الدرس في شرح السياسة الشرعية 43، الدرس الثالث والأربعون:من( الفصل السادس:حد شارب الخمر والقذف ... وخلفائه الراشدين وأصحابه رضي الله عنهم أنه حرم كل مسكر وبين أنه خمر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع تحريم الخمر وأدلته من السنة النبوية، ويشرح أنواع الخمور المختلفة وحرمة كل مسكر، كما يتناول حد شارب الخمر واختلاف العلماء في حكم القتل في الرابعة.
يتناول المقطع مسألة التعزير بالقتل في الإسلام، ويشرح آراء العلماء في جواز القتل تعزيرًا لمن يتكرر منه الفعل الشائن، مع التركيز على تطبيقه على شارب الخمر.
يجوز إعطاء الغلمان ما زاد عن الحاجة من الطعام إذا كان حلالا، ولا يجوز إعطاؤهم ما تغير وصار خمرا، وهذا الحكم مبني على الأدلة الصحيحة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب «السياسة الشرعية»: «قال الفصل السادس: حد شارب الخمر والقذف». قال: «فصل: وأما حد الشرب، فإنه ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين. فقد روى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه». قال: «وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة هو وخلفاؤه والمسلمون بعده. والقتل عند أكثر العلماء منسوخ. وقيل: هو محكم. ويقال: هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة». شرع رحمه الله في هذا الفصل في الكلام على حد شرب الخمر والقدح، وقد جمع بينهما لما سيأتي معنا إن شاء الله من تشابه وإلحاق جرى في هذين الحكمين. والخمر محرمة بنص الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» الحديث. وهكذا كذلك صحت أحاديث كثيرة في هذا الباب، وسيأتي معنا بعضها إن شاء الله تعالى. ثم قال رحمه الله: «وأما حد الشرب، فإنه ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين». ثم ذكر هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في السنن كما أشير في التعليق، حديث صحيح له أسانيد يشد بعضها بعضًا ويرتقي بها إلى الحسن. وقد أخطأ من ضعف هذا الحديث، كالعقيلي رحمه الله وغيره من أهل العلم. فإن بعضهم استنكر هذه اللفظة في آخره في قوله: «ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه»، وعارضه بأحاديث أخرى صحيحة. والصحيح أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، وأن هذا الحديث قد صحت فيه روايات تشهد أنه من الأحاديث الصحاح. وقد ألف الشيخ أحمد شاكر رحمه الله رسالة في تصحيح هذا الحديث وإثبات حكمه، سماها «القول الفصل في حد مدمني الخمر». وأشار رحمه الله شيخ الإسلام هاهنا أن الجلد جلد شارب الخمر الثابت في أحاديث كثيرة، وفعله الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعدهم، وفيه إثبات أنه حد أولًا. وقد اختلف أهل العلم هل هو حد أو ليس بحد؟ وجمعًا بين الأدلة، كما سيأتي معنا إن شاء الله، يعلم أنه حد، ولكن لم يحده النبي صلى الله عليه وسلم بعدد معين. وبتتبع الأحاديث الواردة في هذا الباب، يعلم أنه حد لا يقل عن الأربعين. حد لا يقل الجلد فيه عن الأربعين، ولا ينبغي أن يزيد عن الثمانين. وهذا هو فهم السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم. ومن تتبع النصوص والآثار الواردة في هذا، وجد أنها بين هذين العددين، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وأما