الدرس في شرح اللآلئ البهية 28، الدرس الثامن والعشرون : فيه : ( فصل:في الكلام على مسألة النزول ... غير واجب فحينئذٍ التفويض أسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح مسألة النزول لله عز وجل، موضحا نهج السلف في إثبات هذه الصفة دون تأويل. يُبين أن الأحاديث في هذا الباب متواترة وتُمرر كما جاءت في الأحاديث النبوية.
يتناول المقطع شرح حديث نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، ويوضح معنى النزول وفق مذهب أهل السنة والجماعة. يُبين الفرق بين إثبات الصفات وتحريفها أو تمثيلها.
يناقش المقطع مذهب السلف في الصفات الإلهية، ويوضح أن التفويض ليس من منهجهم، بل يؤمنون بلا كيف مع إثبات الصفات على حقيقتها. يُصحح الفهم الخاطئ للأشاعرة في هذا السياق.
يتم اختتام الدرس بسبب نفاد الوقت مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم، مما يدل على استمرارية الموضوع وأهميته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في شرحه «اللآلئ البهية شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية». قال: فصلا في الكلام على مسألة النزول، فنقول: لما فرغ الناظم رحمه الله تعالى من الكلام على الرؤية، أخذ يتكلم على النزول، فقال: «وإلى السماء بغير كيف ينزل»، قال: أي وإلى السماء الدنيا بغير كيف ينزل سبحانه وتعالى بلا كيف. ومعنى بلا كيف يعني بلا كيف معلوم، وليس معنى بلا كيف موجود، وإلا فالكيف موجود، لكنه مجهول كما سيأتي إن شاء الله فيما روي عن أئمة السلف. قال: كما أنه استوى على عرشه بلا كيف، يعني استواء يليق بجلاله وعظمته، فالكيف موجود، لكنه غير معلوم. قال: وعلم -وفقك الله تعالى- أن هذه المسألة، أعني مسألة النزول، مما يثبتها السلف ولا يتأولونه كالاستواء، وغيرها من الصفات. والأحاديث في ذلك كثيرة جدا. ومعنى لا يتأولونه كالاستواء، يعني يمرونه كما جاء، فالنزول صفة من الصفات الفعلية لله عز وجل، تثبت لله عز وجل إثبات وجود، ولا يدرى كيفيتها، فالكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، كما روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى. ومعنى لا يتأولونه، أي لا يحرفونه، فمن طريقة أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والمرجئة تحريف الصفات الفعلية. فطريقة السلف في الصفات الفعلية إثباتها وإمرارها كما جاءت، أي لا يتعرض لها بشيء من التحريف. وقوله: «وغيرها من الصفات» يعني الصفات عموما، والفعلية خصوصا، لأن الصفات الفعلية اتفق المعطلة على نفيها. وقوله: «الأحاديث بذلك كثيرة» يريد في إثبات هذه الصفات: النزول والاستواء والصفات الفعلية. وهكذا كذلك الأحاديث كثيرة في إثبات النزول لله عز وجل. وقد أشار -عندكم- المعلق إلى بعض هذه الأحاديث، فيما روي عن جماعة من الصحابة، وكلام الحفاظ بأن ما روي في هذا الباب يصل إلى حد التواتر، كما نقل عن نبي زرعة والذهبي في «العلو» وابن عبد الهادي في «الصارم». وأشار إلى بعض هذه الأحاديث وإلى مراجعها. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كتاب عظيم في هذا الباب سماه «شرح حديث النزول»، قال رحمه الله تعالى: منها ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب». وهذا الحديث كما أشار -عندكم- أن فيه شيء من الضعف، لكن صححه الشيخ الألباني رحمه الله، يعني بمجموع طرقه. ومعنى فيه: أن الله عز وجل ينزل نزولا يليق بجلاله وعظمته، ويكون فيه هذا وهو أمر المغفرة. وأما نزوله في ليلة النصف من شعبان، فالصحيح أنه لا يصح. ولكن الذي صح أن الله ينزل عشية عرفة، هذا الذي صح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. قال: ولحديث الإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الآخر، نزل إلى سماء الدنيا، فينادي: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر». رواه البخاري وغيره. والحديث كما أشار رحمه الله تعالى في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، جاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وجاء في مسلم من حديث أبي سعيد كذلك. وهو حديث متواتر بمعناه، فقد جاء عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وقد بسط روايات الحديث الإمام الصابوني رحمه الله تعالى في معتقده «عقيدة أهل الحديث». والشاهد من هذا الحديث هو قوله: «أن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الآخر نزل إلى سماء الدنيا»، فهو نزول يليق بجلال الله وعظمته. قال الحافظ ابن حجر في كتاب «فتح الباري»: قد اختلفوا في معنى النزول على أقوال، فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة. وهذا خطأ من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، فحمله على ظاهره وحقيقته من غير تكييف ولا تمثيل، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. وهذا الواجب في نصوص ومباحث الصفات، كما دلت عليها دلالة الكتاب والسنة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فيثبت لله عز وجل ما أثبت لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهذا هو مذهب السلف، أن تمر هذه النصوص على ظاهرها، تمر كما جاءت، تمر على ظاهرها كما مر معنا من كلام الثوري وغيره من أئمة أهل الحديث وأهل العلم وأهل السنة. وأما إذا أريد به أن ظاهره يدل على التمثيل، وأن حقيقته المراد به التمثيل، فهذا من حيث المعنى صحيح خطأ، أن يقال: أن النزول له كيفية ككيفيات المخلوقين، أو له مثال كمثال المخلوقين، هذا ليس بصحيح، بل أدلة الكتاب والسنة ترد هذا المعنى. لكن هل صحيح أن إجراء وإمرار الأحاديث والأدلة على ظاهرها وحقيقتها يدل على التمثيل ويدل على التكييف؟ الجواب: لا، بل إمرارها على ظاهرها وحقيقتها ليس فيه إلا إثبات ما يستحقه الرب سبحانه وتعالى، لأن المثبت يثبته إثبات وجود، وفرق بين من يثبته إثبات وجود على حقيقته الذي أراده الله، كما قال الشافعي رحمه الله: «آمن بالله على ما أراد الله»، أو «على مراد الله». فنحن ما تعرضنا للنص، ما تعرضنا له بتكييف ولا تمثيل، كما لا يجوز لنا أن نتعرض له بتحريف أو تعطيل، نصرف اللفظ عن ظاهره، ونجعل أن هذا اللفظ الظاهر له معنى باطن، هذا التحريف. فلهذا كان الصحيح: أن حمل النصوص على ظاهرها وحقيقتها لا يوصل ولا يفضي أبدا إلى معنى التمثيل والتكييف المذموم، والذي هو مذهب المشبهة. ولكن إمراره على ظاهره يقتضي أن يثبت هذا الظاهر إثبات وجود، يثبت إثبات وجود، يعني هذا الشيء موجود، النزول موجود، نعرف معنى النزول في اللغة، فنثبت النزول، لا نثبته على كيفية معينة في الخيال، ولا مثال معين في الوجود، بل نمره كما جاء، نقول: نثبت النزول على ما يليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال: ومنهم من أنكر صحة الحديث، وهم الخوارج، لأن طريقة الخوارج في باب الصفات قريبة من طريقة المعتزلة، وهو تحريف باب الصفات. قال: ومنهم من أجراه على ما ورد، مؤمنا على طريق الإجمال، منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف. ونقله البيهقي وغيره عن مالك والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم. وهذا المعنى معناه صحيح، ولفظه ليس بصحيح. منهم من أجراه على ما ورد، يعني بالنص مؤمنا صحيح، منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، أي الكيفية التي من كيفيات المخلوقين، أو التي تكون بالخيال، وهذا صحيح، وهذا مذهب جمهور السلف، هذا صحيح. لكن قوله: «على طريق الإجمال»، وكذلك في لفظة في لفظته «عن الكيفية»، هاتان اللفظتان توحيان أن معنى هذا الكلام هو التفويض، أن معنى هذا الكلام هو التفويض. والتفويض ليس من مذهب السلف، بل كما مر معنا فيما سبق: أنه كما أن التفويض تفويض المعنى، وادعاء أن اللفظ ليس له معنى، هذا ليس من مذهب السلف أبدا، بل ما نزل القرآن باللسان العربي المبين إلا ويعلم العالم والجاهل ما يعلمه من اللسان العربي المبين. فادعاء أن طريقة السلف هو تفويض مباحث الصفات، هذا ليس بصحيح. لكن كما قلنا: العبارة ليست صريحة. لكن يعلم ذلك مما قد سبق من طريقة من خاض في هذا الباب على طريقة المتكلمين. والحافظ ابن حجر رحمه الله بالجملة هو على طريقة أهل الحديث، لكنه لما كان غلب على الشيء الشافعية في زمانه رحمه الله مذهب الأشاعرة، فإنه دخلت عليه بعض عبارات الأشاعرة ومذاهبهم. وكذلك طريقتهم في باب الاعتقاد، فهم يزعمون أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم. وأن طريقة السلف -أي الأشاعرة يزعمون أن طريقة السلف التفويض- وهو أسلم، وطريقة الخلف التحريف الذي يسمونه التأويل، وأنها أعلم وأحكم. وهذا فهم خاطئ، ليس بصحيح كما مر معنا. قال: ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب. قال الإمام البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف. وهذا هو الذي قلنا قبل قليل في قولهم: طريقة الخلف أعلم وأحكم، ويريدون أعلم وأحكم بالتحريف. ومنهم من أوله على وجه يليق، يعني يليق بتنزيه الرب سبحانه، وهذا بالحقيقة تعطيل، وليس بصواب، أن يعبر عن طريقة الخلف التي فيها تحريف الصفات وتعطيل الصفات بأنها على وجه يليق ومستعمل في كلام العرب. بل الصحيح: أنه على وجه قبيح لا يليق بالمسلم وتسليمه لنصوص الكتاب والسنة، وهو كذلك لا يوافق كلام العرب، فكلام العرب لا يدل من قريب ولا بعيد على تلك التحريفات التي سموها تأويلا. فكل موضع يزعمون فيه التأويل، رد عليهم أئمة أهل السنة بأن ذلك الذي ادعوه مردود عليهم. وليس هذا الموضع موضع بسط ذلك، لكن سيأتي إن شاء الله في الكلام على تحريفهم في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه. وإن أراد بالسكوت والإيمان بلا كيف بمعنى أن تمر كما جاءت، بإثباتها على حقيقتها وظاهرها، فنعم. وإن أراد به أنه معنى من معاني التفويض، فهذا خطأ، ليس بصحيح، ولا هو مذهب السلف. قال رحمه الله تعالى: ومن الدليل عليه أن اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب، فحين إذن التفويض أسلم. وهذا يؤكد أن مراد الحافظ ابن حجر أن مذهب السلف التفويض، وأن مذهب الخلف التأويل الذي هو تحريف. وهذه هي طريقة وفهم الأشاعرة لمباحث الصفات، وهي طريقة خاطئة ومفهوم ليس بصحيح كما مر معنا وتقدم في المباحث المتقدمة. طيب، نكتفي بهذا لينتهي الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله أعلم.