شرح السياسة الشرعية  12

شرح السياسة الشرعية 12

الدرس في شرح السياسة الشرعية 12، الدرس الثاني عشر:من( وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق ... إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم يقول اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أداء الأمانات المالية ووجوب إعطاء كل ذي حق حقه

يتناول هذا الفصل أهمية أداء الأمانات المالية وإعطاء كل ذي حق حقه، ويشمل ذلك الولاة والرعية على حد سواء. كما يشرح أحكام العارية والضمان في حالة التلف أو التفريط.

وجوب طاعة ولاة الأمور وتوزيع الأموال بالعدل

يشرح هذا الفصل أهمية طاعة ولاة الأمور وعدم الخروج عليهم، ويؤكد على ضرورة توزيع الأموال بالعدل وفق ما أمر الله. كما يشير إلى أن ولاة الأمور ليسوا ملاكًا للأموال بل أمناء عليها.

بيعة الأمير وطاعته في الإسلام وتفاصيلها

يتناول هذا الفصل مسألة بيعة الأمير وطاعته في الإسلام، ويوضح أن طاعة الأمير تجب إذا كان مسلما ولم يقع في الكفر البواح، مع ضرورة مناصحته. كما يبين أن البيعة تكون لأهل الحل والعقد وتختلف عن الطاعة.