كونه لم يحد بحد معين، فهذا لا ينفي كونه حدًّا؛ لأن الأمر بما جاء في الشرع، فما جاء الشرع فيه بتحديد حد، وما جاء الشرع فيه بإطلاق أطلق، وما جاء فيه بتحديد مقيد بين عددين، فإنه كذلك يحد بتقييد بين عددين. وسيأتي معنا إن شاء الله الإشارة إلى ذلك. وقوله: «القتل عند أكثر العلماء منسوخ»، كما ذكر الإمام الترمذي رحمه الله وغيره من الأئمة، أن قتل شارب الخمر في الرابعة، قال: «بنسخه أكثر العلماء». وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن هذا الحديث: لماذا لم تعمل به؟ فروي أنه قال: «إنما أعمل بما كان عليه الصحابة، أي في آخر أمرهم». وذكر حديث عثمان بمعنى حديث مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث». واستهدف معنى أنه في الحقيقة لا يعارضه. ومعظمهم استدل بنسخه كذلك بقصة عبد الله بن حمار، كما جاء في البخاري من حديث عمر، وجاء كذلك خارج الصحيح في طرق كثيرة: أن رجلًا لعنه من كثرة ما كان يؤتى به، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إنه يحب الله ورسوله». فعلم بهذا أن تكرار الإتيان بهذا الرجل لم يقتض القتل. فقال بعض أهل العلم بهذا الحديث: أنه دليل على نسخ هذا الحديث إن صح -يعني القتل في الرابعة-. وعارض بعضهم هذا الحديث بهذا الحديث، وقال بظاهره. وروي هذا عن عبد الله بن عمر، أي أنه محكم كما ذكر، وليس بمنسوخ. وذكر ابن رجب رحمه الله في «جامع العلوم والحكم» من قال بهذا، وذكره عن عبد الله بن عمر. ويروى كذلك عن عبد الله بن عمر وجماعة. وأخذ الظاهرية بظاهره. والصواب في هذا هو التفصيل. فإن حكم القتل في الرابعة، الصحيح أنه تعزير جمعًا بين الأدلة، ولكنه تعزير للإمام، ليس بالتشهي وكذلك الهوى، وإنما هو بمثابة رد الصائل. ولهذا فالصحيح من أقوال أهل العلم أن هذا الحكم لا ينحصر بشرب الخمر، بل يجوز للإمام أن يعزر بالقتل في الخمر وفي غيره إذا اقتضى المقام ذلك، ولكن بهذا القيد: لمن يتكرر منه، وهو بمثابة رد الصائل. فأخطأ المالكية حين توسعوا في باب التعزير بالقتل، وأخطأ من عارضهم حين أغلقوا باب التعزير بالقتل، وزعموا أن التعزير لا يزيد فيه عن عشر جلدات. وقولهم: «أن لا نعرف تعزيرًا بالقتل»، هذا ليس بالصحيح. والصواب في هذا هو هذا الوسط: أنه يجوز التعزير بالقتل، ولكن بهذا القيد والشرط، وهو لمن يتكرر منه ما يقتضي التعزير، فيكون كرد الصائل. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله -شيخ مشايخنا رحمه الله تعالى- عن رجل هرب بامرأة برضاها، وأن أحد القضاة أفتى بالقتل تعزيرًا ردعًا -يعني سدًا لهذا الباب- فهل تصح هذه الفتوى؟ فذكر رحمه الله أن هذا خلاف الصواب، وإنما التعزير بالقتل بهذا القيد: لمن يتكرر منه ذلك، ويكون كرد الصائل. وذكر أن الصواب في مثل ذلك أن يعزر تعزيرًا بما هو دون القتل، بما هو دون القتل. فيعلم بهذا أن من فعل شيئًا مرة واحدة لم يعلم أنه كرر ذلك، فالصواب أنه لا يصل حد التعزير معه إلى القتل. وأن من فعل شيئًا تكرر منه ذلك، يعلم أنه لا يدفع شره إلا بالقتل، فإنه يعزر. يجوز أن يفتي الإمام أو القاضي أو الحاكم بقتله تعزيرًا؛ لأنه تكرر منه ذلك، ولأنه كذلك لا يرتدع إلا بالقتل كرد الصائل. وعلى هذا قول من قال فيمن أمر أو أفتى بقتل السارق في الخامسة، قالوا: لأنه بعد قطع