الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع بتحية وذكر لله، حيث يُصلى على النبي محمد وآله، ويُتبع ذلك بالسلام ورحمة الله وبركاته على الحاضرين.
يصف نعيم الجنة وأهلها، مركزًا على وصف الحور العين اللاتي هن شديدات الجمال، مقصورات في الخيام، لم يمسهن أحد قبل أزواجهن من الإنس أو الجن.
يفسر معنى الحور العين في الجنة، ويشرح معنى "مقصورات في الخيام" ويبين أنهن مستورات ومحفوظات ومنعمات في أماكن فاخرة.
يصف العلماء نساء الجنة بأن الله يجعل نساء الدنيا في كمال وتمام ينافس حور الجنة، ويزيد في وصف نعيم أهل الجنة وفرشهم ورفاهيتهم.
﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ قال المفسر رحمه الله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾، قال: فيهن أي جنتين وما فيهما خيرات أخلاقًا حسان وجوهرًا، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿حُورٌ﴾ شديدات سواد عيون وبياضها، ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾ مستورات في الخيام من در مجوف، من در مجوف مضافة إلى القصور، شبيهة بالخدور، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾، قال: أي قبل أزواجهن، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أي أزواجهن وعرابه كما تقدم، على رفرف خضر، جمع رفرفة، أي بسط أو وسائد، وعبقري حسان، جمع عبقرية، أي طنافس، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ تقدم، ولفظ اسم زائد. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في هذه الآيات العظيمات في وصف الجنة وأهلها، جعلنا الله وإياكم والسامعين من خاصة أهلها. ومر معنا ما ذكر من وصف الذي جعله الله لأهل الجنة، وأن في الجنة جنتان، وكذلك جنتان، فأربع جنان مختلفات، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل بعضها يتفاضل، يكرم الله عز وجل بها من يشاء من عباده المؤمنين المتقين، جعلنا الله وإياكم والسامعين من خاصة أهلها. وذكر في الآيات السابقات من المفسر رحمه الله تفسير الجنتين الأخرين، ومما وصف في ذكر الجنتين الأخرين قوله سبحانه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾، قال رحمه الله: خيرات حسان، قال: فيهن أي الجنتين وما فيهما، وفي نسخة: الجنتين وقصورهما، بدلا من «وما فيهما»، والثاني أصح، فيكون: ﴿فِيهِنَّ﴾ أي في الجنتين وقصورهما خيرات حسان. والمعنى: الحور والخادمات وكل معاني الخير، جعله الله عز وجل في هاتين الجنتين، لأن خيرات نكرة في سياق الإثبات، فيفيد معنى الإطلاق، ففيه من معاني الخيرات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، وحسان غاية في الحسن، وأول ذلك الحور العين، وهذا هو الذي جاء بعد قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تذكيرًا بآلاء الله ونعمه، فلا نكذب بشيء من نعم الله وآلائه. ﴿حُورٌ﴾ مقصور ومقصورات، قال: شديدات سواد العيون وبياضها، هذا تفسير ببعض المعنى، الأصل في معنى الحور هو اكتمال الجمال والكمال في وصف المرأة الجميلة التي بلغت جمالها أعلى الدرجات والغايات، ومن ذلك أن يكون كذلك، ولا يلزم أن يكون على هذا الوصف، ولكن فيه كل ما يشتهيه الإنسان من الجمال، يجعله الله عز وجل تكرمة وإكمالا لإنعامه موجودًا في الجنة. ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾ قال: مستورات، وهذا أحد معاني مقصورات، فمستورات أحد معاني مقصورات، والصحيح أنه أعم من ذلك، فهن مقصورات، أي مستورات ومنعمات في المكان الذي هن فيه، في مقصورة، والمقصورة هو المكان الذي قد بولغ في إجاد خدماته، فتقول: مقصورة الطائرة، هو مكان ضيق صغير، لأن مكان ركوب الطائرة فيه من خدمات قائد المركبة ما لا يوجد في غيره، غاية في الكمال والإتقان، وهكذا كذلك السيارة الفارهة الفاخرة، يقال: مقصورة، لأنها غرفة لها كل ما يحتاجه الراكب في ذلك المكان، لما يستغني عن غيره، وهكذا يسمى القصر، وهو أعلى وأفخر ما يسكن فيه الإنسان، سمي ماذا؟ قصرا، لأنه يحتوي كل ما يحتاجه الساكن على أكمل وأفخر وأفخم ما يكون به حاجة المنتفع. والمعنى: أن الحور مستورات، منعزلات، محفوظات، مكتفيات بأزواجهن، وفي نفس الوقت غرفة لهن من معاني الرفاهية والفخامة والهناء والعيش الرغيد، ما يجعل مكانهن كأعظم نعيم يكون فيه الإنسان، وهذا هو المعنى الذي يدور حول هذا اللفظ، فتناول اللفظ عدة معاني: الاكتفاء، والستر، والحفظ، والوفاء، وتناول كذلك النعيم والرخاء، وما كان بمعنى مما يكون به كمال الإنعام. نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا من عظيم فضله، وعظيم عطائه، ويجعلنا وإياكم والسامعين من خاصة أهل جنته ورضوانه. وقوله: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ قال: من در مجوف، مضاف إلى القصور، شبيهة بالخدور، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، الخيمة هو أصغر مأوى يأوي إليه الإنسان في الدنيا، ولكنه بالآخرة ليس فيه مما في الدنيا إلا الاسم، فوصف الله عز وجل هذه الخيام بأنهن فيهن هذه المقصورات، ومعناه: أن خيام الآخرة أعظم من قصور الدنيا، خيام الآخرة أعظم من قصور الدنيا. فإذا كانت الخيمة التي هي أصغر مأوى يأوي إليه الإنسان في الدنيا، جعلها الله عز وجل في الآخرة من اللؤلؤ، وجعلها في الفخامة والنعيم والاكتفاء ما يكون أعظم من قصور الدنيا، ثم لا ننسى أنه ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء، فيكون فيه زيادة تأكيد لعظيم النعيم الذي يجعله الله سبحانه وتعالى لأهل الجنة ومن فيها. فهؤلاء الحور العين مقصورات، أي مستورات، محفوظات، حافظات، ومنعمات، ومكرمات في هذه الخيمة التي هي من اللؤلؤ، والخيمة أعظم من قصور الدنيا. وقوله: ﴿مِنْ دُرٍّ مُجَوَّفٍ﴾ مضافة إلى القصور، الصحيح: ليس أن الخيمة جزء من القصر، بل الخيمة بحد ذاتها صارت أعظم من القصر، الخيمة بحد ذاتها صارت أعظم من القصر، لكمال ما فيها من النعيم والرخاء، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تذكيرًا بعظيم آلائه ونعمه، فلا نكذب بشيء منها سبحانه. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ قال: أي قبل أزواجهن، واختلف أهل العلم بالنسبة لنساء الآخرة، وحور الجنة لا إشكال فيه، لكن بالنسبة لنساء الدنيا، كيف ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾؟ ومن نساء الدنيا من يكون في الدنيا ثيبات. قال العلماء: هذا بالنسبة لحور الجنة كامل الوصف، وبالنسبة لنساء الجنة لا إشكال في هذا، وبالنسبة لنساء الدنيا التي يؤوي بهن النعيم إلى هذا المكان وهذه المنزلة، يجعلهن الله سبحانه وتعالى في الكمال والتمام ما يجعلهن منافسات وأعظم من حور الجنة، فيكن في هذا الوصف والكمال، حتى أن الزوج وهو يعرف زوجته لا يرى فيها هذا الوصف الذي كان يعرفه من قبل، يعني كأنها بكر، كما وصف الله عز وجل نساء أهل الجنة. وفيه دليل كما تقدم معنا على أن هذا النعيم للإنس والجن معًا، ولكون هذا الوصف غاية في الكمال والإنعام، قال الله عز وجل: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تذكيرًا بعظيم آلائه ونعمه، فلا نكذب بشيء من آلائه ونعمه سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ قال: أزواجهن وعرابه كما تقدم، يعني في الآية التي سبقت وهي الشبيهة بهذه الآية، فهناك مر معنا: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ ومعناه: أن كل جنة فيها من الفرش ما هو أعظم من الأخرى، والرفرف الخضر قال: جمع رفرفة، أي بسط أو وسائد، وعبقري حسان، قال: جمع عبقرية، أي طنافس، وكل هذا من أفخر ما يفرش، فهو زيادة في وصف النعيم والرخاء والفخامة الذي يتنعم بها أهل الجنة ونساء أهل الجنة، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، لما كانت هذه من عظيم نعم الله وآلائه، ختمت بهذا التذكير، فلا نكذب بشيء من آلائه ونعمه سبحانه وتعالى. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ قال: تقدم، ولفظ اسم زائد، والصحيح: لا يوجد في القرآن شيء زائد، بل كل ذلك مقصود أصالة، فتبارك أي: تعاظم سبحانه وتعالى، اسم الله من ذات الله المعظمة، ذي الجلال والإكرام، أي: صاحب وصف كمال الجلال والإكرام. وكل ما ذكر من بعض آثار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ومن ذلك ما في هذين الاسمين العظيمين: الجلال والإكرام، والله عز وجل كامل في أسمائه وصفاته، وإذا اقترنت الأسماء بعضها ببعض زادت هذا الكمال والجمال حسنًا وكمالا، فإكرام الله عز وجل مقترن بالجلال، وجلاله مقترن بالإكرام، وهذا مبالغة في ذكر معنى عظمة أسماء الله وصفاته وآثار أفعاله على خلقه. ويناسب ذلك أن تختم به هذه السورة العظيمة، وما فيها من الآيات من وصف نعيم أهل الجنة، جعلنا الله وإياكم والسامعين من خاصة أهلها، وأبعدنا وإياكم والسامعين من النار وعذابها. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ليس في الآخرة في الدنيا، مما في الدنيا إلا ليس في الدنيا، مما في الآخرة إلا الأسماء، نعم، العكس، المقصود أن ما في الآخرة أعظم، فليس فيه من الدنيا إلا الاسم، وإلا في الدنيا ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، والمقصود أن في الآخرة أعظم مما في الدنيا، ما في الآخرة أعظم وأكبر مما في الدنيا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.