المراجع الإسلامية والتفصيل في الموضوع

يشير هذا الفصل إلى وجود تفصيل للموضوع في كتب الفقه وشروح الحديث وكتب العقائد، ويبين أن الإجابة المقدمة مختصرة لتناسب المقام. والله أعلم بحقيقة الأمور.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال الشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم، يعني هذا من باب أولى، هذا من باب أولى. قال: وكذلك أداء العارية. وقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع، وقال في خطبته: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم، إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». وأتقدم معنا الكلام على معنى هذا الحديث على وجه الاختصار والإجمال. وأشار شيخنا، رحمه الله، في مسألة العارية إلى مسألة، وهي: ما إذا كان حصل تلف لهذه العارية، هل يضمن المستعير على كل حال؟ في خلاف بين أهل العلم، والصحيح كما ذكر أنها غير مضمونة إلا إذا حصل منه شيء من التعدي أو التفريط، وما لم يشترط عليه الضمان. فإن اشترط عليه الضمان على كل حال، الضمان يلزمه، حتى ولو حصل منه ذلك بغير تعد ولا تفريط. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قبل حين استعار بعض عدة القتال، فاشترط عليه أن تكون عارية مضمونة. فبين العلماء أن معنى اشتراط الضمان ها هنا هو شيء زائد عن أصل ضمان العارية، وهو: ما إذا كان حصل لها شيء بغير تفريط ولا تعدي، فإنه يضمن ما دام قد قبل الاشتراط. وفيه مسائل وتفاصيل في كتب الفقه قد مرت معنا في شرح متن الدرة. فالخلاصة: الأصل فيمن استعار شيئا أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط. وأما إذا لم يتعدى ولم يفرط فلا يضمن. ولكن إذا اشترط عليه الضمان على كل حال فقبل، فالمسلمون على شروطهم. قال رحمه الله: هذا القسم -يعني أداء الأمانات في الأموال- قال: يتناول الولاة والرعية، فعلى كل منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه. فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه. وعلى جباة الأموال -كأهل الديوان- أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه. وكذلك على الرعية الذين يجب عليهم الحقوق، وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، فيكونوا من جنس من قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾، ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: «حسبنا الله، سيؤتينا الله من فضله ورسوله، إنا إلى الله راغبون»، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فتناول هذا السياق الذي أورده رحمه الله ما يجب على أرباب الأمانات من أداء أماناتهم التي تعلقت بهم. فولي الأمر ومن كان بمعناه -بما تحت يده من الأموال في العطاءات- ووضع هذه الأموال في مواضعها، إن كانت صدقات وزكوات ونحوها، أو كانت كذلك غير ذلك من الأموال العامة التي توضع لأهلها. وعلى من يجمع الأموال ومن كان بمعناهم من الأمناء أن يؤدوا ما عليهم من جمع المال بحق وعدل كما تقدم، وإيصاله إلى مكانه بحق وعدل. وكذلك على الرعية أن يؤدوا ما عليهم من أداء الزكوات ونحو ذلك مما تتعلق بهم من حقوق مالية. ونبه هنا إلى أمر وهو: أنه لا يجوز لأحد من الرعية أن يطلب ما لا يستحق، سواء من الزكاة والصدقة أو من غير ذلك، كأن يكون مثلا يزعم أنه أولى بعمل ونحو ذلك. وإذا كان هذا لا يستحقه فلا يجوز لأن يطلبه، فمن باب أولى أن يمنع ما عليه لظنه أنه عدل في مقابل ما منع منه. قال رحمه الله تعالى: ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق وإن كان ظالما، كما أمر به النبي ﷺ لما ذكر جور الولاة، فقال: «أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». ومعناه: لا يكن ذلك مانعا أي ظلمهم عن أداء ما هو لهم. وما هو لهم مثل الزكاة إذا جمعت من قبل السلطان، أو كذلك إذا استنفر السلطان المسلمين في إعانة المجاهدين ونحو ذلك. والحديث الذي أشار إليه -كما أشار المعلق- أصله في الصحيحين، قال: ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء ويكثرون»، قال: «فما تأمرنا؟» قال: «أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». والحديث كذلك في الصحيحين -كما أشار- عن أبي هريرة رضي الله عنه. والشاهد منه: أن النبي ﷺ أخبر في هذا الحديث أنه سيكون أمراء وولاة، وربما لا يؤدون الذي عليهم، ومع ذلك لا يكون هذا مانعا أن نؤدي لهم حقهم. وحقهم من الطاعة، ومنه: إيصال الأموال التي أمرنا بإيصالها إليهم -كالزكاة- إن طلبوا جمعها. وهنا تأتي مسألة: إذا علم من عليه الزكاة أن هذا الأمير أو الخليفة ظالم، ولا يضع هذا المال في موضعه، فهل يجب عليه أن يعيد إخراج الزكاة؟ هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح: لا يجب عليه، بدلالة هذا الحديث. قال النبي ﷺ: «فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، فأنت الذي عليك أديته، فبقي الذي عليهم، الله سيسألهم عن ذلك. فلا يجب عليك أن تؤدي الزكاة مرة أخرى. ولا يجب لك أن تلزم الناس بإخراج الزكاة مرة أخرى. وأما من رأى من نفسه أنه يطيب نفسه بإخراج تكرار إخراجها، فهذا شيء من عنده. أما أن يجب عليه، فالصحيح أنه لا يجب عليه. وفي قوله ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» -كما قال شيخنا رحمه الله في تعليقه- في هذا دليل على تسمية الشريعة سياسة. فالأنبياء إنما أتوا بشرائع، فتدبير أمور الناس بشريعة الله من السياسة الشرعية الصحيحة. ولهذا ألف شيخ الإسلام رحمه الله هذا الكتاب، فسماه: «السياسة الشرعية»؛ لأن الشرع أمر بتدبير أحوال الناس بهذه الشريعة، وسمي ذلك سياسة. ليست السياسة بمعناها المعاصر -المتضمنة على الكذب والدجل والخيانة والمكر والتبعية لأعداء هذا الدين بصور متنوعة مختلفة- ولكن المراد بالسياسة في هذا المقام هو: تدبير أحوال الرعية والراعي بمقتضى شريعة الله التي أنزلها سبحانه وتعالى. وفي قوله ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» إشارة إلى أن علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل؛ لأنه قال ﷺ: «وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء ويكثرون». ومعنى أن من يخلف الأنبياء من العلماء هم الذين ينبغي أن يسوسوا الرعاة والرعية. فعلى الخلفاء والرعاة أن يرجعوا إلى العلماء؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، فهم بمثابة أنبياء بني إسرائيل الذين جعلهم الله عز وجل يسوسون أممهم. فكذلك العلماء -علماء الكتاب والسنة أتباع السلف الصالح- بما عندهم من العلم والدين يسوسون أحوال هذه الأمة بما فيه صلاحها ورشدها وخيرها في الدنيا والآخرة. وفي قوله: «وسيكون خلفاء ويكثرون» علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل صدق رسالته ﷺ؛ إذ أنه سيكون في آخر الزمان خلفاء ويكثرون، وقد وقع ذلك، فتفرق المسلمون تحت خلفاء كسروا. فقالوا: «فماذا تأمرنا؟» قال: «أوفوا ببيعة الأول فالأول». وفي هذا حكم شرعي: أن الطاعة تبقى للأول، فإذا زال الأول وتمكن آخر، فللثاني ما دام مسلما. لا ننزع يدا من طاعة، ولا نشق عصا المسلمين، ولا نفرق جمعهم، بل نحاول أن نجمع المسلمين على الحق والهدى الذي أمرنا بالاجتماع عليه. وفي قوله: «ثم أعطوهم حقهم» أمر منه ﷺ أن يعطى الخلفاء والأمراء والولاة حقهم الذي لهم من الطاعة، وكذلك أداء الأمانات -منها الزكاة ونحوها- وهذا هو الشاهد. فلا يمنعنا ظلم ولا غيره أحدا من الطاعة. قال: وفيه -أيضا- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها»، قالوا: «ما تأمرنا يا رسول الله؟» قال: «أدوا إليهم حقهم، واسألوا الله حقكم». وهذا بمعنى الحديث الذي قبله، وتأكيد أنه سيكون شيء من الظلم والأثرة في الخلفاء في آخر الزمان والأمراء. ومعنى الأثرة: أي إيثار واستئثار، إيثار بعض المقربين ممن حول هؤلاء الأمراء، فيعطون ما لا يعطى الناس، واستئثار بالنفس، فيكتنزون ويستكثرون بما لا يكون لهم فيه حق، وبما هو من حق الرعية. وهذا علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل صدق رسالته ﷺ. ومع ذلك لم يأمر بعدم طاعتهم وعدم إيصال الحقوق إليهم، بل أمر بطاعتهم وإيصال الحقوق إليهم، وأن يسألوا الله حقهم إن منعوا الحق. والله عز وجل سيسأل هؤلاء يوم القيامة -كما تقدم في الأحاديث القريبة- وغيرها من الأحاديث الأخرى الكثيرة التي فيها الوعيد الشديد فيمن تولى ولاية واسترعاه الله رعية فلم يقم فيها بنصحه، أو النصح الذي أمر به شرعا. وفي قوله: «أمور تنكرونها» كذلك في علم من أعلام نبوته وصدق رسالته؛ في كون بعض الأمور المنكرة تظهر على أيدي بعض الأمراء المتأخرين. ومع ذلك لا يجوز الخروج عليهم، ولا يجوز نزع يد الطاعة؛ حفاظا على قوة المسلمين، وأن لا يتطاول الكفار -بالذرائع الكثيرة- في التسلط على المسلمين إنهم