شرح السياسة الشرعية  44

شرح السياسة الشرعية 44

الدرس في شرح السياسة الشرعية 44، الدرس الرابع والأربعون:من( وكانوا يشربون النبيذ الحلو وهو أن ينبذ في الماء تمر وزبيب أي يطرح فيه ... وكلها داخلة في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام النبيذ وشرب الخمر

النبيذ الحلو حلال إذا لم يتغير، ونهى النبي عن شربه بعد التغير. كما نهى عن وضعه في أوعية معينة وعن الجمع بين أنواع قد تعجل بتغيره.

حكم شرب المسكر وتحريمه

ما أسكر كثيره فقليله حرام، ولا يجوز استعمال الخمر في التداوي. يستدل بذلك بالأحاديث النبوية التي تنهى عن شرب المسكر.

تحريم المخدرات وحد شاربيها

الحشيشة والمخدرات حرام وتجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر. نهى النبي عن كل مسكر ومفتر، والحشيشة أخبث من الخمر لأنها تفسد العقل والمزاج.

تحريم كل ما يسكر

كل ما يسكر حرام، سواء كان سائلاً أو جامداً. العبرة بالإسكار وليس بالشكل أو طريقة الاستهلاك، ويشمل التحريم كل ما يفسد العقل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله، والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: وكانوا يشربون النبيذ الحلو، وهو أن ينبذ في الماء تمر، في الماء تمر وزبيب، أن يطرح فيه، والنبذ الطرح، ليحلو الماء، لا سيما ماء كثير من مياه الحجاز، فإن فيه ملوحة. فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين، وكما مر معنا جاء بالشرع كذلك سداً لذريعة الوصول إلى التخمير والخمر، وضع بعض الضوابط في هذا الباب. ومن ذلك أن لا يشرب بعد بداية تغيره، ومن ذلك أن لا يوضع في الأوعية التي هي مظنة تغير هذا النبيذ، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة عن بعض الأوعية التي هي مظنة تغير هذا النبيذ. فربما يشربه الإنسان وهو لا يشعر أنه قد صار خمراً. فبعض الأوعية تعجل بتخمر النبيذ، فحين يظن مثلاً أنه يتغير بعد ثلاثة أيام، لكنه إذا وضع في بعض الأوعية الحارة فإنها تغيره سريعاً. وهكذا كذلك نهى عن الجمع بين بعض أنواع النبيذ، لأن ذلك مما يعجل في تغيره، حتى لا ينتظر الإنسان المدة التي يظن أنها في الغالب تتغير به. وكان قد تغير قبل ذلك. وغير ذلك مما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا موضعه في مواضع أخرى. لكن المقصود الآن التنبيه والإشارة إلى حد شارب الخمر. قال رحمه الله: قال: لأنه لا يسكر، أي النبيذ، لكن إذا لم يتغير. قال: كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكراً. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم أن ينبذوا هذا النبيذ في أوعية الخشب أو الجرر -يعني جمع جرة- يجوز جرار وجرر. قال: وهو ما يصنع من التراب، أو القرع، أو الظروف المزفتة. وأمرهم أن ينبذ في الظروف التي تربط أفواهها بالأوكية، لأن الشدة تدب في النبيذ دبيباً خفيفاً، ولا يشعر الإنسان. ومعنى الشدة: أي بداية السكر، ما تكون به نشوة المسكر تدب دبيباً خفيفاً، قد لا يشعر به الإنسان، خصوصاً وأن بعض النبيذ قد تكون فيه لدعة، فيشربه الإنسان فيظنه نبيذاً وهو قد وصل إلى مرحلة الخمر. وإذا وصل إلى مرحلة الخمر لا يجوز شربه. فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات، حتى ولو سماه الناس نبيذاً أو سماه عصيراً أو معتصراً. فالعبرة