أطراف الأربعة لا حق لهذا السارق بالحياة. خلاص قطعت أطراف الأربعة، ولا يزال يسرق، إذن هو الذي قضى على نفسه بأنه لا يريد الحياة ولا يستحق الحياة، فيكون ردعًا له. فعلى هذا قال من قال بذلك، وقيده بعضهم إذا صح به الحديث. فعلمنا بهذا هذه القاعدة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه معنى ذلك، وأشار أن الصواب في هذه المسألة التوسط والقول بالتعزير. وذكر المرداوي نحو هذا، والإمام ابن القيم في تعليقه على تهذيب سنن أبي داود ذكر نحو هذا كذلك. وأجاب عن الأدلة التي ذكرت حديث ابن مسعود وحديث عبد الله بن حمار وغيرها مما استدل به من قال بالنسخ. والصواب أنه لا نسخ في هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين. والحديث في الصحيحين. وجاء ببعض الروايات أنهم ضربوا بغير عد، فمنهم الضارب بيده، ومنهم الضارب بنعله، ومنهم الضارب بطرف ثوبه. وهذه الرواية تحمل على هذا: أنهم ضربوا بما لا يقل عن أربعين. هذا بيده، وهذا بنعله، وهذا بطرف ثوبه، لكن بما لا يقل عن أربعين. فالسنة توسر بعضها بعضًا. قال: وكان علي رضي الله عنه يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين. وهذا يؤيد أن هذا من باب التعزير، وأنه يجوز للإمام أن يزيد عن الأربعين للتعزير. وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما فتح الله على المسلمين بلادًا كبيرة وكثيرة، وكثر حدثاء كثر في المسلمين من هو حديث عهد بإسلام، كثر شرب الخمر في زمانه رضي الله عنه أرضاه، فاستفتى الصحابة رضي الله عنهم ما يصنع في ذلك -يعني يريد شيئًا يزيد فيه حتى يكون فيه زيادة ردع للناس- فجمع من جمع من أهل مشورته، فأشار عليه علي رضي الله عنه بأن يجلد ثمانين، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه من قوله ولا من فعله وإقراره أنه جلد ثمانين. فقال: «أرى أن يجلد ثمانين؛ لأنه إذا شرب هدى، وإذا هدى قدف، وحد القدف ثمانون». فاستحسن ذلك عمر رضي الله عنه، فكان يجلد ثمانين. فكان يجلد ثمانين. وأما ما ثبت عن علي، فإنه يحمل على هذا: إذا كان المقام لا يقتضي الزيادة على ثمانين، فإنه يجلد أربعين هذا هو الأصل. وإذا رأى الناس تفشوا في ذلك، أو رأى إنسانًا يتكرر منه ذلك، زاد عليه إلى الثمانين. وهكذا على الصحيح: إذا لم يرتدع الناس إلا بالقتل، فمن تكرر منه ذلك، وعلم أنه صاحب فساد وإفساد، وهو ممن يكون أسوة سيئة في المجتمع، فإنه يضرب به المثل في الشر، فكذلك يضرب به المثل في العقوبة. قال: «قال فيمن العلماء من يقول: ضرب الثمانين. ومنهم من يقول: الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة، إذا أدمن الناس الخمر، أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ونحو ذلك». وهذا هو الصواب، كما دلت عليه الآثار، وما تقدم مما فعله عمر رضي الله عنه، وهكذا غيره من الصحابة من بعده. قال رحمه الله: «فأما مع قلة الشاربين، وقرب أمر الشارب» -ومعنى قربه: يعني من الخير، كونه مثلًا يصلي، ولكن قد يقع منه ذلك زلة، أو بسبب كونه مثلًا حديث عهد بالتزام أو بإسلام أو نحو ذلك، فيعان على الخير- «فتكفي الأربعون». وهذا أوجه القولين، وهو قول الشافعي وأحمد رحمهم الله، في إحدى الروايتين عن أحمد. فهذا ترجيح من شيخ الإسلام: بأن الصواب ليس الثمانين. حدًا، فالثمانون إنما