الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحدث عن الجنتين الأخريين المذكورتين في القرآن لمن خاف مقام ربه، ووصف ما فيهما من نعيم وعيون وأشجار. وأوضح المفسر معاني الآيات ودلالاتها.
الآيات تشير إلى أن الله يكرم أهل جنته، والجنان الأربع تحتوي على نعيم مقيم لم تره عين ولم تسمع به أذن. الجنتان الأخيرتان وُصفتا بأنهما مدهامتان.
يصف نعيم الجنة المذكورة في الآيات القرآنية، ويشبهها ببستان كثيف الأشجار والثمار، ويبرز عظمة نعيمها بما فيها من عيون ماء نضاحة وفاكهة متنوعة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مَدْهَامَّتَانِ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال المفسر رحمه الله: «ومن دونهما» أي الجنتين المذكورتين جنتان أيضا لمن خاف مقام ربه، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مَدْهَامَّتَانِ سوداوان من شدة خضرتهما، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ثَوَّارتَانِ بالماء لا ينقطعان، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ هما منها وقيل من غيرها، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في وصف الجنة وأهلها ونعيمها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم والسامعين من أهلها، وأن يجعلنا وإياكم والسامعين من عذاب نار جهنم. يقول الله عز وجل: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قال: «ومن دونهما جنتان»، قال المفسر رحمه الله: أي الجنتين المذكورتين جنتان أيضا لمن خاف مقام ربه؛ لأن الواو تعطف الجمل بعضها على بعض، والمقصود الجنتان المذكورتان في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. فلما ذكر الجنتين في أول الآيات، ثم بعد أن ذكر من وصف الجنتين ما سبق معنا في الآيات بعدها، وذكرها هنا جنتين أخريين، دل على أن الجنتين المذكورتين ها هنا غير الجنتين المذكورتين قبل ذلك. ومر معنا في الحديث ما يدل على ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» الحديث. والآية توافق ما في ذلك الحديث، والحديث يفسر ما في الآيات، ومعناه أن الله يكرم أهل جنته، ولمن خاف مقام ربه بهذه الجنان الأربع، وكل جنة فيها من الصفات والنعيم المقيم ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر. وما ذكر من المسميات مما في الدنيا، فإنما هو لتقريب المعنى وإلا فليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء، جعلنا الله وإياكم والسامعين من أهل نعيمها. وقوله سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ بعد أن ذكر الجنتين، ليدل ذلك على أن ما في الجنتين شيء عظيم لا يوصف، ولذلك لم يذكر مفصلا. وهذا معناه أن ما في هاتين الجنتين أعظم مما ذكر في الجنتين السابقتين، ففيه التدرج من الأسفل إلى الأعلى، فكأنه يقول جل وعلا: ما ذكر لكم من وصف الجنتين السابقتين، ففي هاتين الجنتين اللتين هما دونهما أعظم من تلك الجنتين. وقوله سبحانه: ﴿مَدْهَامَّتَانِ﴾، قال المفسر رحمه الله: سوداوان من شدة خضرتهما، والمدهام ليس هو الأسود كما لا يخفى؛ فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، ولكن هو ما يكون في الجنان من اختلاط تلك الخضرة والفواكه والأزهار وغيرها من أنواع النعيم حتى يكسب تلك الظلمة، فكأنها أنواع من الألوان والدهان تخالطت بعضها ببعض فأكسبت ظلمة في جمال. وهذا قليل من كثير من وصف هذه الجنة العظيمة التي اكتنز واختبأ الله عز وجل وصفها لعظيم ما فيها لعباده، فكأنه يقول: فيها من أنواع النعيم شيء عظيم وكثير حتى كأنها ألوان اختلطت بعضها ببعض فأكسبت ظلمة من شدة وكثرة ما فيها من خيرات. وهذا يعرف لمن دخل البساتين والجنان في الدنيا، وإنما هذا تقريب للمعنى وإلا فليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء. فأنت إذا دخلت في بستان وجنة كثير أشجارها، كثير ثمارها، كثير زهورها، تختلط الألوان: ألوان أوراق الأشجار، وتلك الزهور والثمار، حتى كأنك في وقت الغروب وأنت ربما في أول الصباح أو في وسط النهار من شدة اختلاط هذه الأشجار والثمار والأوراق وغير ذلك حتى أكسبت المكان ظلمة. وهكذا كذلك هذه الجنان الموصوفة في هذه الآيات، ولهذا قال بعدها: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ومعناه: أن هذه الكلمة الواحدة تناولت عدة آلاء ونعم عظيمة يكرم الله عز وجل بها عباده المؤمنين والمتقين. وهذا من بلاغة القرآن أن يذكر كلمة واحدة تشير إلى نعيم عظيم، وكذلك أنواع من معاني رحمة الرب الكريم سبحانه وتعالى. وقال بعدها سبحانه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾، قال المفسر رحمه الله: ثَوَّارتان بالماء لا ينقطعان. والفوار ليس هو النضاخ؛ فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى لا شك، ولكن هذا تقريب للمعنى؛ فالنضاخ هو الذي يخرج فيعطي قدر الحاجة، فيكون الماء مستمرا مع إرواء ما يحتاجه. وهذه الكلمة - النون والضاد - تدل على هذا المعنى: نضخ ونضخ ونضخ، زيادة في المبنى يدل على زيادة في المعنى، أي: يتكرر هذا التنضيخ، فهو منتظم انتظاما عظيما بديعا، يزيد في جمال الماء، ويزيد كذلك في جمال ما ينتفع به من هذا الماء. ولهذا كانت ذكر هاتين العينين كذلك آية عظيمة. لا يوجد لها معنى إنما فقط تقريب لما يمكن أن يوصف، وإلا فالأمر لا يمكن وصفه، ولهذا كذلك كانت بحد ذاتها آيات ونعم، فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؛ فهي تشير إلى نعم كثيرة تترتب على هذه النعمة. ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، قال: هما منها، وقيل: من غيرها؛ يعني: منها النخل والرمان. ولا شك أن النخل والرمان من الفاكهة، ولكن ذكر من باب عطف الخاص على العام تنبيها على ما فيه من معنى، فكأنه يقول: ومن أعظم فاكهتها النخل والرمان. ولكن ليس كنخل ورمان الدنيا كما جاء في الحديث في وصف بعض فاكهة الآخرة، وصف فيها وصف عظيم يدل على عظم ما يعطي الله عز وجل عباده في ذلك اليوم العظيم، وما يتنعمون به من نعم الله سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تأكيد أنها تتضمن آلاء ونعم كثيرة لا نكذب بشيء منها، يدل ذكرها على عظمها وعظم وصفها. وقوله سبحانه: ﴿فِيهِنَّ﴾، قال المفسر: أي الجنتين وما فيهما خيرات، قال: «أخلاقا حسان»، طيب هذا ما قرأناه. نترك هذا إن شاء الله إلى الدرس اللاحق، وإلى هنا والله تعالى أعلم.