بالحقائق. مثل ما يبيعه بعض هؤلاء الجهال الذين جمعوا بين جهل الدين وجهل العلم، يبيعونه في طرق المسافرين، خصوصاً لسائقي السيارات الكبيرة، أرباب السفرات الطويلة، يسمونه الطاري، وربما يسمى في بعض المناطق بأسماء أخرى. وبعضهم يفر من التهمة فيجعل الأطفال يبيعون مثل ذلك في قوارير صغار وكبار. وإذا سألتهم قالوا: إنما هو نبيذ، ليس خمراً. والحقيقة أنه نبيذ قد وصل إلى مرحلة الخمر. فهذا حرام، لا يجوز. العبرة بالحقائق لا بالمسميات. فما أسكر كثيره فقليله حرام. قال رحمه الله تعالى: لأن الشدة تدب في النبيذ دبيباً خفيفاً، ولا يشعر الإنسان، يعني بذلك: فربما شرب الإنسان ما قد دبت فيه الشدة المطربة وهو لا يشعر، يعني أنه قد حصل فيه الإسكار، خصوصاً من ليس عنده خبرة. من ليس عنده خبرة قد يشرب الخمر وهو لا يدري أنه شرب الخمر. ويكثر تغيره في المواضع الحارة. وذكر لنا بعض الإخوة الأفاضل من طلبة العلم أن اثنين من طلبة العلم في بعض الأيام الحارة كانوا صياماً في مكة، فأخذوا نبيذ الشعير -معروف في مكة نبيذ الشعير مشتهر- فأخذوه يريدون الإفطار به، اشتاء أن ينفذ عليهم، فوضعوه في الحرم مع شدة الحر، فما جاء وقت المغرب إلا وهم يبردونه ويشربونه على الإفطار، فإذا بهم يترنحون. فأخذهم العسكر -إخوة طلبة علم- وهم داخل الحرم في حالة إسكار، تعجبوا كيف هذا؟ فلما تحققوا منهم عرفوا السبب. فقد يقع بعض الناس في شرب الخمر وهو لا يدري، خصوصاً من لا خبرة له به، وخصوصاً مثل هذا الحال يكون إنسان جائع وعطشان، وفي شدة حر، فيشرب الشيء يشعر فيه شيء من التغير، لكنه ما يظن أنه مسكر، ما يظن أنه مسكر. قال رحمه الله تعالى: فربما شرب الإنسان ما قد دبت فيه الشدة المطربة وهو لا يشعر. فإذا كان السقاموكا -إن شق الظرف إذا غل فيه النبيذ- فلا يقع الإنسان في محذور. وتلك الأوعية لا تنشق. وهذه فائدة: أنه من تلك الأوعية التي لا تنشق. لأن الأوعية الخشبية والأوعية من جرار، والقرع، والدباء، والحنتم، والمزفت، هذه أوعية قوية. لأن الخمر إذا بدأ يتخمر النبيذ إذا بدأ يتخمر، ينشئ بعض التمدد من الغازات التي تنبع منه، فيتمدد الوعاء. فإن كان الوعاء موكا -وهو مما قد ينشق- مثل القرب ونحوها من الأوعية الأخرى، فإن الإنسان يعرف أن هذا قد تغير. ترى الوعاء قد انتفخ. فانتفاخه علامة تغير ما فيه من نبيذ. لكن إذا كان الوعاء مصمتاً صلباً، فإنت ما تدري أنه تغير. تأتي فتشرب مباشرة. تأتي فتشرب مباشرة. فيكون قد وقع في حال الإسكار والتخمر وأنت لم تدري. قال رحمه الله: وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية. وقال: كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية، فانتبذوا ولا تشربوا المسكر. والحديث في صحيح مسلم. لكن الصحيح أنه ليس نسخاً لكل الأوعية، وإنما نهي عن الانتباذ الذي حمله بعض أهل العلم على الانتباذ مطلقاً. يعني: أنه كان نهاهم عن الانتباذ خشية التساهل والوقوع في شرب الخمر. وهذا في بداية تحريم الخمر. وفيه كذلك سد الدرايع المفضية إلى الحرام. وبعد أن رسخ الإيمان وعلموا الحلال من الحرام، أذن لهم في الانتباذ. يعني: يستعملون النبيذ. لأنهم قد رسخ فيهم الإيمان وعرفوا الحلال من الحرام. فعند ذلك تركهم إلى إيمانهم. فالمسلم يجتنب كل مشتبه. الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. قال رحمه الله: فاختلف الصحابة ومن بعدهم من العلماء. منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته، فنهى عن الانتباذ في الأوعية. ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ، فرخص في الانتباذ في الأوعية. فسمع طائفة من الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ، فاعتقدوا أنه المسكر، فترخصوا في شرب أنواع من الأشربة التي ليست من العنب والتمر. وترخصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر. والصواب ما عليه جماهير المسلمين. لأن بعض الكوفيين -كما يروى عن جماعة ممن ينتسب من أهل العلم- أنهم رخصوا في ذلك، يعني في شرب النبيذ ولو تغير، ما دام لا يسكر، يعني قليله. والصواب تحريم ذلك. لأن ما أسكر كثيره فقليله حرام. ما أسكر كثيره فقليله حرام. والناس في هذا طرفان ووسط. فمن الناس من تساهل، فقال: ما دام القليل لا يسكر، فإذن هو حلال. وهذا لا يجوز. بل صحة الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن ما أسكر كثيره فقليله حرام. فمثلاً لو كنت تشرب -يعني لو كان إنسان يشرب- عشر كأسات من خمر، ما فيسكره، فالقليل منه حرام، ولو كان ملعقة، ولو كان ملعقة. فلا يجوز. يقول قائل: أنا أشرب الكأس والكأسين والثلاثة، فلا أرى فيه أثر الإسكار، إذن هذا حلال. وهذا ليس بالصحيح. بل ما دام علم أن الكثير منه يسكر، فقليله حرام. وبه يعلم كذلك أنه لا يجوز وضعه في الأدوية. فما تساهل فيه بعض الناس في وضعه في بعض أنواع الأدوية، خصوصاً ما يستعمل لبعض أمراض الصدر، فإنه توضع فيه نسبة من الكحول، زعماً منهم أنه يطلب به العلاج -أي التسكين ونوم المريض- ويقولون: أن هذه النسبة ليست مسكرة. والجواب: أنه ما دام الكثير منه يسكر، فالقليل منه حرام. فالقليل منه حرام، ولو كان ملعقة صغيرة. حتى ولو قال: أنا إذا شربت منه ثلاث كأسات، أربع كأسات، خمس كأسات، سبع كأسات، لا يسكر. فيقال: ولو. ما دام الكثير منه يسكر، فالقليل منه حرام، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وطرف آخر بالغوا في هذا الباب، فقالوا: كل ما كان كثيره يسكر، فقليله حرام، حتى ولو تحلل ذاك القليل. وهذا ليس بالصحيح. والصواب أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فإذا كانت الحقيقة غير موجودة، فالحكم غير موجود. فمثلاً: قطرة البول في الماء الكثير تتحلل، فلا تنجس الماء. إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث. الماء طهور لا ينجسه شيء. فلا وجود للبول أصلا في هذا الماء. ولهذا صار الماء باقياً على طهوريته. وهكذا كذلك لو قيل: أن بعض الأشربة فيها نسبة مما يكون من فروع الكحول، لكنه خلط مع غيره، فصار متحللاً، غير موجود. هذه النسبة غير موجودة. فإذا فحصت ما تجد هذه النسبة أبداً، لا أثر لها، تحللت. فهنا لا يكون هذا حراماً. أما كون الإنسان يتركه، فهذا شيء آخر، يتركه لنفسه. ومثال هذا: بعض أشربة الطاقة -تعرفون أشربة الطاقة- مثل الريدبول ونحوه من أشربة الطاقة. اختلف فيها بعض العلماء المعاصرين على هذا المعنى. فمنهم من نظر إلى وجود بعض هذه النسبة، ولو تحللت، فإنه يقول: هذا يدخل في عموم الحديث: ما أسكر كثيره فقليله حرام. ومنهم من نظر إلى أن هذا الشيء قد تحلل، فهو ليس بخمر، فهو ليس بخمر. ومثله كذلك بعض ما يباع ويشترى لا للشرب، ولكن