تفرقوا وتمزقوا. والخلاف شر، والمصالح المترتبة على الاجتماع كثيرة، والمفاسد المترتبة على التفرق كثيرة. فلذلك أمرنا بالاجتماع، ونهينا عن الافتراق، وأمرنا بالطاعة، ونهينا عن المعصية ما داموا مسلمين. قال رحمه الله تعالى: وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم -كما يقسم المالك ملكه-؛ فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء، ليسوا ملاكا -كما قال رسول الله ﷺ: «إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه. والشاهد يريد أن يقول: كون هذه الأحاديث وردت -يعني التحذير- لولاة الأمور ومن في يده شيء من الأمانات -خصوصا الأموال- أن يقسمها بما أمره الله، لا بالهوى، لا بالهوى؛ لأنه ليس مالكا، وإنما هو أمين، ومستأمن على هذا المال، ونائب ووكيل. مثله كمثل من وضعت عنده عارية وأمانة. وتقدم معنا ذلك الأثر حين دخل الرجل وقال: «السلام عليك أيها الأجير»، فقيل: «قل السلام عليك أيها الأمير». قال: «بل السلام عليك أيها الأجير». قيل: «قل السلام عليك أيها الأمير». كررها ثلاثا. القصة قد مرت معنا. فالأمراء بمثابة الأجراء؛ فإن الله عز وجل استرعاهم رعية، وسيسألهم عن هذه الرعية وهذه الأمانة. فلذلك لا يجوز قسمتها بالهوى والعاطفة، وإنما بالعدل الذي أمره الله. وأكد ذلك بحديث النبي ﷺ الذي أشار إليه في قوله ﷺ: «إني والله أقسم...» -ﷺ وهو الصادق المصدوق- لا يحتاج إلى قسم، لكن تأكيد منه ﷺ لهذا الخبر الذي سيخبر به: «إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت». ومعناه: لا تظنوا أني إذ أعطي فلانا وأعطي وأمنع فلانا لأجل شيء مني، وإنما الله يأمرني، فهو قاسم، والله عز وجل آمر، هو قاسم فقط يقسم بما أمره الله. قال: فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادة واختياره -كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله- المالك أنت إذا عندك مال تعطي من تشاء وتمنع من تشاء، ما أنت كذلك. أمرت أن تفعل الأفضل والأحسن. لكن لو أعطيت زيدا من الناس وهو غني، ما أحد يحاسبك؛ لأنه مالك تعطيه من تشاء. بخلاف أموال الزكوات والغنائم ونحوها؛ فإن ولاة الأمور أمروا بوضعها حيث أمرهم الله أن يضعوها. قال رحمه الله: فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادة واختياره -كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله- وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من أبغضوا. وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره، فيضعه حيث أمره الله تعالى. وبه نعرف تلك المظالم الكثيرة التي يتحملها أرباب الأمانات في الأموال؛ إذ قسموها بحسب أهوائهم وشهواتهم. وكما تقدم: الكثير -إلا من رحم الله- يجعل ذلك فيمن يعينه على بقاء ملكه، وكذلك تمكينه من سلطانه، لا بحسب ما أمره الله من القسم والعدل. وليس هذا بصواب. وأعظم من ذلك: أن يكون فيما هو دون هذا بكثير -من العبث والإسراف والتبذير- كإعطاء الشعراء والسفهاء وغير ذلك؛ لأنهم يتحفون مجالسهم باللهو والضحك ونحو ذلك. وهذا لا شك أنه إضاعة للأمانة. قال: وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى». فقال له عمر: «أتدرى ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟». ومعناه: إنما أنا كالمندوب عن الرعية، فالمال الذي في يدي ليس مالي، إنما هو مال الرعية. فلا يجوز أن آخذ منه إلا كما يأخذون. فرحمه الله ورضي الله عنه. قال: وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مال عظيم من الخمس، فقال: «إن قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء». فقال له بعض الحاضرين: «إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى، فأدوا إليك الأمانة، ولو رتعت رتعوا». ومعنى: «لو رتعت رتعوا»: لو أخذت بغير حق أخذوا بغير حق. وكما تقدم: كما قيل: «كما تكونون يولى عليكم». فإذا صلحت الرعية ولى الله عز وجل عليهم الصالحين. وإن كانوا غير ذلك، فبظلمهم وذنوبهم يولى عليهم من يشق عليهم. قال: وينبغي أن يعرف أن ولي الأمر كالسوق، ما نفق فيه جلب إليه. هكذا قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جلب إليه ذلك. وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة جلب إليه ذلك. والذي على ولي الأمر أن يأخذ المال من حله ويضعه في حقه، ولا يمنعه من مستحقه. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك، أو يتركوا حقك». فيتبرؤون -رضي الله عنهم ورحمهم الله- من مظالم من تحت أيديهم. والمعنى: ينبغي على ولاة الأمور أن يحرصوا على إصلاح أحوال أنفسهم؛ فهم بمثابة السوق. فإذا كان السوق حرص فيه على الصدق جلب الناس فيه معنى الصدق. وإذا كان السوق يقبل الغش صار يجلب إليه الغش. قال: وأنتم ترون هذا في واقع الناس. أليس كذلك؟ أذكر حين ذهبت مع بعض الإخوان إلى الصين، وكان أحد الإخوان يريد أن يشتري سلعة، فقالوا له: «من أين؟» قالوا: «من اليمن». قال: «سوقكم هناك!» لماذا؟ لأنهم يكثر فيهم الغش. فيعطون سلع تناسب أسواقهم -سلع مغشوشة- الشيء نفسه، الإسم واحد، لكن البضاعة ربما ما تعبرك إلا أسبوع، تشتري مسجلة تمشي معك سبعة أيام بالكثير، ثم تذهب تشتري واحدا أخرى -نفس الإسم- لكن البضاعة تناسب هذا السوق. وفي دول أخرى يأتون بعضهم يأتي من بلاد أخرى، فتكون له سلع، فتكون له سلع تناسب السوق الذي في بلاده؛ لأن هناك تشديد في المواصفات والمعايير، فلا تدخل السلع المغشوشة، يمنع من دخولها. فتكون فيها شيء من زيادة الأسعار، لكنها جيدة. وهذا مثل يقرب المعنى. فكذلك الأمراء إذا حرصوا على الصدق والأمانة وكذلك العدل، فإنهم يعانون على ذلك، فيجدون أهل الصدق يتواردون إليهم. وأما أهل الخيانة والفجور يبحثون لهم عن سوق آخر، ما يأتون عندهم. قال: الرجل الشريف العفيف ما يتساقط عليه أهل الفحش والفحشاء. والرجل النذل الخسيس يتساقط عليه ويتلقفه أهل الفحش والفحشاء. أليس كذلك؟ المرأة العفيفة ما يؤذيها أحد. والمرأة الساقطة يجري خلفها السقطة. وهكذا. فإذا حرص ولي الأمر على الصدق والعدل والبر والأمانة، فسيرد إليه من يعينه على ذلك. وسينظر منه أهل الكذب والفجور والجور والخيانة، سيبحثون لهم عن أمير آخر يناسبهم، ويوافق ما يريدون ويطمعون. وهذا -منه رحمه الله- وعظ عظيم وتذكير كبير. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا، وأن يجعل ذلك حجة لنا لا علينا. إلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: نحن إخوة من السنغال، وافترق الإخوة عندنا في مسألة، وهي: في بيعة الأمير على التالي. فقال بعضهم: «لا تجب بيعة الأمير إلا إذا حكم بما أنزل الله». ونحن هنا في السنغال الحاكم لا يحكم بما أنزل الله، إذن لا بيعة له. وقالوا: «إن هذا هو قول الشيخ ربيع والشيخ الفوزان -حفظهم الله-. ثم هذه الطائفة يقولون: «إن طاعة الأمير واجب بلا بيعة». وقال بعضهم بوجوب البيعة. فالسؤال: ما هو القول الصحيح فيما سبق؟ وما الفرق بين البيعة وبين الطاعة؟ وبين طاعة الأمير؟ وما هو موقفنا نحن هنا في السنغال؟ بارك الله فيكم. قلت: السؤال قبل هذا: أمير السنغال مسلم أو كافر؟ عند من مسلم؟ إذا كان مسلما يجب طاعته. إذا كان مسلما تجب طاعته في طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لأن الطاعة ليس لأجل الصلاح، ولا كذلك لأجل الحكم فقط، وإنما الطاعة لكونه مسلما، لا يزال في حدود الإسلام، فيطاع بما ليس فيه معصية لله؛ لأن طاعته سبب لاجتماع المسلمين وقوتهم، وعدم تسلط أحد عليهم -مع حرصهم على مناصحة الحاكم وولي الأمر بما يكون به إصلاح حاله وحال المجتمع-. وأما كونه لم يحكم بما أنزل الله، فيفصل: هل لم يحكم بما أنزل الله بمعنى: وقع في الكفر البواح؟ أم لم يحكم بما أنزل الله بمعنى: أنه لم يقع في الكفر البواح، وإنما قصر في ذلك؟ فإن كان الأول، فإذن هو ليس بمسلم، إذا ثبت أنه وقع في الكفر ونصح وأصر وعاند عليه، فهو ليس بمسلم، ولا طاعة له في ذلك. ولكن إن أطيع أطيع فيما هو طاعة، درءا للمفسدة وجلبا للمصلحة، لا لأنه يستحق الطاعة. وأما إذا كان ما زال في الإسلام، وإنما الحكم بغير ما أنزل الله كان بمسائل ربما يكون متأولا أو مجتهدا أو جاهلا فيها، أو ربما حتى ظلم لهوى ولشهوة ولغير ذلك، فهو كفر دون كفر، ليس كفر يخرج من الملة، فتعطى له الطاعة مع المناصحة. وأما مسألة البيعة: فليست كذلك، بل نص العلماء أن من استتب له أمر الإمارة بقهر السيف والسنان، فتجب طاعته حقنا لدماء المسلمين، وحفظا لاجتماعهم، حتى لا يحصل الشر في المجتمع المسلم. وأما الفرق بين البيعة والطاعة: فالطاعة أوسع من البيعة. البيعة تكون في تولية الأمير، وهي لا تكون لكل أحد، وإنما لأهل الحل والعقد. وتفصيل ذلك في كتب الفقه، وكذلك شروح الحديث، وبعض كتب العقائد. ولكن هذه إجابة مختصرة تناسب المقام. والله أعلم.