كتاب الطهارة 8

كتاب الطهارة 8

الدرس في كتاب الطهارة 8، الدرس الثامن : فيه : ( الحديث الثالث:عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ... فهو أشد مناسبة وأقرب إلى المعنى). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث ويل للأعقاب

يبدأ الدرس بشرح حديث "ويل للأعقاب من النار" ويبين معناه وسبب ورود الحديث في سياق الوضوء والغسل. يتم تفسير معنى الويل والعقاب وإعراب الحديث.

تحليل معنى العقب في اللغة والشريعة

يتناول المقطع معنى العقب في اللغة والشريعة، ويحذر من إهمال الأعقاب في الوضوء استنادا إلى حديث النبي. يشدد النبي على إسباغ الوضوء واستيعاب جميع أعضاء الوضوء بالماء.

وجوب غسل الرجلين ورد الشبهات

يؤكد الدرس على وجوب غسل الرجلين في الوضوء استنادا إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة، ويرد على شبهات حول مسح الرجلين، مبينا أن الأدلة الشرعية تثبت وجوب الغسل.

ختام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

تم اختتام الدرس بما تم شرحه حتى الآن، وسيتم استكمال الباقي في الدرس اللاحق. يشير إلى أن الله تعالى هو الأعلم بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار». أورد الحافظ المقبس، يرحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث الطهارة وإسناده. وكما وعدنا أننا نحرص ما تيسر على الإتيان بأقرب إسناد يوافق أقرب لفظ للفظ المؤلف صاحب المتن. وأقرب الألفاظ، ولفظ الإمام مسلم في صحيحه قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار». وأما حديث عبد الله بن عمر بن العاص فقد رواه البخاري، مسلم، لكنه مطولا، وفيه قصة وألفاظ. وأما حديث عائشة فقد انفرد به مسلم، وليس هو في الصحيحين، فكان من حق المؤلف أن ينبه على ذلك، وهو إنما أورد أحاديث الصحيحين، فحديث عائشة انفرد به مسلم. وهكذا كذلك لفظه فيه شيء من الزيادة عما ذكر. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث. أولا، قبل ذكر ذلك ننبه أن مناسبة إيراد المؤلف لهذا الحديث في هذا الموضع هو كالتوطئة والمقدمة للتحذير من التفريط في غسل الأعضاء في الوضوء والغسل. لما كان سيشرع في الكلام على أحكام الوضوء والغسل وما قبلهما، ناسب أن يذكر شيء يكون فيه توطئة في التحذير من عدم الإسباغ في الوضوء والغسل. ولهذا جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث في حديث عبد الله بن عمر عند البخاري في حديث ستة وعشرين، قال: «أسبغوا الوضوء». قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد القصة: «أسبغوا الوضوء». قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث. قال: الويل، العذاب والهلاك. والويل مصدر لا فعل له من لفظه، يعني ليس هناك فعل استخرج منه المصدر وكان له مصدر وإنما مصدر ليس له فعل. قال: والويل مصدر لا فعل له من لفظه. والويل كما قال: العذاب والهلاك، يعني هذا معناه في اللغة. وقيل: أنها كلمة أريد بها التهديد، أي التهديد بالعذاب والهلاك. وروي أن الويل المراد به موضع في قعر جهنم، كما رويا عن عطاء أنه لو أرسلت فيه الجبال لذابت. وإعرابه يكثر لأنه قد يسأل كيف تعرب؟ تعرب أنها إذا ابتدئ بها تعرب على الابتداء ترفع على الابتداء. وإذا نصبت فإنها تنصب على إضمار فعل ليس هو من جنس ولا من لفظ فعل الويل، ولكن فعل يناسبه المقام. وقد تضاف، فإذا أضيفت فهي بحسب ما توضع فيه. ثم قال رحمه الله: العقاب، جمع عقب، وهو مؤخر القدم، والمراد أصحابها. عبارة المؤلف في قوله: «ويل للعقاب من النار»، إشارة إلى أن المراد بالعقب مؤخرة القدم، وهو كذلك، لكن المراد هو ذاك الانخفاض الذي يكون قبل العقب، فإنه الغالب الذي لا يمسه الماء، الغالب الذي لا يمسه الماء، يعني عند الاستعجال وقلة الماء، وهو ما يحادي الكعبين. ويناسب هنا أن نذكر أن لكل قدم كعبان اثنان، وهذا ما دلت عليها دلة الكتاب والسنة. وهكذا كذلك عليه إجماع أهل العلم، وهو كذلك عند أهل اللغة، خلافا لطوائف من الشيعة، فهم يزعمون أن العقب هو الكعب. يزعمون أن العقب هو الكعب، فعلى معنى ما يريدون يجعلون لكل رجل ماذا؟ كعب واحد. لكل رجل كعب واحد، وهذا خطأ مخالف لأدلة الكتاب والسنة وما نقل عن علماء الأمة. فأما من أدلة الكتاب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فإن قول الله جل وعلا: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ يدل أن لكل رجل كعبين اثنين، هما كعبان اثنان، لأنه لو كانت لو كان كعب واحد لقال: إلى كعبكم، لكن قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فدل المراد كعبي كل رجل، كما بيّنه العلماء. وارجع في ذلك إلى تفسير من كثير. وهكذا كذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عثمان بالصحيحين، وسيأتي معنا إن شاء الله: «والى الكعبين»، يعني غسل رجله اليمنى إلى الكعبين. حديث عثمان فيما يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام في وضوءه، فقوله: «إلى الكعبين»، دل أن لليمنى ليس كعب واحد بل هما كعبان. وهكذا كذلك في حديث النعمان بن بشير الذي أصله في البخاري، ورواه البخاري بهذا اللفظ معلقا، ووصل ابن خزيمة بإسناد صحيح، قال: «وكان الرجل يلزغ كعبه بكعب صاحبه»، يلزغ كعبه بكعب صاحبه، فدل أن لكل قدم ليس كعب واحدة، بل هما كعبان: كعب من يمينه وكعب من شماله. وهكذا كذلك تلام أهل اللغة، وهو كثير. وسيأتي معنا السبب في ذلك، أي لماذا قال الطوائف من الشيعة بهذا؟ قال: وألف الأعقاب للعهد، يعني المراد «ويل للأعقاب» أي أعقابكم، أو المراد «ويل للأعقاب» التي لم تمسها الماء، أي ويل لها من النار. وجاء في بعض روايات حديث عبد الله بن عمر أنهم كانوا في سفر، فأرهقهم العصر، فبادروا في الوضوء، فاستعجل قوم حتى لاحت أقدام، حتى لاحت أقدام بعض من كان في القوم، يعني مما لم تمسها الماء من العجلة وقلة الماء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: «ويل للأعقاب من النار». وفي رواية بعد أن قال ذلك قال: «أسبغ الوضوء». وهذا هو المقصود من هذا التحذير إسباغ الوضوء، يعني استيعاب جميع أعضاء الوضوء بالماء. وأكثر ما يبتل به الناس عند العجلة وقلة الماء في الكعبين، يعني ما حول الكعبين. وهكذا ربما عند الأصابع، وهكذا كذلك في أطراف المرفقين، فإن العجلة ربما تحرم تلك الأجزاء من الماء. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال: في الأعقاب، ألف الأعقاب للعهد، أي الأعقاب التي لا ينالها الماء. وبهذا يستقيم الوعيد، يعني ليست كل الأعقاب، وإنما الأعقاب التي لم تمسها الماء. وعلى الرواية التي سمعنا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كانت مثلها إلى يوم الدين. قال: المعنى الإجمالي: يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من التهاون بأمر الوضوء والتقصير فيه، ويحث على الاعتناء بإتمامه. ولما كان مؤخر الرجل غالبا لا يصل إليه ماء الوضوء، فيكون الخلل في الطهارة والصلاة منه، لأن الصلاة لا تقبل كما مر معنا إلا بوضوء. لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، والمراد بالوضوء الوضوء الكامل. قال: أخبر أن العذاب منصب عليه على صاحبه المتهاون في طهارته الشرعية. وفي هذا دليل أن ذكر البعض يورد ويراد به الكل. وهذا كثير في اللغة أن يذكر البعض ويراد به الكل. ليس المعنى أن القدم فقط تدخل النار، لكن القدم تورد صاحبها إلى النار، تورد صاحبها إلى النار. قال: وما يؤخذ من الحديث، أولا: وجوب الاعتناء بأعضاء الوضوء وعدم الإخلال بشيء منها. وقد نص الحديث على القدمين، وبقية الأعضاء مقيسة عليهما مع وجود نصوص لها. فالشرع لا يجمع بين متفرق كما لا يفرق بين مجتمع. فالمجتمعات يلحق بعضها ببعض. فالمقصود هو إسباغ الوضوء سواء في الرجلين أو في الوجه أو في اليدين أو في أي موضع وجب. فإن كان غسل ففي الجسد كاملا. قال رحمه الله: ثانيا: الوعيد الشديد المخل في وضوءه، لأنه قال: «ويل للعقاب»، و«ويل» على أحد المعنيين: إما العذاب والهلاك، وهو وعيد شديد، وإما واد وموضع في قعر جهنم. قال: الثالث، أو ثالثا: أن الواجب في الرجلين الغسل في الوضوء، وهو ما تظاهرت عليه الأدلة الصحيحة وإجماع الأمة، خلافا لشذور الشيعة الذين خالفوا به جماهير الأمة، وخالفوا به الأحاديث الثابتة في فعله وتعليمه صلى الله عليه وسلم للصحابة إياه، كما خالف القياس المشتقيم. من أن الغسل للرجلين أولى وأنقى من المسح، فهو أشد مناسبة وأقرب إلى المعنى. ذهب الطوائف من الشيعة إلى أن الرجلة تمسح ولا تغسل، وهذا باطل يرده دليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس الصحيح. فأما دليل الكتاب: قول الله جل وعلا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، بعد أن قال: ﴿أَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، بماذا؟ بالنصب، فدل على أن ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على ماذا؟ على منصوب، أو على مخفوض مجرور على منصوب. والمنصوب ذكر فيه حكم الغسل للمسح، فعلم بهذا أن الأرجل تغسل، أن الأرجل تغسل. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. والسنة تفسر القرآن، وقد تواترت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا المعنى. من هذه الأحاديث المتواترة: «ويل للأعقاب من النار»، هو متواتر بمعنى التواتر عند المحققين من أهل السنة. ليس للمتواتر عدد، فكل ما بلغ مبلغ اليقين فهو من المتواتر. ما كان يبلغ مبلغ اليقين فهو متواتر، وهذا منه. كيف إذا انضافت إليه الأحاديث الأخرى الكثيرة التي تدل على هذا المعنى، أي على أن الرجلين تغسلان، فإنه من باب أولى. وهم قد خالفوا هذه الأحاديث الكثيرة التي سيمر معنا شيئا كثيرا منها. وهكذا الإجماع: إجماع الأمة كما نقل المؤلف رحمه الله. وهكذا القياس الصحيح: القياس الصحيح أن ما فيه مشقة فإنه يمسح، وما ليس فيه مشقة فإنه يغسل. ولما كان الشعر في غسله مشقة وقع التخفيف، فكان المسح. ولما كان الخف في غسله مشقة كان المسح. ولما كان الخمار والعمامة في غسله مشقة كان ماذا؟ كان المسح. والقياس الآخر: أننا نجد أن المسح يكون على الشعر وما كان بمعنى، والغصل يكون على الجلد وما كان بمعنى. وهذا من الجلد ليس من الشعر، فإذا لا يساندهم أي في مذهبهم الباطل لا دليل ولا قياس. أما الدليل من الكتاب والسنة فيخالفهم، وأما القياس فكما سمعنا فهو كذلك يخالفهم. والإجماع زيادة على ذلك. وبه تعرف السبب الذي لأجله ذهبوا أولا وقالوا القول، ثم استدلوا له ثانيا. فزعموا أن الكعب هو العقد، كما سمعت لأجل أن يجعلوا حكم المسح لا حكم الغسل. نكتفي بهذا، ونترك إن شاء الله الباقي لدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.