لأغراض أخرى، فإنه ما دام قد تحلل معنى الخمر، فإنه ليس بخمر. مثل البنزين -مثلاً- البنزين يباع ويشترى للوقود -للوقود- مع أنه فيه نسبة من المسكر، لكن هذه النسبة تحللت، فاختلطت بغيره، فصار سماً. لو شربه إنسان مات. ما أحد يشرب البنزين لأجل أن يسكر به، لا القليل ولا الكثير. فلذلك لا يصح أن يقول قائل -كما قال بذلك بعض من شدد- أنه لا يجوز بيعه ولا حمله ولا شراؤه، وأنه يدخل في حكم لاعن بيع الخمر أو بيعه ومشتريه لآخره. فهذا خطأ. والصواب في هذا: الوسط. وهو أن النسبة إذا كانت موجودة باقية، فما أسكر كثيره شرباً فقليله حرام. وإذا تحللت فتغيرت، فالصحيح أنه لا يبقى هذا الحكم. قال رحمه الله تعالى: قال: والصواب ما عليه جماهير المسلمين: أن كل مسكر خمر، يجلد شاربه، ولو شرب منه قطرة واحدة، لتداوي أو غير تداوي، حتى ولو كان للدواء، فإنه لا يجوز شربه، ويجلد على ذلك. وتدرأ الحدود بالشبهات. إن كان إنسان ما يعلم علم، أو كان إنسان عنده فتوى من من أفتاه، فيبين له. وأما بعد قيام الحجة، فإنه يقام عليه الحد. قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يتداوى بها، فقال: «إنها داء وليست بدواء، وإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». هذان حديثان: الجزء الأول منه في صحيح مسلم، والجزء الآخر منه جاء خارج الصحيح، من حديث أم سلمة، وجاء عن غيرها. وأشار في التعليق إلى معنى ذلك. فقد رواه الإمام أحمد وغيره، من حديث أم سلمة: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». والجزء الأول منه في صحيح مسلم، كما أشير إليه. والمقصود أنه لا يجوز التداوي بالخمر، ولو بشيء يسير منه. ومن ذلك أنه لا يجوز للمسلمين في سلك الطب أن يستعملوا الخمر لأجل التداوي، لا يجوز ذلك. وهنا يأتي سؤال: وهو ما يستعمل لا للشرب، ولكن للجراحات، وهو ما يسمى بالإسبرت. فكيف يفعل؟ وقد ابتلي به من يعمل في سلك الطب؟ الجواب: يخلط بغيره، حتى يذهب مسمى الإسكار بالشرب فيه. يعني: مثلاً إذا كان الإسبرت الخالص قد يشربه بعض الناس فيسكره، ولو كان يضر بعض الناس، يتهور. فهذا يدخل في الخمر، فلا يجوز شربه، ولا يجوز بيعه وشراؤه. لأن بيعه وشراؤه قد يفتح باب الشرب. لكن إذا خلطت به مواد أخرى سامة، فإنه عند ذلك لا يمكن أن يشرب. فلذلك الواجب على المسلمين إذا تعاملوا بالإسبرت، لم يتعاملوا بالإسبرت الخالص، بل يتعاملون بالإسبرت المخلوط بغيره، الذي لا يمكن أن يشرب معه. وعند ذلك يكتب تحذير في هذا الإسبرت: أنه مخلوط بمادة كذا، وأنها سامة، حتى لا يفكر أحد -فضلاً أن يقع في ذلك- أي الشرب. قال رحمه الله: والحد واجب إذا قامت البينة، أو اعترف الشارب. فإن وجدت منه رائحة الخمر، أو رؤي وهو يتقيأها، ونحو ذلك -يعني من البينات الظاهرة التي يُعلم بها أنه شرب الخمر- فإنه يقام عليه الحد، أو اعترف على نفسه، أو شهد الشهود عليه. قال: فإذا فقد قيل: لا يقام عليه الحد، لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر، أو شربها جاهلاً بها، أو مكرهاً، ونحو ذلك. وهذا قد يكون عند من هو مظنة لذلك. أما من هو مظن شرب الخمر، ويعرف هذا باستقامة الإنسان وعدم استقامته، فإن ذلك بين عليه. قال: وقيل: بل يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر. والصحيح في هذا: التفصيل. الأصل أنها بينة. وعلى