها من رسائل الشيخ المختصرة، بسهولة عبارتها ويسرها، وهكذا كذلك قلة مبانيها؛ وذلك لأن المؤلف رحمه الله يخاطب فيها عامة الناس. ولهذا كان يؤمر بالاعتناء بها حفظًا وتدبرًا، وقراءة بتكرار، وإدامة النظر فيها، وشرحها وبسطها في المجالس العامة والخاصة. حتى كان راعي الغنم يرعى الغنم وفي أمتعته «القواعد الأربعة» و«الأصول الثلاثة» و«كتاب التوحيد». وهذا يدل على شيء، دل على المنزلة التي وصل إليها أولئك القوم من الاعتناء بالعقيدة. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، فهذه المسائل ليست من خواص طلبة العلم، لا، بل هي لطالب العلم ولغير طالب العلم. فينبغي أن يعتني بذلك. فإذا كان رعاة الغنم في زمن الشيخ ومن بعده، رحمهم الله، يعتنون بهذه العقيدة، فينبغي أن يعتني بها من بعدهم من باب أولى، خصوصًا طالب العلم. فينبغي أن يعتني بمثل هذه الكتب، يعتني بحفظها، ويعتني بمداومة النظر فيها، والقراءة في شروحها. وهكذا كذلك من باب أولى الحرص على الدروس التي تقرأ فيها؛ وذلك لأن تكرار هذه المعاني تثبيت لعقيدة المسلم، تثبيت له حين تتكرر هذه المسائل وتمر على القلب وعلى السمع وعلى البصر، فإن ذلك تنقية بهذه الجوارح والحواس، وإقامتها على دين الله جل وعلا وتوحيده. ابتدأ المؤلف رحمه الله هذه الرسالة بالبسملة، ابتداء بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، بل سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. ثم قال: «أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة». ابتدأ رحمه الله تعالى هذه الرسالة بهذه الكلمات اللطيفات التي كان فيها أولًا الافتقار إلى الله جل وعلا، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته؛ الذي فيه تحقيق وتطبيق لمعنى التوحيد الذي نحن في دراسته؛ لأن التوحيد ليس أمرًا علميًا نظريًا، بل هو علمي نظري وعملي، فهو من تحقيق العبودية لله عز وجل. وهكذا كذلك فيه فعل مرضات الله سبحانه وتعالى؛ فالله يحب أن يدعى بأسمائه وصفاته، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها. وفيه إظهار افتقار العبد لربه سبحانه وتعالى، وهذا سبب لعون الله عز وجل لعبده؛ فكلما افتقر العبد إلى ربه زاده ربه جل وعلا غنى وإعانة. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. ولهذا تجد أن نبينا عليه الصلاة والسلام في مواضع الدعاء يظهر من فقره وافتقاره إلى ربه جل وعلا ما هو أولًا تحقيق للعبودية وتأكيد، وما هو كذلك طلب للعون من الله سبحانه وتعالى. وهكذا صاحب الحق لا يغتر بنفسه ولا بعلمه، بل ينبغي أن يكون مفتقرًا إلى الله في كل وقت وحين. ثم قال: «وأن يجعلك مباركًا أينما كنت». وهذه دعوة أخرى فيها معنى ما سبق، وفيها إظهار لسلامة سريرة المتكلم للسامع والقارئ. ومعنى مباركًا: أي جعل الله فيك أسباب البركة. وفي هذا أولًا كما سبق: توطئة لأهمية الاعتناء بإصلاح العبد ما بينه وبين الله، وأن يطلب من الله عز وجل أسباب الخير والبركة. وهكذا كذلك أن يفعلها في نفسه؛ فالبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء. فالعالم مبارك بما أعطاه الله عز وجل من العلم الذي معه، وطالب العلم الصادق مبارك كذلك، والأب المصلح لأولاده مبارك بصدقه وحرصه على إصلاح أولاده، والتاجر الصالح في بيعه وشرائه وأمانته وصدقه مبارك. فإذن لابد للعبد أن يبدل أسباب حصول البركة من نفسه، ويطلب من الله جل وعلا إعانة له على ذلك. وهنا ننبه إلى أنه ليس شيء فيه البركة بذاته إلا ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام. يعني ليس أحد من المخلوقين بعد النبي عليه الصلاة والسلام يطلب البركة بذاته؛ حتى لا يغتر مغتر فيقول: الشيخ يثبت البركة، إذن لا بأس بالتبرك بالأولياء والصالحين ونحو ذلك. لا، الشيخ يثبت البركة الشرعية الصحيحة، وسط بين إفراط المفرطين وتفريط المفرطين؛ وذلك أنها من الله، وأنها بما شرع الله، فتطلب من الله وبما شرع الله أذن. فما جعل الله عز وجل فيه البركة الذاتية يتبرك به. ولهذا تبركوا ببقايا طهوره عليه الصلاة والسلام وشعره. وأما غير النبي عليه الصلاة والسلام فلم يثبت أنه تبرك بأبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا أحد من الصحابة، فمن دونهم من باب أولى. ثم قال: «وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة». قوله: «وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر»: في هذا كذلك ما سبق، وزيادة بأن الإنسان ينبغي أن ينظر إلى نعم الله التي ينبغي أن يشكر الله عليها، من دينية - وهو المقصود هنا - ودنيوية - وهو كذلك ينبغي أن يفعل - فشكر الله عز وجل يكون على نعمه الدينية ونعمه الدنيوية. ولهذا وطأ فقال: «أن يتولاك في الدنيا والآخرة»: يتولاك في الدنيا بما تحب من رزق وولد وصحة وعافية، والآخرة بشرع ودين وعلم يهديك الله عز وجل به إلى الصراط المستقيم. فالشكر ليس فقط باللسان، ولكن باللسان وبامتثال الجوارح بما يبرهن ذاك الثناء الذي باللسان. فالشكر لغة: قيل الثناء والصلاح، يطلق على الثناء والعمل الذي يبرهن حقيقة هذا الذي تتكلم به بلسانك. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، وقليل من عبادي الشكور؛ يعني أن الشكر ما يكون باللسان فقط، لابد له من عمل. فأنت شكرك لنعمة الله الدينية إن كنت صادقًا هو بامتثالك وعملك. وقوله: «وإذا ابتلي صبر»: فيه ما سبق، وفيه كذلك تسلية لأهل الحق أن يصبروا؛ فسنة الله جل وعلا أن من حمل الحق فإنه يبتلى. والصبر هو بمعنى الحبس، والمراد هنا الصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله سبحانه وتعالى. وسنة الله جل وعلا: ابتلى أهل الحق. انظر إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أعظم أهل الحق، ومع ذلك ابتلوا. ألف لامي: ﴿مَا حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. وهكذا انظر إلى قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾؛ إشارة إلى أن من نزل عليه القرآن فإنه يبتلى فليصبر. وقوله: «وإذا أذنب استغفر»: فيه ما سبق، وفيه لمحة وإشارة إلى أن الإنسان فقير إلى الله، وهو كذلك لا يبرئ نفسه من ذنب يحتاج إلى الاستغفار منه. فصاحب الحق يعلم أنه مؤيد باستغفاره ورجوعه إلى الله. ومن ابتلي بشيء من الباطل فعليه أن يعلم أنه كذلك ينبغي عليه أن يتوب ويرجع إلى الله. ثم قال: «فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة»: أي السعادة في الدنيا وفي الآخرة. فينبغي للمسلم أن يعتني بها؛ يعني يعتني بهذه الخصال الثلاث التي بها تكون سعادته في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق.