التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 33

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 33

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 33، الدرس الثالث والثلاثون: الحديث المنقطع . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الحديث المنقطع لغة واصطلاحًا

يُعرَّف الحديث المنقطع لغةً بأنه ضد الاتصال، واصطلاحًا يشمل تعريفين مشهورين يتعلقان بانقطاع الإسناد. يُقسم إلى تعريف عام يشمل كل ما لم يتصل إسناده بأي وجه من أوجه الانقطاع، وتعريف خاص يركز على سقوط راوٍ واحد أو أكثر قبل الصحابي دون أن يكون على التوالي.

بيان حكم المنقطع وأمثلته

الحديث المنقطع هو الذي سقط منه راوٍ أو أكثر غير متتابعين، وقد يكون الانقطاع في أي موضع من السند، وحكمه الضعف لعدم الاتصال. يُعد المنقطع غير مقبول، وقد أشار الصنعاني عن ابن حجر إلى شدة المنع من قبول المنقطعات مقارنة بالمراسيل.

حكم المنقطع وتفصيله في الشواهد والمتابعات

يُعتبر المنقطع من الضعيف، واختلف العلماء في صلاحيته للشواهد والمتابعات. الصواب هو التفصيل بحسب القرائن والاعتضاد، حيث يصلح للشواهد إذا وُجدت قرائن تدعمه وعضد بما يماثله.

خاتمة وتأكيد على العلم الإلهي

ينتهي الحديث حول موضوع المنقطع مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى، مشيرًا إلى انتهاء الكلام في هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: قال في الحديث المنقطع، تعريفه لغة: هو اسم فاعل من الانقطاع، ضد الاتصال. واصطلاحًا: وقد مر معنا في التعليق على الشرح علاقة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي. قال: واصطلاحًا اختلف في المنقطع على أقوال، منها ضعيفة، ومنها ما يدخل في الآخر. وسأقتصر هنا على القولين المشهورين. ومن الضعيف ما أشار إليه في تعليقه على التعليق، ما قيل: فيما روي عن تابع أو عن من دونه موقوفًا عليه قولًا أو فعلًا، يعني زعموا أنه منقطع، وهذا قول غريب كما قال النووي رحمه الله: ضعيف، بعيد. يريد أن يقول: ليس كل ما قيل في تعريف المنقطع سأورده ها هنا، ولكن سأورد في تعريف المنقطع المهم الذي قوي فيه الخلاف، وهو أحد قولين مشهورين، كما سبقت الإشارة إليه، وسيأتي إن شاء الله. قال: وسأقتصر هنا على القولين المشهورين. الأول: هو الذي لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو أوسطه أو آخره. غير أن أكثر ما يوصف بالانقطاع رواية من دون التابعي عن الصحابي، كمالك عن ابن عمر، فهنا الساقط ما بين تابع التابعي والصحابي، قد يكون تابعي واحد، وقد يكون أكثر، وقد يكون هناك صحابي، وقد يكون أكثر. قال: فيدخل في هذا التعريف المرسل والمعضل والمعلق، فهو أعم منها مطلقًا؛ لاختصاص المرسل بحذف الصحابي، واختصاص المعضل بما سقط منه اثنان فأكثر على التوالي، واختصاص المعلق بحذف أول الإسناد؛ لأنه قال: هو الذي لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، فكل ما لم يحصل فيه اتصال فهو المنقطع، كما قال النظم: «وكل ما لم يتصل بحالي إسناده منقطع الأوصال». فتعريف صاحب النظم البيقوني رحمه الله جاء على معنى التعريف الأول. وكما أشار رحمه الله، هذا التعريف يدخل فيه أنواع أخرى من أقسام الحديث، كالمرسل والمعضل والمعلق؛ لأن المرسل ما حذف من آخره، وليس الصحابي فقط، لأنه قد يكون هناك تابعي محذوف، كما سبق الكلام على المرسل والمعضل: ما حذف منه اثنان فأكثر على التوالي، كما سيأتي إن شاء الله، من وسطه. والمعلق: ما حذف من أوله، أن يحذف المصنف شيخه فأكثر. وكل هذه المعاني تدخل في قول الناظم: «وكل ما لم يتصل بحالي إسناده منقطع الأوصال»، سواء كان الانقطاع في الأول أو في الوسط أو في الآخر. قال رحمه الله تعالى: وهذا التعريف هو الذي عليه الجمهور من الفقهاء والمحدثين، منهم الخطيب وابن عبد البر وغيرهما. عندي: «غيرها»، صوابه «وغيرهما». وهذا التعريف الذي أشار إليه: أنه المشهور عن جمهور أهل العلم، ليس معناه أن هؤلاء جميعًا لا يعرفون أو ينكرون التعريف الآخر؛ لا، لأن تعابير أهل العلم أتت على معنيين. فأحيانًا يعبر بالمنقطع ويراد به هذا الذي أشار إليه، وأحيانًا يعبر به ويراد به المعنى الثاني. وكثير من الفقهاء والمحدثين على علم ودراية بذلك، لكن لأن بعض أهل العلم ممن تقدم جرى عنده التسامح في التعبير في الألفاظ، فربما بعضهم تسامح في مثل هذا التعبير، كما نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه سمى المرسل منقطعًا. فأشار فيما نقله عنه يونس بن عبد الأعلى: حين تكلم الإمام الشافعي رحمه الله على الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه، فبين أنه القرآن والسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، إلى أن قال: «وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع سعيد بن المسيب». فقول الإمام الشافعي: «ما عدا منقطع سعيد»، في الحقيقة سعيد الذي وصف له المنقطع هو مرسل، ليس منقطعًا؛ لكن لأن سعيد لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ما يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام فيه معنى الانقطاع. فإذا لفظ المنقطع يطلق على كل ما لم يحصل له اتصال، وهذا التعبير يوافق اللغة. لكن هناك تعبير آخر: وهو أن المنقطع له معنى خاص عند أهل المصطلح وأهل هذا العلم، وهو ما سيأتي بالتعريف الثاني: ما سقط من إسناده راو واحد أو أكثر، ليس على التوالي، ويكون الساقط قبل الصحابي. قال رحمه الله تعالى: الثاني: هو ما سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي في الموضع أي موضع كان. ما سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي في أي موضع كان، يعني ما عدا الصحابي. فيكون السقط قبل الصحابي. ممكن نقول: ما سقط من إسناده راو أو أكثر، راو واحد أو أكثر، ليس على التوالي؛ لأنه لو كان على التوالي كان معضلًا. ويكون الساقط قبل الصحابي؛ لأنه لو كان الساقط بعد الصحابي فإنه سيكون مرسلًا. قال رحمه الله تعالى: هو ما سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي في الموضع أي موضع، وإن تعددت المواضع، بحيث لا يزيد الساقط في كل منها على واحد؛ لأنه لو سقط أكثر من واحد كان معضلًا، ولو سقط أكثر من واحد من أوله فهو المعلق. وإذا كان من آخره فهو المرسل. والمعلق والمرسل: حتى ولو سقط واحد، المعلق من منتهى السند مما يلي الشيخ، والمرسل من أول السند مما يلي الصحابي. قال رحمه الله: فيكون منقطعًا من مواضع، وهذا هو المشهور. يعني: لا يلزم المنقطع أن يكون الانقطاع في موضع واحد فقط، فقد يكون في أوله وفي وسطه وفي آخره. فمثلًا لو روى الإمام مسلم حديثًا عن مالك، فأسقط يحيى، ورواه مالك عن ابن عمر، فأسقط نافع، فإن هذا الحديث فيه انقطاع في موضعين، وهو ممكن أن يسمى منقطعًا ومعلقًا. وكذلك ماذا؟ الثالث: مرسل واضح. مالك يرويه إذا رواه عن النبي عليه الصلاة والسلام مرسل، إذا رواه عن ابن عمر فهو منقطع. فمثل هذا منقطع، ولو سقط من إسناده أكثر من رجل، ما دام ليس على التوالي. قال: وخرج بقولنا: «راو واحد»، المعضل. وخرج بقولنا: «قبل الصحابي»، المرسل؛ لأنه لو سقط الصحابي يعني لم يكن مذكورًا فهو مرسل. وكما مر معنا على ما سبق: أن المرسل كان مرسلًا، وحكمه حكم المرسل، لا لأجل سقوط الصحابي فقط، لكن للجهل بالساقط: هل الصحابي فقط أو مع الصحابي أحد آخر؟ قال: مثاله: مثل له ابن الصلاح بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن ابن إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة مرفوعًا: «إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين». الحديث. قال: فيه انقطاع في موضعين. انظروا ترجمة زيد بن يثيع ما حاله؟ إلا أنه قريب ينظر؛ لأن ترجمة زيد بن يثيع. قال: فيه انقطاع في موضعين: أحدهما أن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيبة الجندي عن الثوري. وقد ذكر هذا الحديث الحاكم رحمه الله تعالى في معرفة علوم الحديث، ومثل به، وبين أن الساقط بين عبد الرزاق والثوري علم برواية محمد بن أبي السري؛ فقد رواه عن عبد الرزاق عن النعمان عن سفيان، فعلم الساقط برواية محمد بن أبي السري، مع أن عبد الرزاق أكثر من الرواية عن الثوري وسمع منه، إلا أنه لم يسمع منه هذا الحديث بعينه. علم ذلك برواية محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق عن النعمان يعني بن أبي شيبة الجندي عن سفيان الثوري. وأشار إلى هذا الحديث كذلك العلاء رحمه الله في جامع التحصيل. قال: والثاني: أن الثوري لم يسمعه من ابن إسحاق، وإنما سمعه من شريك عن ابن إسحاق. وهذا كذلك علم بالرواية السابقة. فصار فيه الانقطاع، مع أن الثوري سمع من ابن إسحاق، لكن