هذا عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ويجوز لمن علم من حاله الاستقامة أن يعفى، ويعدر عنه. لأن الحدود تدرأ بالشبهات، خصوصاً إذا ذكر عذراً مقبولاً. كان يقول: شربت شيئاً ما علمت أنه خمر، فتقيأت. وهذا معقول وارد. قد يشرب الإنسان خطأً النبيذ المتأخر، فلا يدري أنه خمر. وهذا ممكن. أو يشرب ما يتساهل فيه بعض الناس من النبيذ الذي يحول إلى خل، من النبيذ الذي يحول إلى خل، فيمر بالخمر. والواجب والأحوط في هذا الباب: أن يخلط النبيذ من أول أمره بالخل، حتى لا يمر بمرحلة الخمر. قال: وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وغيرهم من الصحابة، كعثمان وعلي وابن مسعود. وعليه تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الذي اصطلح عليه الناس. وهو مذهب مالك وأحمد في غالب نصوصه، وغيرهما. والمعنى في هذا الباب: من وجدت منه رائحة، أو كان إنسان قد تقيأ، فإنه يقام عليه الحد. وقد رويت في هذا -كما ذكر- آثار كثيرة. قال رحمه الله: والحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرام أيضاً، يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر. وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد. والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة. وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة. وهذا مما يعتبر من محاسن فتاوى أهل العلم في هذا الباب، حتى صار الكثير من العلماء يحيلون إلى هذه الفتوى عن شيخ الإسلام في تحريم الحشيشة. وقد اختلف فيها في زمن شيخ الإسلام، وقبله، الكثير من الناس. والصواب ما ذكره رحمه الله هنا من جهة الدليل، ومن جهة التعليل. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد، وأبي داود، وغيرهما، بإسناد حسن، بمجموع طرقه: أنه قال: «نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل مسكر ومفتر». نهى عن كل مسكر ومفتر. والحشيشة تدخل في معنى ذلك. والمراد بالحشيشة: ما يسمى اليوم بالمخدرات، سواء من المواد الكيماوية التي تصنع، أو من بعض الأعشاب، كالخشخاش، وغيره من الأعشاب الأخرى التي تستعمل منها الحشيشة. فإنه لا يجوز، وحرام. وهو كما ذكر شيخ الإسلام: أخبث من الخمر. فإنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير الرجل فيه تخنث ودياثة -يعني تذهب رجولته- ولهذا فإن الكثير من أهل الفساد يستعملونه في إفساد النساء والمردان في بلاد الكفر، فيجعلونه وسيلة لإفسادهم. ومن دخل في إدمان الحشيشة فإنه يصير مأسوراً مدمناً، يبيع عرضه وكل شيء من أجل هذه الحشيشة الخبيثة. وربما صاحب الخمر ما يصل به الأمر إلى هذا، بل العكس: يجد في نفسه من القوة والمخاصمة والمقاتلة ما لا يكون في الحشيشة. فهو من هذا الوجه أخبث، وذاك أخبث من الوجه الآخر، كما ذكر رحمه الله. وكله حرام. لأنه يذهب العقل. والضرورات التي أمر الإسلام بحفظها منها العقل والدين. وهذا من أعظم ما يضيع العقل والدين والعرض والمال والنفس. وهكذا كذلك غير ذلك من أضرار تلحق بالإنسان. فلأجل هذا وغيره حرم الإسلام الخمر وما كان بمعناه، ومنه المخدرات بأنواعها، لإفساده الإفساد العظيم في الإنسان. قال رحمه الله: وقد توقف معظ الفقهاء المتأخرين في حدها. ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد، حيث ظنها تغير العقل من غير طرب، بمنزلة البنج والتبنيج -معروف التخدير الذي كان يستعمل للطب- ويذكر أن المسلمون أول من استعمله في الطب. قال: ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها كلاماً. ليس كذلك. إيش عندكم؟ عندي مطموسة الكلمة. بل آكلوها ينشون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر. ومعنى ينشون: يعني تصيبهم نشوة وإدمان أعظم من إدمان صاحب الخمر. وهذا هو الواقع. وقد أثبت أطباء هذا العصر أن ضررها أعظم من الخمر، وأنه يسبب إدماناً أعظم من إدمان الخمر. فهو يفسد العقل، وتبعاً لذلك فهو يفسد الدين، ويفسد العرض والمال والنفس. قال رحمه الله: وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها، مع ما فيها من المفاسد الأخرى، من الدياثة والتخنث، وفساد المزاج والعقل، وغير ذلك. وقد صدق رحمه الله. فإن من أعظم ما أسقط شعوب الكفار: المسكرات والمخدرات، حتى أنها أفسدت عليهم أشياء كثيرة. إن جئت في الدين فلا دين. وإن جئت في الأخلاق وفساد الأعراض فالحضيض. صارت حياة الكفار مستنقعات من الرذيلة، بسبب هذه المسكرات والمخدرات. وإن جئت للأنفس فما أكثر الجرائم -بعمد وبخطأ- حوادث السيارات التي تزداد نسبتها في أيام الإجازات، حتى ملئت صحف الكفار. وتبعاً لذلك بعض بلاد المسلمين التي تتساهل بمثل هذا: بهذه الحوادث الفضيعة في أيام الإجازات، لكثرة من يتعامل به في تلك الأيام. وإن جئت لأشياء أخرى: من بغي الناس وعدوانهم وسرقتهم ونصبهم، كل هذا من آثار المسكرات والمخدرات. قال رحمه الله: ولكن لما كانت جامدة مطعومة، ليست شراباً، تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال، في مذهب أحمد وغيره. فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة. وهذا هو الاعتبار الصحيح. وقيل: لا، لجمودها. وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها. وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر، لفظاً ومعنى. وسواء قيل: أنها نجسة أو غير نجسة، فهي محرمة. فالتحريم ليس لأجل النجاسة، وإنما لأجل أثرها المفسد للعقل والدين، وما يلحق بذلك من الضرورات الخمس. قال رحمه الله: قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع -وهو من العسل ينبذ حتى يشتد- والمزر -وهو من الشعير والذرة ينبذ حتى يشتد- قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يرطي جوامع الكلم بخواتيمه. فقال: «كل مسكر حرام». متفق عليه بالصحيحين. ومعناه: أنه حرم الخمر بوجود علته، سواء من العنب والتمر، أو من غيره. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً. وأنا أنهى عن كل مسكر». ومعناه: ولو من غير هذه المذكورات. والحديث كذلك صحيح، رواه أبو داود وغيره، كما أشير في التعليق. لكن هذا في الصحيحين عن عمر موقوفاً عليه: أنه خطب به على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «الخمر ما خامر العقل». والحديث في أوله: أنه قال: «كان الخمر من خمسة أشياء»، فذكر العنب والتمر والحنطة والشعير والحب، ثم قال: «والخمر ما خامر العقل». معناه: لا ينحصر في هذه الخمسة. قالوا عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وفي رواية: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». وهو كذلك. أصله في الصحيح. قالوا عن عائشة رضي الله