هو كالتعزير، يلجأ إليه عند الحاجة. قال: «وقد كان عمر رضي الله عنه لما كثر الشرب -يعني في زمانه، والسبب هو كثرة دخول الناس في الإسلام، وأكثرهم حدثًا عهدًا بإسلام- لم يتركوا ما كان في جاهليتهم بالمرة». قال: «زاد فيه النفي حلق الرأس، مبالغة في الزجر عنه». وهذا يدل أنه كان يفعل أكثر من كيفية في التعزير. هذا إن صح عنه، وقد رويت من أوجه، لكن في بعضها انقطاع وبلاغات. قال: «فلو عزر الشارب مع الأربعين بقطع خبزه، أو عزله عن ولايته، كان حسنا». وفي نسخة عندي: «بقطع خبره». ويحمل هذا: أنه إن كان له شيء يأتي من بيت المال، كأن يكون من العمال الذين ينفق عليهم من بيت المال، فيقطع عنه، ثم يمنع من العمل إن لم يرتدع، فإنه لا يليق بمن كان هذا وصفه أن يكون من عمال الدولة. وفيه كذلك معنى آخر من السياسة الشرعية: أنه لا ينبغي أن يبقى في عمال الدولة من فيه شيء من الفسوق الملازم. أما من قد يقع منه بعض الفسوق، فإنه لا يسلم منه أحد من عامة المسلمين في الغالب، لكن يطلب منه الاستقامة، فإن استقام أبقي، وإن لم يستقم فإنه يشدد عليه شيئًا فشيئًا. فيجوز مثلًا أن يخصم من راتبه، ويجوز أن يمنع منه مرة، وإن لم يرتدع فيعزل. قال: «أو عزله عن ولايته كان حسنا». فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه عن بعض نوابه أنه تمثل بأبيات في الخمر، فعزله. وهذا وهو لم يشربها، لكن فقط قال هذه الأبيات في الخمر -يعني في مدحها ووصفها- فأراد أن يردعه، وأن كذلك يمنع من فعله حتى لا ينفتح ذلك على الناس فيفتنهم. قال: «والخمر التي حرمها الله ورسوله، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها، كل شراب مسكر من أي أصل كان، سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين، أو الحبوب كالحنطة والشعير، أو الطلول كالعسل، أو الحيوان كلبن الخيل» -يعني من أي شيء كان- لعموم ما سيأتي معنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». وما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام، كما في الصحيح وخارج الصحيح: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وصح من حديث عمر في الصحيح أنه قال: «إن الخمر كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أشياء، وذكر العنب والتمر والعنب والحنطة والشعير والحب». ثم قال: «وما خامر العقل فهو خمر» -يعني ولو من غير هذه الخمسة-. ولما انفتحت بلاد كثيرة من بلاد الناس، دخل على الناس أشياء ما كانوا يعرفونها، فصاروا يتوسعون في صنع الخمر من أشياء ما كان يعرفها بعض المسلمين أو الكثير من المسلمين، فحتى لا يلتبس بيّن العلماء أن ما أسكر فهو خمر، ولو كان من غير المعتاد. ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه كأمثلة، وليست كالحصر. سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين -يعني وغيره من الثمار- فكل ما أسكر كثيره فقليل حرام، حتى ولو كان القليل لا يسكر، ما دام الكثير يسكر، فالقليل حرام، حتى ما يكون ملء الفم وملء الكف منه، فإنه حرام. وهكذا ما كان من الحبوب، كان الغالب من الحنطة والشعير، ثم صار من غيره من أنواع الحبوب الأخرى، فكذلك هو خمر. أو الطلول، والمراد به ما يستخرج من الأزهار، سواء العسل أو ماء الورد أو غير ذلك، فإنه كذلك ما دام يسكر هو حرام. أو من