لم يسمع هذا الحديث. ولهذا صار الانقطاع ها هنا من المباحث الخفية الدقيقة التي لا يكاد يعرفها إلا الحفاظ الذين أوتوا معرفة وبصيرة في روايات أهل الرواية؛ فجمعوا الطرق للحديث الواحد والباب الواحد، يتبين به استقامة الحديث وعدم استقامته. فانظر أنت إذا رأيت ظهر هذا الحديث، تظن أن عبد الرزاق سمعه من الثوري، وأن الثوري سمعه من ابن إسحاق، مع أن الثوري سمع من ابن إسحاق، وعبد الرزاق سمع من الثوري، إلا أن هذا الحديث لم يحصل فيه سمع. أسقط عبد الرزاق الواسطة، وأسقط الثوري الواسطة. ومما يعين على التنبه لمثل هذه العلل الخفية النظر في صيغ التحديث. ينبغي على طالب علم الحديث أن يكون دقيقًا في متابعة صيغ التحديث. فأنت لو رأيت هذا الحديث، فإنه لم يروى بصيغة السمع والإخبار، وإنما روي بصيغة العنعنة. قال: «عبد الرزاق عن الثوري»، وقال: «الثوري عن ابن إسحاق». فأنت إذا وجدت مثل هذه الصيغة، صيغة العنعنة، ينبغي عليك أن تتنبه لها، حتى ولو كانت من غير مدلس؛ ما أن عبد الرزاق عرف بشيء من التدليس، لكن حتى ولو لم تكن من مدلس، انتبه لبعض الأحاديث التي تروى بصيغة ليس فيها صيغة السماع والإخبار. كما أنك كذلك تنتبه إذا رويت إذا سمعت وروي لك وقرأت ووقفت على صيغة تحديث من مدلس، إذا المدلس حدث بصيغة تحديث عن رجل سمع منه، فإنك تنتبه لهذا؛ لأنه أحيانًا يحصل تصحيف يكون أصل الحديث بغير صيغة التحديث، فإنه ربما يحصل خطأ من بعض الرواة أو من بعض النساخ، فتظن الحديث متصل وليس الحديث متصل. فإذا رأيت في إسناد أحد المدلسين، فإذا تتبعت السند وانظر إلى طرق هذا السند حتى تتأكد من صحته. وإذا وقفت على إسناد لأناس هم من أهل الثقة والرواية المستقيمة، لكن روي بصيغة عنعنة، فإنك كذلك تتأكد وتتثبت؛ لأن هذه العنعنة قد يكون خلفها شيء. مثل هذه الرواية، رواية عبد الرزاق عن الثوري بالعنعنة، كان تحتها بعد التفتيش: أن الثوري أن عبد الرزاق لم يسمع من الثوري. ورواية الثوري عن ابن إسحاق، كان هذه العنعنة تحتها بعد التفتيش: أن الثوري لم يسمع من ابن إسحاق. نعم، وجدتم يزيد بن يثيع طيب، إذن يكون الحديث ضعيف. يزيد بن يثيع مجهول. وهكذا كذلك رواية شريك فيها شيء. وباقي الإسناد رجاله ثقات، يعني بغير المنقطع، بالمتصل، برواية محمد بن أبي السري. قال رحمه الله تعالى: حكمه، أي حكم المنقطع. قال: «نقل الصنعاني عن ابن حجر». قوله: وقد قال السمعاني: «من منع من قبول المراسيل فهو أشد منعًا لقبول المنقطعات». وهذا قياس. وكما قال أكثر أهل الحديث: أن أكثر علماء الحديث لم يتكلموا في حكم المنقطع، أكثرهم لم يتكلم في حكم المنقطع؛ وذلك لأمرين: الأمر الأول: أن المنقطع لفظ عام، تدخل تحته أحكام كثيرة. فيدخل تحت المنقطع المرسل، ويدخل تحته المعضل، ويدخل تحته، كذلك المعلق، وغير ذلك من الأقسام التي سبقت الإشارة إليها. فكل ما لم يتصل بحالي إسناده منقطع الأوصال. فلذلك لم يتكلموا على المنقطع بعينه؛ لأن تحت المنقطع تفاصيل تكلموا على تلك التفاصيل. والمعنى الثاني: أن بعض أهل الحديث لم يتكلم على المنقطع للعلم به؛ لأن الحديث المرسل، والذي هو أحسن حالًا من المنقطع، اختلفوا فيه على الاختلاف الذي سبق معنا. وكان الصحيح: أن المرسل من قسم الضعيف، ولكنه يصلح على الصحيح بالشواهد والمتابعات. قالوا: فالمنقطع من باب أولى. ولهذا نقل من نقل كلام أهل العلم بالقياس، مثل ما نقل السمعاني ها هنا. قال السمعاني: «من منع من قبول المراسيل فهو أشد منعًا لقبول المنقطعات»، يعني من باب أولى؛ لأن المنقطع أشد من المرسل. فالمرسل: محتمل أن يكون الساقط الصحابي فقط، ومحتمل أن يكون غير الصحابي. وأما المنقطع: فليس الساقط فيه احتمالًا، يكون الصحابي فقط، بل هو على الجزم: أنه راو أو أكثر. وإذا كان كذلك فهو أسوأ حالًا من المرسل. قال رحمه الله: ومن قبل المراسيل اختلفوا، يعني في حكم المنقطع، كما اختلفوا في حكم المرسل. من باب أولى أن يختلفوا في حكم المنقطع. قال: وعلى هذا مذهب من يفرق بين المرسل والمنقطع، يعني من فرق بين المرسل والمنقطع، ولم يجعل المنقطع هو المرسل. وقد مر معنا: أن بعض أهل العلم سمى المرسل منقطعًا، كتعبير الإمام الشافعي رحمه الله، فيما نقله أبو حاتم الرازي عن يونس بن عبد الأعلى عن محمد بن إدريس الشافعي، تلك المقولة. وفيها: «وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع سعيد بن المسيب». ونقل هذا ابن القيم رحمه الله في الإعلام. قال رحمه الله تعالى: وقد نقل الصنعاني عن الجوزقاني: أنه قال في مقدمة كتابه في الموضوعات: «المعضل أسوأ حالًا من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالًا من المرسل، والمرسل لا تقوم به حجة». وكلامه صحيح، مع تنبيه: ألا يكون المنقطع هاهنا فيه انقطاع أكثر من موضع، بل يكون في موضع واحد؛ لأنه لو كان فيه انقطاع في أكثر من موضع صار مثله مثل المعضل. فلا نستطيع أن نقول عند ذلك: والمنقطع، المعضل أسوأ حالًا من المنقطع. لا يكون أسوأ حالًا من المنقطع إلا والمنقطع انقطاعه في موضع واحد، والمعضل في موضع واحد. فعند ذلك: المنقطع أحسن من المعضل، والمعضل أسوأ من المنقطع. أما إذا كان المعضل في موضع واحد، والمنقطع في أكثر من موضع، فلا تفاضلها هنا؛ لأن المنقطع ساوى المعضل؛ إذ أنه كان فيه انقطاع أكثر من موضع. وممكن أن يكون منقطعًا وفيه انقطاع أكثر من موضع، كما تقدم معنا: هو ما سقط من إسناده راو واحد أو أكثر، ليس على التوالي. وبعد هذا فماذا يكون حكم المنقطع؟ الجواب: حكم المنقطع هو حكم الضعيف على الصحيح من أقوال أهل العلم. ولكن هل هو من الضعيف الذي لا يصلح للشواهد والمتابعات، أو هو من الضعيف الذي يصلح للشواهد والمتابعات؟ في هذا خلاف بين أهل علم الحديث. ذهب كثير منهم إلى أن المنقطع لا يصلح للشواهد والمتابعات، فهو أشد من المرسل. وفصل بعضهم، فقال: يقبل في الشواهد والمتابعات إذا احتفت به قرائن، وصارت به نوع من الاعتضاد الذي به ممكن أن يصل إلى الحسن. وقال بعضهم مطلقًا: إنه يصلح للشواهد والمتابعات. والصواب: الوسط، هو التفصيل. فمنه ما يصلح للشواهد والمتابعات إذا احتفت به قرائن، وصار الاعتضاد له يؤيد أنه له أصل. مثل ما سبق في المرسل؛ فكما أن المرسل إذا عضد واحتفت به القرائن يقبل، فكذلك المنقطع على الصحيح. وعلى هذا عمل الكثير من علماء الحديث: أنهم يرون المنقطع يصلح للشواهد، ولو كان في الأصل أن المنقطع لا يصلح بالشواهد، الأصل لا يصلح للشواهد، لكن إذا احتفت به قرائن وعضد بما مثله لا يرد أو يؤيد أنه له أصل، فإنه يكون في الشواهد. وقد يقول قائل: كيف قلتم: إن مجهول العين لا يصلح للشواهد والمتابعات، ومجهول العين أحسن حالًا من الحديث المنقطع؛ لأنه رجل واحد، وإنما جهل عينه. وإنما المنقطع فلا ندري: هل هو رجل أو أكثر؟ وهو أشد من مبهم. فكيف هنا قلنا: إنه لا يصلح للشواهد والمتابعات، وهنا قلنا: يصلح؟ الجواب: نعم، هو هنا كذلك لا يصلح، لكن بهذا القيد: إذا احتفت به قرائن وعضده ما مثله لا يرد. مثل هذه الرواية. وهذا حتى يقال في مجهول العين: حتى مجهول العين إذا اقترنت به قرائن من شواهد ومتابعات، وعضد بما مثله لا يرد، فإنه كذلك يقبل. وقد صنع نحو ذلك كثير من أهل العلم، كما ذكر العلامة الألباني رحمه الله في بعض الأحوال، فيما وثق ابن حبان رحمه الله تعالى. وأحيانًا يوثق من هو مجهول العين، لكن هو لم يقبله مطلقًا، وإنما فصل بحسب قرائن وغير ذلك. وسيأتي إن شاء الله التنبيه على بعض ذلك في دروس لاحقة. إلى هنا والله تعالى أعلم.