عنها: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام». والمعنى: ما أسكر كثيره فقليله حرام. وليس هذا من باب التحديد، ليس هذا من باب التحديد والحصر. فإن مفهوم العدد -كما تقدم معنا- لا يفيد الحصر، وإنما يراد به تأكيد وتقريب المعنى. قال رحمه الله: وعن جابر رضي الله عنه: نعم. قال: وروى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه: أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وصححه الحفاظ. وعن جابر رضي الله عنه: رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له: المزر. فقال: «أمسكر هو؟» قال: نعم. فقال: «كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار، وعصارة أهل النار». قد تقدم معنا الحديث، وهو في صحيح مسلم وغيره. والمراد: أن هذه الأحاديث تدل على عموم تحريم كل مسكر، من أي شيء كان، جامداً أو سائلاً، ليس في حصر التحريم بما كان سائلاً مائعاً. بل لو وجدت هذه العلة في غير السائل المائع، حتى ولو كان جافاً، فإنه يلحقه الحكم. قالوا عن ابن عباس رضي الله عنهما: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، كل مسكر حرام». وهو كذلك. وإن كان الحديث فيه ضعف، لكن معناه صحيح. قال: ولا حديث في هذا الباب كثيراً مستفيضاً. قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من جوامع الكلم: كل ما غطى العقل أسكر، ولم يفرق بين نوع ونوع. ولا تأثير لكونه مأكولاً أو مشروباً. على أن الخمر قد يصطبغ بها، والحشيش قد تذاب في الماء وتشرب. والمعنى: أن الجامد إذا أذيب صار مائعاً، فلا فرق. إذن مع أنه -كما تقدم- معنى العبرة بالعلة. فإذا وجدت العلة، فإنه يوجد الحكم. ومعنى قوله: «يصطبغ»: يعني يستعمله بغير الشرب، كالصبغ -يعني الطلاء- وكانت لهم طرق يستعملون الإسكار بذلك. مثل ما يستعمله اليوم بعض الناس بما يسمى بالتشفيط، يستعملون بعض المواد الكحولية بشمها، فيسبب لهم ذلك نوعاً من الإسكار. فمثل هذا إذا حصل به الإسكار، فإنه يوجب الحد. وإذا لم يحصل به الإسكار، فإنه يوجب التعزير. فإنه يوجب التعزير. فإذن لا ينحصر الخمر المحرم الموجب للحد بالخمس المذكورات، ولا بالمشروب المائع. بل كل ما أسكر، وصار يفسد العقل، فإنه يدخل في حكم الخمر، سواء كان مشروباً أو كان مأكولاً أو كان مشموماً. حتى المشموم إذا كان يشم ويسكر، فحكمه حكم الخمر، وهو يوجب الحد. قال: فكل خمر يشرب ويأكل، والحشيشة أكل وتشرب، وكل ذلك حرام. وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها؛ لأنه إنما حدث أكلها من قريب، في أواخر المئة السادسة، أو قريباً من ذلك -يعني في زمن شيخ الإسلام- وقد توفي رحمه الله في سبعمائة وثمانية وعشرين -يعني كان هذا في زمانه رحمه الله تعالى- ولأن هذا اجتلب من بعض البلاد البعيدة، فأهل الإسلام الأول ما كانوا يعرفون مثل هذه الأشياء. قال: كما أنه قد أحدثت أشربة مسكرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها داخل في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة. يعني: مما له حكم الخمر. فالخمر ما خامر العقل، وما أفسد الدين والعرض. ولهذا ذكر تحريم الخمر في الكتاب والسنة بالتعليل المذكور. فكل ما كان يؤدي إلى إفساد العقل والدين والعرض، وما يلحق به من نفس ومال، فهو له نفس الحكم. طيب. والله تعالى أعلم.