الحيوان، وذكر مثال كلبن الخيل. وبعضهم يخص لبن الخيل، يزعم أنه يجلب القوة. ومثله كذلك ما يزعمه بعض الناس من أنه يجلب الدفء في البرد، كشربهم بعض أنواع الخمور من بعض ما يظنون أنه يجلب الدفء، فكل ذلك حرام. ما أسكر كثيره فقليل حرام، أو حتى ما قيل أنه للدواء والعلاج، فإنه حرام لا يجوز. قد ثبت بصحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صنع الخمر للعلاج وللدواء، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: «إنها ليست بدواء، بل هي داء». قال رحمه الله تعالى: «بل لما أنزل الله سبحانه وتعالى على نبي محمد صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر، لم يكن عندهم بالمدينة من خمر العنب شيء؛ لأنه لم يكن بالمدينة شجر عنب، وإنما كانت تجلب من الشام، وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر». هذا هو الغالب، وإلا فقد وقع. وفي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه: «أن الخمر كان في زمانهم من خمسة أشياء، وذكر التمر والعنب». والعنب يؤتى به من الطائف كذلك، ففي الطائف عنب، فأهل مكة يعرفون العنب ويعرفون خمر العنب. قال: «وقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين وأصحابه رضي الله عنهم: أنه حرم كل مسكر، وبيّن أنه خمر». وقد صح فيها أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عمر: «ما أسكر ملء الكف منه فكثيره حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام». واليوم توجد أجهزة ووسائل حديثة يمكن تمييز الخمر من غيره -يعني حتى لو ادعى إنسان أنه شرب نبيدًا وهو بالحقيقة خمر، يمكن أن يكتشف ذلك-. في القديم كان يستنكه الشارب -معنى يستنكه: يشم في فمه- فأهل الخبرة يميزون إذا شموا رائحة الخمر جلدوه، وإذا لم يجدوه تركوه. واليوم توجد أجهزة حديثة ممكن توضع في الفم أو تفحص بها الدم، فيعرف به وجود أثر الخمر فيه أم لا. مع أن بعض هذه الأجهزة قد تخون؛ لأنها قد تعطي الدرجة العالية إذا وقع الشرب إلى حد يكون فيه الضرر، فعند ذلك يظهر في هذا الجهاز. وأما إذا شرب شيئًا يسيرًا ربما لا يظهر. إذا شرب شيئًا يسيرًا ربما لا يظهر. ولذلك فإنه قد يحتاج إلى غيره كالرائحة ونحوه. قال: «وكانوا يشربون النبيذ الحلو، وهو أن ينبذ في الماء تمر وزبيب -أن يطرح فيه- والنبذ الطرح- ليحلو الماء، لا سيما كثير من مياه الحجاز، فإن فيه ملوحة- فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين -يعني يحلون به الماء- وهذا معروف، إذا تركت العنب في الماء فإن حلاوة العنب تخرج إلى الماء، أو الزبيب يخرج إلى الماء، أو التمر يخرج إلى الماء، ويجوز أن يشرب الإنسان النبيذ ما لم يتغير. والغالب أنه يتغير بعد ثلاثة أيام في البلاد الحارة. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يشربه بعد ثلاثة -يعني بعد ثلاثة أيام-. وأما ما صح أنه كان يعطيه بعض غلمانه، ليس لأنه يعطيه الحرام، ولكن يعطيه ما يجوز، وهو لم يصل إلى حد الحرام، فهو بمثابة إعطاء فضل الطعام، بدلا من أن يرمى ما دام يوجد من هو يحتاج لفضل الطعام. ما دام يوجد من يحتاج لفضل الطعام. وأما إذا تغير وصار خمرًا، فإنه لا يجوز -لا لكبير ولا لصغير-. وهذا هو الذي صحت به الأدلة». طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.